باب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النُّحْلِ
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ : وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا ، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا أَبَتِ ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ ! فَمَنْ الْأُخْرَى ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ - أُرَاهَا جَارِيَةً . 1474 1432 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ ) خَالَتِهِ ( عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ ( كَانَ نَحَلَهَا ) بِفَتْحَتَيْنِ ( جَادَّ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ ( عِشْرِينَ وَسْقًا ) مِنْ نَخْلَةٍ ، إِذَا جُدَّ أَيْ قُطِعَ - قَالَهُ عِيسَى ، فَهُوَ صِفَةٌ لِلثَّمَرَةِ ، وَقَالَ ثَابِتٌ : يَعْنِي إن ذَلِكَ يُجَدُّ مِنْهَا .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : هَذِهِ أَرْضٌ جَادٌّ مِائَةُ وَسْقٍ أَيْ يُجَدُّ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَهُوَ صِفَةٌ لِلنَّخْلِ الَّتِي وَهَبَهَا ثَمَرَتَهَا ، يُرِيدُ نَخْلًا يُجَدُّ مِنْهَا عِشْرُونَ . ( مِنْ مَالِهِ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَ حَدِيثَ النُّعْمَانِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ - قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، ( بِالْغَابَةِ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ، وَصَحَّفَ مَنْ قَالَهَا بِتَحْتِيَّةٍ ، مَوْضِعُ عَلَى بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ ، كَانَ بِهَا أَمْلَاكٌ لِأَهْلِهَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْخَرَابُ ، وَغَلِطَ الْقَائِلُ أنَّهَا شَجَرٌ لَا مَالِكَ لَهُ بَلْ لِاحْتِطَابِ النَّاسِ وَمَنَافِعِهِمْ . ( فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ) أَيْ أَسْبَابُهَا ( قَالَ : وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ ) بِتَصْغِيرِ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ ( مَا مِنَ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( وَلَا أَعَزُّ ) أَشَقُّ وَأَصْعَبُ ( عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ ) ، وَفِيهِ أَنَّ الْغِنَى أَحَبُّ إِلَى الْفُضَلَاءِ مِنَ الْفَقْرِ ، ( وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا ، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ الْأُولَى وَإِسْكَانِ الثَّانِيَةِ - قَطَعْتِيهِ ( وَاحْتَزْتِيهِ ) بِإِسْكَانِ الْحَاءِ وَالزَّايِ بَيْنَهُمَا فَوْقِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ ، أَيْ حُزْتِيهِ ( كَانَ لَكِ ) لِأَنَّ الْحِيَازَةَ وَالْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الْهِبَةِ ، فَإِنْ وَهَبَ الثَّمَرَةَ عَلَى الْكَيْلِ فَلَا تَكُونُ الْحِيَازَةُ إِلَّا بِالْكَيْلِ بَعْدَ الْجَدِّ ، وَلِذَا قَالَ : جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ - قَالَهُ الْبَاجِيُّ .
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعُ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَقْبُوضَةً ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ : تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ بِلَا قَبْضٍ - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ لَا يَصِحُّ . ( وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ ( وَأُخْتَاكِ ) ؛ يُرِيدُ مَنْ يَرِثُهُ بِالْبُنُوَّةِ لِأَنَّهُ وَرِثَهُ مَعَهُمْ زَوْجَتَاهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَحَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ وَأَبُوهُ أَبُو قُحَافَةَ ، وَإِنْ رُوِيَ أَنَّهُ رُدَّ سُدُسُهُ عَلَى وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ .
( فَاقْتَسَمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا أَبَتِ ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا ) كِنَايَةً عَنْ شَيْءٍ كَثِيرٍ أَزْيَدَ مِمَّا وَهَبَهُ لَهَا ، ( لَتَرَكْتُهُ ) اتِّبَاعًا لِلشَّرْعِ وَطَلَبًا لِرِضَاكَ ، ( إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ ! فَمَنِ الْأُخْرَى ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ذُو ) أَيْ صَاحِبَةُ ( بَطْنِ ) بِمَعْنَى الْكَائِنَةِ فِي بَطْنِ حَبِيبَةَ ( بِنْتِ خَارِجَةَ ) بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ ، صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ صَحَابِيٍّ شَهِدَ بَدْرًا وَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ ، وَيُقَالُ أنه اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ، ( أُرَاهَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - أَظُنُّهَا ( جَارِيَةً ) أُنْثَى ، فَلِذَا قُلْتُ : أُخْتَاكِ ، فَكَانَ كَمَا ظَنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُمِّيَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ ، قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا وَذَلِكَ لِرُؤْيَا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ .