باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْتَى أَبَدًا بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ، حَتَّى الدَّوَاءُ فَيَطْعَمَهُ أَوْ يَشْرَبَهُ ، إِلَّا قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَنَعَّمَنَا ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرٍّ ، فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ ، فَنَسْأَلُكَ تَمَامَهَا وَشُكْرَهَا ، لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ، إِلَهَ الصَّالِحِينَ وَرَبَّ الْعَالَمِينَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . قَالَ يَحْيَى : سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ مَعَ غُلَامِهَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنْ الرِّجَالِ ، قَالَ وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ ، أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ . 1740 1691 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْتَى بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ ) مَاءٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ( حَتَّى الدَّوَاءُ فَيَطْعَمَهُ أَوْ يَشْرَبَهُ ) - بِنَصْبِ الْفِعْلَيْنِ - ( إِلَّا قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ) ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى النِّعَمِ يَرْتَبِطُ بِهِ الْعَبِيدُ ، وَيُسْتَجْلَبُ بِهِ الْمَزِيدُ ، فَلَحَظَ وَقْتَ حُضُورِ الْغَدَاءِ إِلَى أَجَلِّ النِّعَمِ ، فَقَالَ : ( الَّذِي هَدَانَا ) إِذِ الْهِدَايَةُ لِلْإِيمَانِ أَعْظَمُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ ، فَشُكْرُهُ عَلَيْهَا مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهَا ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالْحَامِدِ أَنْ لَا يُجَرِّدَ حَمْدَهُ إِلَى دَقَائِقِ النِّعَمِ ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى جَلَائِلِهَا فَيَحْمَدُ عَلَيْهَا ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْحَمْدَ مِنْ نَتَائِجِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ .
( وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا ) : قَدَّمَ الطَّعَامَ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ ، حَتَّى كَأَنَّ السَّقْيَ مِنْ تَتِمَتِّهِ ، وَتَابِعٌ لَهُ لِأَنَّ الْأَكْلَ يَسْتَدْعِي الشُّرْبَ . ( وَنَعَّمَنَا ) بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى . ( اللَّهُ أَكْبَرُ ) سُرُورًا بِهَذِهِ النِّعَمِ ، ( اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا ) : وَجَدَتْنَا ، ( نِعْمَتُكَ بِكُلِّ شَرٍّ ) مِنَ التَّقْصِيرِ فِي عِبَادَتِكَ وَشُكْرِكَ ، ( فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ ) مِنْ فَضْلِكَ ، وَلَمْ تُعَامِلْنَا بِتَقْصِيرِنَا .
( نَسْأَلُكَ تَمَامَهَا ) لَعَلَّهُ اسْتَعْمَلَهُ بِمَعْنَى إِدَامَتِهَا ، أَيِ النِّعَمِ ، ( وَشُكْرِهَا ) فَإِنَّا لَا نَبْلُغُهُ إِلَّا بِفَضْلِكَ ، إِذْ هُوَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ . ( لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ ) فَإِنَّهُ بِيَدِكَ دُونَ غَيْرِكَ . ( وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ) يُرْجَى لِكَشْفِ الضُّرِّ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الشُّكْرِ .
( إِلَهَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ بحذف الْأَدَاةِ ، ( الصَّالِحِينَ ) الْمُسْلِمِينَ ، ( وَرَبَّ الْعَالَمِينَ ) أَيْ مَالِكَ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ ، وَكُلٌّ مِنْهَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَالَمٌ يُقَالُ : عَالَمُ الْإِنْسِ ، وَعَالَمُ الْجِنِّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَغَلَبَ فِي جَمْعِهِ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ أُولي الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَهُوَ مِنَ الْعَلَامَةِ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى مُوجِدِهِ . ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) جُمْلَةٌ قُصِدَ بِهَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِمَضْمُونِهَا مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ مِنَ الْخَلْقِ ، وَمُسْتَحِقٌّ لِأَنْ يُحْمَدَ . ( وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) أَتَى بِهِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُعْجِبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ( سورة الْكَهْفِ : الْآيَةُ 39 ) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ : كَانَ مَالِكٌ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ قَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ ، قُلْتُ لَهُ : لِمَ تَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ : أَلَا تَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ ، وَتَلَا الْآيَةَ ، وَجَاءَ مَرْفُوعًا : مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ ، فَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ ، ( اللَّهُمَّ بَارِكْ ) : أَتِمَّ وَزِدْ ( لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) بِعَدَمِ دُخُولِهَا . ( سُئِلَ مَالِكٌ ، هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا ، أَوْ مَعَ غُلَامِهَا ؟ فَقَالَ : لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ ) أَيْ يَجُوزُ ( إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ ) بِأَنْ كَانَ ثَمَّ مَحْرَمٌ ، كَمَا ( قَالَ : وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا ، وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ ، أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَيُكْرَهُ ) تَحْرِيمًا ( لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ ) أَيْ قَرَابَةُ نَسَبٍ ، أَوْ صِهْرٍ ، أَوْ رَضَاعٍ .