شرح الزرقاني على الموطأ
باب مَا جَاءَ فِيمَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا
1503
حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوْطٍ ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ : فَوْقَ هَذَا ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ : دُونَ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ ، وَلَانَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُلِدَ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ .
2
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنِاعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى 1562
1503
( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمْ مُرْسَلًا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مُرْسَلًا مِثْلَهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ مُرْسَلِ كُرَيْبٍ نَحْوَهُ وَلَا أَعْلَمُهُ يَسْتَنِدُ بِلَفْظِهِ مِنْ وَجْهٍ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ( أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى عَلَى عَهْدِ ) أَيْ زَمَانِ ( رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا ) طَلَبَ ( لَهُ ) لِأَجْلِهِ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوْطٍ ) لِيُجْلَدَ بِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ ( فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ ، فَقَالَ : فَوْقَ هَذَا ) لِخِفَّةِ إِيلَامِهِ ( فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ وَالرَّاءِ وَفَوْقِيَّةٍ أَيْ طَرَفُهُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَثَمَرَةُ السِّيَاطِ عُقَدُ أَطْرَافِهَا ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : أَيْ لَمْ يَمْتَهِنْ وَلَمْ يَلِنْ وَالثَّمَرَةُ الطَّرَفُ ( فَقَالَ : دُونَ ) أَيْ أَقَلَّ مِنْ ( هَذَا ) وَفَوْقَ الْأَوَّلِ ( فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ ) فَذَهَبَتْ عُقْدَةُ طَرَفِهِ ( وَلَانَ ) صَارَ لَيِّنًا مَعَ بَقَاءِ صَلَابَتِهِ بِعَدَمِ كَسْرِهِ ( فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُلِدَ ) مِائَةَ جَلْدَةٍ ( ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ ) بِالْمَدِّ أَيْ حَانَ ( لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ ) الَّتِي حَرَّمَهَا ( مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورة ) كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُسْتَقْبَحُ كَالزِّنَى وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَجَمْعُهَا قَاذُورَاتٌ ، سُمِّيَتْ قَاذُورَةً ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا أَنْ تُقْذَرَ فَوُصِفَتْ بِمَايُوصَفُ بِهِ صَاحِبُهَا ( شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ ) الَّذِي أَسْبَلَهُ عَلَيْهِ وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَلَا يُظْهِرْهُ لَنَا ( فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي ) بِالْيَاءِ لِلْإِشْبَاعِ كَقِرَاءَةِ مَنْ يَتَّقِي ، وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِهَا أَيْ يُظْهِرُ ( لَنَا ) مَعَاشِرَ الْحُكَّامِ ( صَفْحَتَهُ ) هِيَ لُغَةً : جَانِبُهُ وَوَجْهُهُ وَنَاحِيَتُهُ ، وَالْمُرَادُ مَنْ يُظْهِرُ لَنَا مَا سَتَرَهُ أَفْضَلُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِير ( نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ) أَيِ الْحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالسُّنَّةُ مِنَ الْكِتَابِ ، فَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ إِذَا فَعَلَ مَا يُوجِبُ حَدّ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ وَالتَّوْبَةُ ، فَإِنْ خَالَفَ وَاعْتَرَفَ عند الْحَاكِمُ أَقَامَهُ عَلَيْهِ ، وَكَمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ جَلْدِ هَذَا الرَّجُلِ قَالَهُ أَيْضًا بَعْدَ رَجْمِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيِّ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا ، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : عَلَى شَرْطِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ ، وَقَوْلُ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُهُ مَوْصُولًا بِوَجْهٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : مُرَادُهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَمَّا ذَكَرَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ ، قَالَ : صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، فَتَعَجَّبَ مِنْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَقَالَ : أَوْقَعَهُ فِيهِ عَدَمُ إِلْمَامِهِ بِصِنَاعَةِ الْحَدِيثِ الَّتِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا كُلُّ عَالَمٍ انْتَهَى . لِأَنَّ اصْطِلَاحَهُمْ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مَعًا .