باب مَا جَاءَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ
وَفِي حَدِيثِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِيمًا كَانَ فِيَّ أَوْ حَدِيثًا ؟ قَالَ : قَدِيمًا ، قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلَّتَيْنِ مِمَّا يُحِبُّهُمَا اللَّهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، فَتَرْدِيدُ السُّؤَالِ وَتَقْرِيرُهُ بِقَوْلِهِ قَدِيمًا يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي الْخُلُقِ مَا هُوَ جِبِلِّيٌّ وَمَا هُوَ مُكْتَسَبٌ ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لَا ثَالِثَ . 1671 1620 - ( مَالِكٌ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ) كَذَا لِيَحْيَى ، وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُعَاذٍ وَهُوَ مَعَ هَذَا مُنْقَطِعٌ جِدًّا ، وَلَا يُوجَدُ مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَلَا غَيْرِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، لَكِنْ وَرَدَ مَعْنَاهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( قَالَ : آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ ( حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، وَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ فِي مَوْضِعِ الرِّكَابِ مِنْ رِجْلِ الْبَعِيرِ كَالرِّكَابِ لِلسَّرْجِ ( أَنْ قَالَ : أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ) فَهُوَ مُنَادَى بِحَذْفِ الْأَدَاةِ ؛ بِأَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ لِمُجَالِسِهِ أَوِ الْوِرَادِ عَلَيْهِ الْبِشْرُ وَالْحِلْمُ وَالْإِشْفَاقُ وَالصَّبْرُ عَلَى التَّعْلِيمِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالنَّاسِ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ عَامًّا لَكِنْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ تَحْسِينَ الْخُلُقِ لَهُمْ ، فَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْكَبَائِرِ وَالتَّمَادِي عَلَى الظُّلْمِ ، فَلَا يُؤْمَرُ بِتَحْسِينِ الْخُلُقِ لَهُمْ بَلْ يُؤْمَرُ بِالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، وَهَذَا آخِرُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي قَالُوا أنها لَمْ تُوجَدْ مَوْصُولَةً فِي غَيْرِ الْمُوَّطَأِ ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ مَالِكًا الَّذِي قَالَ فِيهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ مَالِكًا لَا يُبَلِّغُ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا كَانَ صَحِيحًا وَإِذَا قَالَ : بَلَغَنِي فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، فَتَصَوُّرُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ وُجُودِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ مَوْصُولَةً لَا يَقْدَحُ فِيهَا ، فَلَعَلَّهَا وَصَلَتْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِمْ ، وَقَدْ قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَدِيثِ : اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ لَعَلَّهُ خَرَجَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الَّتِي لَمْ تَصِلْ إِلَيْنَا ؛ لِأَنَّهُ عَزَاهُ لِجَمْعٍ مِنَ الْأَجِلَّةِ ذَكَرُوهُ فِي كُتُبِهِمْ بِلَا إِسْنَادٍ وَلَا نِسْبَةٍ لِمُخَرِّجٍ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ دُونَ مَالِكٍ بِمَرَاحِلَ بَعِيدَةٍ ، كَيْفَ وَمِنْ شَوَاهِدِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ : قَلَتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي ، قَالَ : اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ : يَا مُعَاذُ ، اتَّقِ اللَّهَ وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ وَرَوَى قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ آخِرَ كَلِمَةٍ فَارَقْتُ عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ آخِرَ مَا أَوْصَاهُ سَأَلَهُ عَنْ هَذَا فَأَجَابَهُ فَكَانَ آخِرَ كَلِمَةٍ فَلَا خُلْفَ .