مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ
( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يُقَالُ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ ( سورة الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 4 ) ( يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ ) نِدَاءُ تَنْوِيهٍ وَإِكْرَامٍ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، أَيِ اسْتِعْظَامٌ ( لِجَلَالِي ) أَيْ لِعَظَمَتِي ، أَيْ لِأَجْلِ تَعْظِيمِ حَقِّي وَطَاعَتِي ، لَا لِغَرَضِ دُنْيَا ، فَخَصَّ الْجَلَالَ بِالذِّكْرِ لِدِلَالَتِهِ عَلَى الْهَيْبَةِ وَالسَّطْوَةِ ، أَيِ الْمُنَزَّهُونَ عَنْ شَوَائِبِ الْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فِي الْمَحَبَّةِ ، فَلَا تَحَابُّونَ إِلَّا لِأَجْلِي وَلِوَجْهِي ، لَا لِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا ، قِيلَ : التَّحَابُّ لِلْجَلَالِ أَنْ لَا يَزِيدَ الْحُبُّ بِالْبِرِّ ، وَلَا يَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ ، ( الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي ) قَالَ عِيَاضٌ : هِيَ إِضَافَةُ خَلْقٍ وَتَشْرِيفٍ لِأَنَّ الظِّلَالَ كُلَّهَا خَلْقُ اللَّهِ ، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي ظِلِّ عَرْشِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُظِلُّهُمْ حَقِيقَةً مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ ، وَوَهَجِ الْمَوْقِفِ ، وَأَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْأَكْثَرِ . وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : كِنَايَةٌ عَنْ كَنِّهِمْ مِنَ الْمَكَارِهِ ، وَجَعْلِهِمْ فِي كَنَفِهِ وَسَتْرِهِ ، وَمِنْهُ : السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ . وَقَوْلُهُمْ : فُلَانٌ فِي ظِلِّ فُلَانٍ ، أَيْ فِي كَنَفِهِ وَعِزَّتِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ الظِّلُّ هُنَا كِنَايَةً عَنِ الرَّاحَةِ ، وَالتَّنَعُّمِ مِنْ قَوْلِهِمْ : عَيْشٌ ظَلِيلٌ ، ( يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي ) أَيْ ظِلُّ عَرْشِي بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ الْمُتَقَدِّمِ ، أَيْ لَا يَكُونُ مَنْ لَهُ ظِلٌّ مَجَازًا كَمَا فِي الدُّنْيَا .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَإِنْ قِيلَ حَدِيثُ : الْمَرْءُ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ ، وَحَدِيثُ : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الْقِيَامَةِ ظِلَالًا غَيْرَ ظِلِّ الْعَرْشِ . أُجِيبَ بِأَنَّ فِيهَا ظِلَالًا بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ تَقِي أَصْحَابَهَا حَرَّ الشَّمْسِ وَالنَّارِ وَأَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ ، وَلَكِنْ ظِلُّ الْعَرْشِ أَعْظَمُهَا وَأَشْرَفُهَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ ، وَمِنْ جُمْلَتِهِمُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا ظِلُّ الْعَرْشِ يَسْتَظِلُّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ أَجْمَعُ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الظِّلَالُ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ ، وَكَانَتِ الْأَعْمَالُ تَخْتَلِفُ ، حَصَلَ لِكُلِّ عَامِلٍ ظِلٌّ يَخُصُّهُ مِنْ ظِلِّ الْعَرْشِ بِحَسَبِ عَمَلِهِ ، وَسَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ شُرَكَاءُ فِي ظِلِّهِ ، وَهَذَا كُلُّه عَلَى أَنَّ الِاسْتِظْلَالَ حَقِيقِيٌّ ، وَتَقَدَّمَ مَا لِابْنِ دِينَارٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْبِرِّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ .