باب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ الضَّبِّ
( فَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا ؟ فَقَالَتْ ) مَيْمُونَةُ : ( أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ ) - بِضَمِّ الْهَاءِ ، وَفَتْحِ الزَّايِ ، فَتَحْتِيَّةٍ فَلَامٍ - ( بِنْتُ الْحَارِثِ ) الْهِلَالِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ تُكَنَّى أُمُّ حُفَيْدٍ - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ الْفَاءِ - تَزَوَّجَتْ فِي الْأَعْرَابِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَهَدَتْ خَالَتِي أُمُّ حُفَيْدٍ بِنْتُ الْحَارِثِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمْنًا وَأَقِطًا وَضِبَابًا ، فَأَكَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ السَّمْنِ وَالْأَقِطِ ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تُقَذُّرًا ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَأَكَلْنَا مِنَ الضَّبِّ عَلَى مَائِدَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ . وَفِي لَفْظٍ : فَدَعَا بِهِنَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ ، ( فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : كُلَا ، فَقَالَا : أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : إِنِّي تَحْضُرُنِي مِنَ اللَّهِ حَاضِرَةٌ ) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الضِّبَابِ وَالْبَيْضِ رَائِحَةٌ مُتَكَرِّهَةٌ ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالثَّوْمِ ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ ، وَلَا يَصْلُحُ لِمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ارْتِكَابَ الْمُشْتَبِهَاتِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَاهُ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي : لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ ، كَذَا قَالَ وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى . ( قَالَتْ مَيْمُونَةُ : أَنَسْقِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ لَبَنٍ عِنْدَنَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَلَمَّا شَرِبَ قَالَ : مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا ؟ ) : اللَّبَنُ ، ( قَالَتْ : أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ ) - بِضَمِّ الْهَاءِ ، وَفَتْحِ الزَّايِ - ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : أَرَأَيْتِكِ ) - بِكَسْرِ التَّاءِ ، وَالْكَافِ - أَيْ : أَخْبِرِينِي عَنْ شَأْنِ ( جَارِيَتَكِ ) وَكَانَتْ سَوْدَاءَ كَمَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا ( الَّتِي كُنْتِ اسْتَأْمَرْتِنِي ) بِدُونِ يَاءٍ لِلتَّخْفِيفِ ، كَقَوْلِهِ : فَلَوْ أَنَّكِ فِي يَوْمِ الرَّخَا سَأَلْتِنِي . وَفِي نُسْخَةٍ : سَأَلْتِينِي اسْتَأْمَرْتِينِي بِالْيَاءِ عَلَى الْأَصْلِ ، ( فِي عِتْقِهَا أَعْطِيهَا أُخْتَكِ ) هُزَيْلَةَ الْمَذْكُورَةَ ، ( وَصِلِي بِهَا رَحِمَكِ تَرْعَى عَلَيْهَا مَوَاشِيَهَا فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكِ ) مِنْ عِتْقِهَا لِتَعَدِّي النَّفْعُ ، فَفِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ لِذَوِي الرَّحِمِ أَفْضَلُ مِنَ الْعِتْقِ كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، لَكِنْ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، وَقَدْ بَيَّنَ وَجْهَ الْأَفْضَلِيَّةِ هُنَا بِقَوْلِهِ : تَرْعَى عَلَيْهَا .
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : أَفَلَا فَدَيْتِ بِهَا بِنْتَ أُخْتِكِ مِنْ رِعَايَةِ الْغَنَمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ أَفْضَلُ مِنَ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ ، ثُمَّ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَيْمُونَةَ : أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً ، وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا قَالَتْ : أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي ، قَالَ : أَوَفَعَلْتِ ؟ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخَوَاتِكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا اسْتَأْمَرَتْهُ ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهَا بِشَيْءٍ ، فَأَعْتَقهَا بِدُونِ اسْتِئْذَانٍ ظَنًّا أَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا وَقَدَّمَتْ لَهُ الْهَدِيَّةَ ، وَشَرِبَ مِنَ اللَّبَنِ وَسَأَلَهَا ، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ هَدِيَّةٌ من أختها ، أَمَرَهَا بِأَنْ تُعْطِيَهَا الْجَارِيَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهَا أَعْتَقَتْهَا ، فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ : لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخَوَاتِكِ . إِلَخْ ، وَهُوَ بِالْفَوْقِيَّةِ جَمْعُ أُخْتٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِاللَّامِ جَمْعُ خَالٍ ، وَرَجَّحَ عِيَاضٌ الْفَوْقِيَّةَ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ : أُخْتَكِ ، وَجُمِعَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ .