باب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْعَقْلِ وَالتَّغْلِيظِ فِيهِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ . وَفِي طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ أَنْ يُوَرِّثَهَا مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَقَالَ : مَا أَعْلَمُ لَكِ شَيْئًا ثُمَّ ( نَشَدَ ) طَلَبَ ( النَّاسَ بِمِنًى ) أَيْ طَلَبَ مِنْهُمْ جَوَابَ قَوْلِهِ ( مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الدِّيَةِ أَنْ يُخْبِرَنِيَ ) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : مَا أَرَى الدِّيَةَ إِلَّا لِلْعَصَبَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ فَهَلْ سَمِعَ مِنْكُمْ أَحَدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ شَيْئًا ؟ ( فَقَامَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ ) بْنِ عَوْفٍ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ ( الْكِلَابِيُّ ) أَبُو سَعِيدٍ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ يُعَدُّ بِمِائَةِ فَارِسٍ وَبَعَثَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَرِيَّةٍ وَفِيهِ يَقُولُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ : إِنَّ الَّذِينَ وَفَوْا بِمَا عَاهَدْتَهُمُ جَيْشٌ بَعَثْتَ عَلَيْهِمُ الضَّحَّاكَا طَوْرًا يُعَانِقُ بِالْيَمِينِ وَتَارَةً يَفْرِي الْجَمَاجِمَ صَارِمًا بَتَّاكَا ( فَقَالَ ) زَادَ مَعْمَرٌ : وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَعْرَابِ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ يَنْزِلُ نَجْدًا وَكَانَ وَالِيًا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ هُنَاكَ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : كَانَ عَلَى صَدَقَاتِ قَوْمِهِ ( كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُوَرِّثَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ( امْرَأَةَ أَشْيَمَ ) بِمُعْجَمَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ قَالَ فِي الْإِصَابَةِ بِوَزْنِ أَحْمَدَ ( الضِّبَابِيِّ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٍ فَأَلَّفٍ فَمُوَحَّدَةٍ ثَانِيَةٍ قُتِلَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ مُسْلِمًا ( مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ) أَشْيَمَ ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ادْخُلِ الْخِبَاءَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَةٍ وَمَدٍّ ، الْخَيْمَةَ ( حَتَّى آتِيَكَ ، فَلَمَّا نَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ ) الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ بِالْخَبَرِ . وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِقِصَّةِ أَشْيَمَ فَقَالَ : إِيتِنِي عَلَى هَذَا بِمَا أَعْرِفُ فَنَشَدْتُ النَّاسَ فِي الْمَوْسِمِ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : زُرَارَةُ بْنُ جُرَيٍّ فَحَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ .
وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ زُرَارَةَ بْنَ جُرَيٍّ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ( فَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ) بَعْدَ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ وَزُرَارَةَ وَالْمُغِيرَةِ ذَلِكَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا عَلِمَ لَا لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ بَلْ لِإِشَاعَةِ الْخَبَرِ وَإِشْهَارِهِ بِالْمَوْسِمِ ، وَرَدَّ مَا كَانَ رَآهُ أَنَّ الدِّيَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْعَصَبَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عند مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الضَّحَّاكَ أَخْبَرَ عُمَرَ ، وَقَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ الضَّحَّاكَ كَتَبَ إِلَيْهِ وَهْمٌ ، إِنَّمَا الضَّحَّاكُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ الْجَلِيلَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ وَالْعِلْمِ مَا يَكُونُ عِنْدَ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ عِلْمُ خَاصَّةٍ لَا يُنْكَرُ أَنْ يَخْفَى مِنْهُ الشَّيْءُ عَلَى الْعَالَمِ وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِ . ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَّأً ) هَكَذَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأً .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَالْمَحْفُوظُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ غَرِيبٌ جِدًّا وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فَإِنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ كَلَامَهُ فِي الْأَحَادِيثِ كَثِيرًا .