حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

باب الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ

بَاب الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ 1438 - 1528 1482 حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا ، قَالَ : فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، قَالَ : فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . 38 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ اللُّقَطَةُ : الشَّيْءُ الَّذِي يُلْتَقَطُ ، وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثِينَ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ : بِفَتْحِ الْقَافِ ، وَالْعَامَّةُ تُسَكِّنُهَا اهـ .

لَكِنْ جَزْمَ الْخَلِيلُ بِالسُّكُونِ ، قَالَ : وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ اللَّاقِطُ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : مَا قَالَهُ هُوَ الْقِيَاسُ ، لَكِنَّ الَّذِي سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ الْفَتْحُ ، وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ ، وَرَابِعَةٌ لَقَطَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ . وَوَجَّهَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَتْحَ الْقَافِ فِي الْمَأْخُوذِ بِأَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِيمَا اخْتَصَّتْ بِهِ ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَاهَا يَمِيلُ لِأَخْذِهَا فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ .

1482 1438 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَرُّوخَ ، الْمَعْرُوفِ بِرَبِيعَةِ الرَّأْيِ ، بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ ( عَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ ، الْمَدَنِيِّ الصَّدُوقِ ( مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ نَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُضْطَجِعَ فَسَمَّاهُ الْمُنْبَعِثَ ، وَكَانَ مِنْ مَوَالِي آلِ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُعْتِبٍ ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ( عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ الْحَافِظُ : زَعَمَ ابْنُ بَشْكُوالٍ وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ ، وَيُبْعِدُهُ رِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، وَبِلَالٌ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ ، وَقِيلَ هُوَ الرَّاوِي لِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِمَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلَى الشَّكِّ ، وَأَيْضًا فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ : أَتَى رَجُلٌ وَأَنَا مَعَهُ ، فَدَلَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَلَعَلَّهُ نَسَبَ السُّؤَالَ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ السَّائِلِ ثُمَّ ظَهَرَتْ لِي تَسْمِيَةُ السَّائِلِ ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، وَالْبَاوَرْدِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سُوَيْدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ ، الْحَدِيثَ ، وَهُوَ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ هَذَا الْمُبْهَمُ لِكَوْنِهِ مِنْ رَهْطِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْوَرِقُ تُوجَدُ عِنْدَ الْقَرْيَةِ ، قَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا . الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ سُؤَالُهُ عَنِ الشَّاةِ وَالْبَعِيرِ ، وَجَوَابُهُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .

وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ : إِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَعْرِفُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ . الْحَدِيثَ ، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ جِدًّا . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اللُّقَطَةُ نَجِدُهَا ، قَالَ : أَنْشِدْهَا وَلَا تَكْتُمْ وَلَا تُغَيِّبْ الْحَدِيثَ اهـ .

يَعْنِي فَيَحْتَمِلُ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ أَيْضًا بِأَبِي ثَعْلَبَةَ أَوْ عُمَيْرٍ ، وَالْجَارُودِ ، لَكِنْ يُرَجِّحُ أَنَّهُ سُوِيدٌ كَوْنُهُ مِنْ رَهْطِ زَيْدٍ الرَّاوِي كَمَا قَالَ ، وَإِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ سُوِيدٍ مِنْ رَهْطِ زِيدٍ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُمَا وَاحِدًا بِحَسَبِ الصُّورَةِ ، وَإِنْ كَانَا فِي الْمَعْنَى مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ هَذَا جُمُودٌ ، فَالْحَافِظُ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ هُوَ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا رَجَّحَهُ بِقَوْلِهِ أَوْلَى لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ عِنْدَهُمْ ( فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ : فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يَزِيدَ : الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، وَهُوَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَمْتَعُ بِهِ غَيْرَ الْحَيَوَانِ فِي تَسْمِيَتِهِ لُقَطَةً ، وَإِعْطَائِهِ حُكْمَهَا وَهُوَ : ( فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٍ خَفِيفَةٍ فَأَلِفٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ ، أَيْ وِعَاءها الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهَا ، مِنَ الْعَفْصِ وَهُوَ الْمُثَنَّى ، أَيْ لِأَنَّ الْوِعَاءَ يُثَنَّى عَلَى مَا فِيهِ ( وَوِكَاءَهَا ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الثَّانِيَةِ وَبِالْهَمْزَةِ مَمْدُودُ الْخَيْطِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الصُّرَّةُ وَالْكِيسُ وَنَحْوُهُمَا ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدٍ : وَعَدَدُهَا ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : لِيُعْرَفَ صِدْقُ مُدَّعِيهَا عِنْدَ طَلَبِهَا ، وَفِي وُجُوبِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ وَنَدْبِهَا قَوْلَانِ : أَظْهَرُهُمَا الوجوب لظاهر الْأَمْرُ ، وَقِيلَ : يَجِبُ عِنْدَ الِالْتِقَاطِ وَيُسْتَحَبُّ بَعْدَهُ ، فَعَلَى الْوُجُوبِ إِذَا عَرَّفَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جَمِيعِهَا ، وَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ لَكِنْ قَالَ : لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَدَدِ ، قِيلَ : وَقَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَقْوَى لِثُبُوتِ ذِكْرِ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَزِيَادَةُ الْحَافِظِ حُجَّةٌ . ( ثُمَّ عَرِّفْهَا ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ، أَيِ اذْكُرْهَا لِلنَّاسِ ( سَنَةً ) بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهِمَا ، يَقُولُ : مَنْ ضَاعَتْ لَهُ نَفَقَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ ، وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : يُعَرِّفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَرَّةً ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ بَلْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ . قَالَ الْحَافِظُ : هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ ، وَالْأَكْثَرُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَلَامَاتِ .

وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ : عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا . فَجَعَلَ التَّعْرِيفَ يَسْبِقُ الْمَعْرِفَةَ ، وَوَافَقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَجَمَعَ النَّوَوِيُّ بِأَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْمَعْرِفَةِ فِي حَالَتَيْنِ فَيُعَرِّفُ الْعَلَامَاتِ أَوَّلَ مَا يَلْتَقِطُ حَتَّى يَعْلَمَ صِدْقَ وَاصِفِهَا إِذَا وَصَفَهَا ، ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فَيُعَرِّفُهَا مَرَّةً أُخْرَى تَعَرُّفًا وَافِيًا مُحَقَّقًا لِيُعْلَمَ قَدْرُهَا وَصِفَتُهَا فَيَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَقْتَضِي تَخَالُفًا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَمْعِ ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْمَخْرَجَ وَاحِدٌ وَالْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ مَا تَقَدَّمَ لَوِ اخْتَلَفَ الْمَخْرَجُ فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ إِلَّا أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّفُ وَالتَّعْرِيفُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَيِّهِمَا أَسْبَقُ ، ثُمَّ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ أَنَّ التَّعْرِيفَ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ .

وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ : اعْرِفْ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا . وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ حَدِيثِ أُبَيٍّ عَلَى مَزِيدِ التَّوَرُّعِ عَنِ التَّعَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعَفُّفِ عَنْهَا ، وَحَدِيثُ زَيْدٍ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ لِاحْتِيَاجِ الْأَعْرَابِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ أُبَيٍّ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّ تَعْرِيفَهَا لَمْ يَقَعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي ، فَأَمَرَ ثَانِيًا بِإِعَادَةِ التَّعْرِيفِ كَمَا قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا عَلَى مِثْلِ أُبَيٍّ مَعَ أَنَّهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ .

وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَةً عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّعْرِيفَ مُفَوَّضٌ لِلْمُلْتَقِطِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ . ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ) فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ : فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ . وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ : فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا .

فَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لِمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ تُدْفَعَ إِلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ اعْرِفْ عِفَاصَهَا . إِلَخْ ، وَقَدْ صَحَّتْ هَذِهِ اللُّقَطَةُ ، أَيِ الْأَمْرُ بِدَفْعِهَا لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَيْضًا بِلَفْظِ : فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ، عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طُرُقٍ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا ، وَيُخَصُّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ ( الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ) ، وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ - إِنَّهَا غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ حَاوَلَ تَضْعِيفَهَا - غَيْرُ صَوَابٍ ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ بِشَاذَّةٍ ، وَمَا اعْتَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ وَصَفَهَا فَأَصَابَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا فَأَصَابَ ، لَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي الثَّانِي لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ ، فَجَاءَ آخَرُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهَا لَهُ ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيلُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ .

( وَإِلَّا ) يَجِيءُ صَاحِبُهَا ( فَشَأْنَكَ ) بالنصب أَيِ : الْزَمْ شَأْنَكَ ، أَيْ حَالَكَ ( بِهَا ) أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ بِهَا ، أَيْ شَأْنُكَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ : فَاسْتَمْتِعْ بِهَا . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ عَنْ رَبِيعَةَ : فَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَاسْتَنْفِقْهَا . وَفِيهِ أَنَّ اللَّاقِطَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : شَأْنَكَ بِهَا ، تَفْوِيضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ : فَاسْتَنْفِقْهَا لِلْإِبَاحَةِ ، وَفِي اشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِالتَّمَلُّكِ وَكِفَايَةِ النِّيَّةِ ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا ، وَدُخُولُهَا فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاطِ أَقْوَالٌ ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ : وَإِلَّا فَتَصْنَعُ بِهَا مَا تَصْنَعُ بِمَالِكٍ .

وَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا لَهُ فَيَرُدُّهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَبَدَلَهَا إِنِ اسْتُهْلِكَتْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . فَفِي مُسْلِمٍ : وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ . وَلَهُ أَيْضًا : فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ .

فَظَاهِرُهُ وُجُوبُ رَدِّهَا بَعْدَ أَكْلِهَا ، فَيُحْمَلُ عَلَى رَدِّ الْبَدَلِ ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ ، وَالتَّقْدِيرُ : ثُمَّ كُلْهَا إِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا ، فَإِنْ جَاءَ . إِلَخْ . وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا ، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ .

فَأَمَرَ بِأَدَائِهَا قَبْلَ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهَا وَبَعْدَهُ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدٍ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فعرف وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اقْبِضْهَا فِي مَالِكَ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ . ( قَالَ ) السَّائِلُ ( فَضَالَّةُ الْغَنَمِ ) أَيْ مَا حُكْمُهَا ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الضَّالَّةُ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ ، وَمَا سِوَاهُ يُقَالُ لَهُ لُقَطَةٌ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : هِيَ لَكَ ) إِنْ أَخَذْتَهَا فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِبَاحَةِ أَخْذِهَا كَأَنَّهُ قِيلَ : هِيَ ضَعِيفَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ مُعَرَّضَةٌ لِلْهَلَاكِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ فَتَكُونَ لَكَ ( أَوْ لِأَخِيكَ ) فِي الدِّينِ إِنْ لَمْ تَأْخُذْهَا ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ مِنْ مُلْتَقِطٍ آخَرَ ، كَذَا قِيلَ .

وَعُورِضَ بِأَنَّ الْبَلَاغَةَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْتَرِنَ صَاحِبُهَا بِالدَّيْنِ الْعَادِيِّ ، فَالْمُرَادُ مُلْتَقِطٌ آخَرُ . ( أَوْ لِلذِّئْبِ ) وَالْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ مَا يَأْكُلُ الشَّاةَ من السباع ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى أَخْذِهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْخُذْهَا تَعَيَّنَتْ لِلذِّئْبِ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى أَخْذِهَا . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ .

إِلَخْ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ ، فَيَدُلُّ عَلَى رَدِّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَدَ بِتَرْكِ الْتِقَاطِ الشَّاةِ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَهَا فِي فَلَاةٍ مَلَكَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا وَلَا تَعْرِيفُهَا ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي غَيْرِهَا : فَاسْتَمْتِعْ بِهَا ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى التَّمَتُّعِ ، وَلِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنِ الذِّئْبِ وَالْمُلْتَقِطِ ، وَالذِّئْبُ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ . وَقَالَ الْأَكْثَرُ : يَجِبُ تَعْرِيفُهَا ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ أَكَلَهَا إِنْ شَاءَ وَغَرِمَ لِصَاحِبِهَا ، وَقَالُوا : إِنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ لِأَنَّهُ قَالَ : أَوْ لِلذِّئْبِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ بِاتِّفَاقٍ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَالِكَهَا لَوْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْوَاجِدُ لِأَخْذِهَا ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى الذِّئْبِ لِلْمُشَاكَلَةِ أَوِ التَّغْلِيبِ فَلَا يَمْنَعُ كَوْنُهَا لِلتَّمْلِيكِ ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا يَرُدُّ نَقْضًا ، فَإِنِ الْتَقَطَهَا فِي الْفَلَاةِ وَدَخَلَ بِهَا الْعُمْرَانَ أَوِ الْتَقَطَهَا فِي الْعُمْرَانِ وَجَبَ التَّعْرِيفُ وَصَارَتْ لُقَطَةً ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي ضَالَّةِ الشَّاةِ : فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ : احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ .

وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْغَرَامَةَ وَلَا نَفَاهَا فَثَبَتَ حُكْمُهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ ، فَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بأنه يوهم أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ فِيهَا ذِكْرُ حُكْمِ الشَّاةِ إِذَا أَكَلَهَا الْمُلْتَقِطُ ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ . ( قَالَ ) السَّائِلُ ( فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ) مَا حُكْمُهَا ؟ ( قَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ ) اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجَنَتَاهُ أَوْ وَجْهُهُ . وَفِي أُخْرَى : فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

بِشَدِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ تَغَيَّرَ مِنَ الْغَضَبِ . وَفِي أُخْرَى : فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . ( مَعَهَا سِقَاؤُهَا ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ ، جَوْفُهَا ، أَيْ حَيْثُ وَرَدَتِ الْمَاءَ شَرِبَتْ مَا يَكْفِيهَا حَتَّى تَرِدَ مَاءً آخَرَ ، وَقِيلَ : عُنُقُهَا فَتَشْرَبُ مِنْ غَيْرِ سَاقٍ يَسْقِيهَا لِطُولِهِ .

( وَحِذَاؤُهَا ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ ، أَخْفَافُهَا فَتَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْرِ وَقَطْعِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لِمَّا كَانَتْ مُسْتَغْنِيَةً عَنِ الْحَافِظِ وَالْمُتَعَهِّدِ وَعَنِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِمَا رُكِّبَ فِي طَبْعِهَا مِنَ الْجَلَدِ عَلَى الْعَطَشِ وَالْجَفَاءِ ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسِّقَاءِ وَالْحِذَاءِ مَجَازًا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهَا لِأَنَّ الْأَخْذَ إِنَّمَا هُوَ لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا إِمَّا بِحِفْظِ الْعَيْنِ أَوْ بِحِفْظِ الْقِيمَةِ ، وَهِيَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ لِأَنَّهَا مَحْفُوظَةٌ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ وَمَا يُسِّرَ لَهَا مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَمَا قَالَ . ( تَرِدُ الْمَاءَ ) فَتَشْرَبُ مِنْهُ بِلَا تَعَبٍ ( وَتَأْكُلُ مِنَ الشَّجَرِ ) بِسُهُولَةٍ لِطُولِهَا وَطُولِ عُنُقِهَا ( حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ) أَيْ مَالِكُهَا .

وَفِي رِوَايَةٍ : فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَحِكْمَتُهُ أَنَّ بَقَاءَهَا حَيْثُ ضَلَّتْ أَقْرَبُ إِلَى وِجْدَانِ مَالِكِهَا لَهَا مِنْ تَطَلُّبِهِ لَهَا فِي رِحَالِ النَّاسِ .

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : الْأَوْلَى أَنْ تُلْتَقَطَ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى مَنِ الْتَقَطَهَا لِلتَّمَلُّكِ لَا لِيَحْفَظَهَا فَيَجُوزُ لَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِالْتِقَاطِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ حِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْخَوَنَةِ وَتَعْرِيفِهَا لِتَصِلَ إِلَى صَاحِبِهَا ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَرْجَحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَمَتَى رَجَحَ أَخْذُهَا وَجَبَ أَوِ اسْتُحِبَّ ، وَمَتَى رَجَحَ تَرْكُهَا حَرُمَ أَوْ كُرِهَ وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللُّقَطَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْقَضَاءِ عَنْ يَحْيَى ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ السُّفْيَانَانِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث