بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَلِذَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مَوْضُوعُ الْحَدِيثِ : ذَاتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَحَدُّهُ : عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ أَقْوَالُهُ وَأَحْوَالُهُ ، وَغَايَتُهُ : الْفَوْزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ ( لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ ) بِمُوَحَّدَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ فَارَقَ مَنْ سِوَاهُ ، أَيِ : الْمُفْرِطِ فِي الطُّولِ مَعَ اضْطِرَابِ الْقَامَةِ ( وَلَا بِالْقَصِيرِ ) أَيِ الْبَائِنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، فَإِذَا نُفِيَا عَنْهُ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ ، زَادَ الْبَيْهَقِيُّ : لَكِنَّهُ إِلَى الطُّولِ أَقْرَبُ ، وَكَذَا رَوَاهُ الذُّهْلِيُّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : كَانَ رَبْعَةً وَهُوَ إِلَى الطُّولِ أَقْرَبُ ، وَجَمَعَ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ لِتَوَجُّهِ الْأَوَّلِ إِلَى الْوَصْفِ ، أَيْ : لَيْسَ طُولُهُ مُفْرِطًا ، فَفِيهِ إِثْبَاتُ الطُّولِ فَاحْتِيجَ لِلثَّانِي ، وَذَلِكَ صِفَتُهُ الذَّاتِيَّةُ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَاشَى الطَّوِيلَ زَادَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُعْجِزَةٌ حَتَّى لَا يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ صُورَةً كَمَا لَا يَتَطَاوَلُ عَلَيْهِ مَعْنًى . رَوَى ابْنُ أَبِي خيثمة عَنْ عَائِشَةَ : لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُمَاشِيهِ مِنَ النَّاسِ يُنْسَبُ إِلَى الطُّولِ إِلَّا طَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُبَّمَا اكْتَنَفَهُ الرَّجُلَانِ الطَّوِيلَانِ فَيَطُولُهُمَا ، فَإِذَا فَارَقَاهُ - نُسِبَا إِلَى الطُّولِ ، وَنُسِبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرَّبْعَةِ .
وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيٍّ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالذَّاهِبِ طُولًا وَفَوْقَ الرَّبْعَةِ فَإِذَا جَاءَ مَعَ الْقَوْمِ غَمَرَهُمْ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ ، أَيْ : زَادَ عَلَيْهِمْ فِي الطُّولِ ، وَهَلْ بِإِحْدَاثِ اللَّهِ لَهُ طُولًا حَقِيقَةً حِينَئِذٍ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ يُرَى فِي أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ وَجَسَدُهُ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ( سورة الْأَنْفَالِ : الْآيَةُ 44 ) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَهُوَ مِثْلُ تَطَوُّرِ الْوَلِيِّ . وَذَكَرَ رَزِينٌ وَغَيْرُهُ : كَانَ إِذَا جَلَسَ يَكُونُ كَتِفُهُ أَعْلَى مِنْ جَمِيعِ الْجَالِسِينَ ، وَدَلِيلَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ : إِذَا جَاءَ مَعَ الْقَوْمِ غَمَرَهُمْ إِذْ هُوَ شَامِلٌ لِلْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ ، فَقَصَرَ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ إِلَّا لِرَزِينٍ وَلِلنَّاقِلِينَ عَنْهُ . ( وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ بَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ قَافٌ ، أَيْ : لَيْسَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ كَلَوْنِ الْجِصِّ .
( وَلَا بِالْآدَمِ ) بِالْمَدِّ ، أَيْ : وَلَا شَدِيدَ السُّمْرَةِ وَإِنَّمَا يُخَالِطُ بَيَاضَهُ الْحُمْرَةُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَزْهَرُ اللَّوْنِ ، أَيْ : أَبْيَضٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَلِيٍّ : كَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بَيَاضُهُ حُمْرَةً وَرَوَاهُ ابْنُ أَسْعَدَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَجَابِرٍ ، وَالْإِشْرَابُ خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ كَأَنَّ أَحَدَ اللَّوْنَيْنِ سَقَى الْآخَرَ يُقَالُ : بَيَاضٌ مَشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ بِالتَّخْفِيفِ فَإِذَا شُدِّدَ كَانَ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَلْوَانِ ، وَالْعَرَبُ قَدْ تُطْلِقُ عَلَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَسْمَرَ ، وَلِذَا جَاءَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ ، وَابْنِ مَنْدَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ أَنَسٍ : كَانَ أَسْمَرَ وَرَدَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّمْرَةِ الْحُمْرَةُ الَّتِي تُخَالِطُ الْبَيَاضَ وَبِالْبَيَاضِ الْمُثْبَتِ مَا تُخَالِطُهُ الْحُمْرَةُ وَالْمَنْفِيُّ مَا لَا تُخَالِطُهُ وَهُوَ الَّذِي تَكْرَهُ الْعَرَبُ لَوْنَهُ وَتُسَمِّيهِ أَمْهَقَ ، وَبِهَذَا بَانَ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبُخَارِيِّ : أَمْهَقُ لَيْسَ بِأَبْيَضَ مَقْلُوبَةً ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهَا إِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَةً بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْهَقِ الْأَخْضَرُ اللَّوْنِ الَّذِي لَيْسَ بَيَاضُهُ فِي الْغَايَةِ وَلَا سُمْرَتُهُ وَلَا حُمْرَتُهُ ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ رُؤْبَةَ أَنَّ الْمَهَقَ خُضْرَةُ الْمَاءِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَسْمَرُ وَإِنْ صَحَّ إِسْنَادُهَا فَقَدَ أَعَلَّهَا الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ بِالشُّذُوذِ فَقَالَ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ انْفَرَدَ بِهَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ ، ثُمَّ نَظَرْنَا مَنْ رَوَى صِفَةَ لَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ أَنَسٍ فَكُلُّهُمْ وَصَفُوهُ بِالْبَيَاضِ وَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا انْتَهَى ، مِنْهُمْ أَبُو جُحَيْفَةَ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَأَبُو الطُّفَيْلِ فِي مُسْلِمٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ أَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ ، وَمُحَرِّشٌ الْكَعْبِيُّ : نَظَرْتُ إِلَى ظَهْرِهِ كَأَنَّهُ سَبِيكَةُ فِضَّةٍ وَسُرَاقَةُ : جَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى سَاقِهِ كَأَنَّهَا جُمَّارَةٌ ، رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَبَعًا لِابْنِ أَبِي خيثمة : الْمُشَرَّبُ بِحُمْرَةٍ أَوْ سُمْرَةٍ مَا ضَحَا مِنْهُ إِلَى الشَّمْسِ وَالرِّيحِ ، وَأَمَّا تَحْتَ الثِّيَابِ فَهُوَ الْأَبْيَضُ الْأَزْهَرُ ، وَلَوْنُهُ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ الْأَبْيَضُ الْأَزْهَرُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَنَسًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهُ حَتَّى يَصِفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ لِقُرْبِهِ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلَازِمًا لِلشَّمْسِ ، نَعَمْ لَوْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ بَعْضُ الْقَادِمِينَ مِمَّنْ صَادَفَهُ فِي وَقْتٍ غَيَّرَتْهُ الشَّمْسُ لَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بِذَلِكَ ، فَالْأَوْلَى حَمْلُ السُّمْرَةُ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ عَلَى الْحُمْرَةِ الْمُخَالِطَةِ لِلْبَيَاضِ كَمَا مَرَّ وَهِيَ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جِسْمُهُ وَلَحْمُهُ أَحْمَرُ إِلَى البَيَاض رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ .
( وَلَا ) أَيْ : وَلَيْسَ شَعْرُهُ ( بِالْجَعْدِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ ، أَيْ : مُنْقَبِضِ الشَّعْرِ يَتَجَعَّدُ وَيَتَكَسَّرُ كَشَعْرِ الْحَبَشِ وَالزِّنْجِ ( الْقَطَطِ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، الْأُولَى عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا ، وَلَمَّا وَرَدَ الْجَعْدُ بِمَعْنَى الْجَوَادِ وَالْكَرِيمِ وَالْبَخِيلِ وَاللَّئِيمِ وَمُقَابِلِ السَّبِطِ ، وَيُوصَفُ فِي الْكُلِّ بِقَطَطٍ فَهُوَ لَا يُعَيِّنُ الْمُرَادَ ، قَابَلَهُ لِتَعْيِينِهِ بِقَوْلِهِ : وَلَا بِالسَّبِطِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ الْمُنْبَسِطِ الْمُسْتَرْسِلِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ شَعْرَهُ لَيْسَ نِهَايَةً فِي الْجُعُودَةِ وَهِيَ تَكَسُّرُهُ الشَّدِيدُ ، وَلَا فِي السُّبُوطَةِ وَهِيَ عَدَمُ تَكَسُّرِهِ وَتَثَنِّيهِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ كَانَ وَسَطًا بَيْنَهُمَا وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا . وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَةِ للبخاري ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : رَجِلُ الشَّعْرِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتُسَكَّنُ ، أَيْ : مُتَسَرِّحٌ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، أَيْ : هُوَ رَجِلٌ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عَلِيٍّ : وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبِطِ كَانَ جَعْدًا رَجِلًا .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : الْغَالِبُ عَلَى الْعَرَبِ جُعُودَةُ الشَّعْرِ وَعَلَى الْعَجَمِ سُبُوطَتُهُ ، فَقَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ الشَّمَائِلَ وَجَمَعَ فِيهِ مَا تَفَرَّقَ فِي الظَّرَائِفِ مِنَ الْفَضَائِلِ اهـ . ( بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) أَيْ : آخِرِهَا ، قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ بُعِثَ فِي الشَّهْرِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ بُعِثَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ حِينَ بُعِثَ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَنِصْفٌ أَوْ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفٌ ، فَمَنْ قَالَ أَرْبَعِينَ أَلْغَى الْكَسْرَ أَوْ جَبَرَ ، لَكِنْ قَالَ الْمَسْعُودِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّهُ بُعِثَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً سَوَاءً ، وَقِيلَ : بُعِثَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَقِيلَ : وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، وَقِيلَ : وُلِدَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ شَاذٌّ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا وَضُمَّ إِلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْبَعْثَ فِي رَمَضَانَ صَحَّ أَنَّهُ بُعِثَ عِنْدَ إِكْمَالِ الْأَرْبَعِينَ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ بُعِثَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ وَشَهْرَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ وُلِدَ فِي رَجَبٍ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ فِي تَارِيخِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِتْقِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ وُلِدَ لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ ، وَمِنَ الشَّاذِّ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ وَتَبِعَهُ الْبَلَاذُرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ . وَفِي تَارِيخِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ .
( فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ ) أَيْ : يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَنَسٍ . ( وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ ) بِاتِّفَاقٍ ( وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ) أَيْ : آخِرِهَا ، قَالَ الطِّيبِيُّ : مَجَازُهُ كَمَجَازِ قَوْلِهِمْ رَأْسُ آيَةٍ ، أَيْ : آخِرُهَا اهـ . وَصَرِيحُهُ أَنَّهُ عَاشَ سِتِّينَ فَقَطْ .
وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ أَحَدَهُمَا ، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ . وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَبِثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَبُعِثَ لِأَرْبَعِينَ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَجَمَعَ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ مَنْ قَالَ : ثَلَاثَ عَشْرَةَ عَدَّ مِنْ أَوَّلِ مَا جَاءَهُ الْمَلَكُ بِالنُّبُوَّةِ ، وَمَنْ قَالَ : عَشْرًا عَدَّ مَا بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ وَنُزُولِ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾[ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ : الْآيَةُ 1 ] وَيُؤَيِّدُهُ زِيَادَةُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ خَبَرِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ ، لَكِنْ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُخَالِفُهُ ، أَيْ : أَنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ كَانَتْ أَيَّامًا ، قَالَ : وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُ الْمَشْهُورَ وَهُوَ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ جَاءَ عَنْهُ الْمَشْهُورُ ، وَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَأَنَسٌ وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ الثَّبْتُ عِنْدَنَا ، وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي سِنِّهِ أَنَّهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ : خَمْسٌ وَسِتُّونَ جَبَرَ الْكَسْرَ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ فَقَطْ ، وَقَلَّ مَنْ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ ، وَمِنَ الشَّاذِّ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّهُ عَاشَ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَبْلُغْ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ، وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّهُ عَاشَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَنِصْف . اهـ .
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : رِوَايَاتُ سِتِّينَ وَثَلَاثٍ وَخَمْسٍ لَيْسَتْ بِاخْتِلَافٍ إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ أَقَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يُوحَى إِلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ خَمْسَةَ أَعْوَامٍ مَا بَيْنَ رُؤْيَا وَفَتْرَةٍ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ عِشْرِينَ سَنَةً ، فَمَنْ عَدَّهَا قَالَ : سِتِّينَ ، وَمَنْ عَدَّ الْجُمْلَةَ قَالَ : خَمْسًا وَسِتِّينَ ، وَمَنْ أَسْقَطَ عَامَيِ الْفَتْرَةِ قَالَ : ثَلَاثًا وَسِتِّينَ . اهـ . وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَجَمْعُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ عَاشَ خَمْسًا ، فَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى جَبْرِ الْكَسْرِ .
( وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ ) أَيْ : بَلْ أَقَلُّ . رَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : مَا كَانَ فِي رَأْسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِحْيَتِهِ إِلَّا سَبْعَ عَشْرة أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرة وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ : كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ : كَانَ فِي لِحْيَتِهِ شَعْرَاتٌ بِيضٌ فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَ لِإِيرَادِهِ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَهُوَ شَعَرَاتٌ ، جَمْعُ تَصْحِيحٍ لِشَعَرٍ ، وَهُوَ مِنْ جُمُوعِ الْقِلَّةِ ، وَهُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةٍ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ بُسْرٍ خَصَّهُ بِعَنْفَقَتِهِ فَيُحْمَلُ الزَّائِدُ عَلَى أَنَّهُ فِي صُدْغَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، لَكِنَّ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : لَمْ يَبْلُغْ مَا فِي لِحْيَتِهِ مِنَ الشَّيْبِ عِشْرِينَ شَعْرَةً قَالَ حُمَيْدٌ : وَأَوْمَأَ إِلَى عَنْفَقَتِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ .
وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : مَا عَدَدْتُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ إِلَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَعْرَةً وَجُمِعَ بِأَنَّ أَخْبَارَهُ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ . وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ عَدَدًا ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَائِشَةَ : كَانَ أَكْثَرُ شَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّأْسِ فِي فَوْدَيْ رَأْسِهِ ، وَكَانَ أَكْثَرُ شَيْبِهِ فِي لِحْيَتِهِ حَوْلَ الذَّقْنِ ، وَكَانَ شَيْبُهُ كَأَنَّهُ خُيُوطُ الْفِضَّةِ يَتَلَأْلَأُ بَيْنَ سَوَادِ الشَّعْرِ فَإِذَا مَسَّهُ بِصُفْرَةٍ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ خُيُوطُ الذَّهَبِ وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ : سَأَلْتُ أَنَسًا هَلْ خَضَّبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ فِي صُدْغَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ : إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ وَفِي الصُّدْغَيْنِ وَفِي الرَّأْسِ نُبَذٌ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَمُعْجَمَةٍ ، أَيْ : شَعْرَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ .
وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا أَنَّ مَا شَابَ مِنْ عَنْفَقَتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا شَابَ مِنْ غَيْرِهَا . قَالَ الْحَافِظُ : وَمُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَعْرِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : سَأَلْتُ أَنَسًا أَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَّبَ ؟ قَالَ : لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ ، وَالْحَاكِمُ : مَا شَانَهُ اللَّهُ بِالشَّيْبِ ، أَيْ : أَنَّ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضَ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ حُسْنِهِ . وَمَرَّ فِي الْحَجِّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَضِّبُ بِالصُّفْرَةِ وَلِلْحَاكِمِ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ وَلَهُ شَعْرٌ قَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ .
وَيُجْمَعُ بِحَمْلِ نَفْيِ أَنَسٍ عَلَى غَلَبَةِ الشَّيْبِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى خِضَابِهِ ، وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنَّهُ رَآهُ وَهُوَ يُخَضِّبُ . وَحَدِيثُ مَنْ أَثْبَتَ الْخِضَابَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ نَفْيَ أَنَسٍ أَنَّهُ خَضَّبَ وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، وَوَافَقَ مَالِكٌ ، أَنَسًا فِي إِنْكَارِ الْخِضَابِ وَتَأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ . اهـ مُلَخَّصًا .
وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصِّفَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي اللِّبَاسِ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بِنَحْوِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِمَا : كَانَ أَزْهَرَ . انْتَهَى .