أحيحة بن الجلاح
أُحَيْحَة - بمهملتين مصغرا - ابن الجُلاح ، بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره مهملة . روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد ، عن عروة بن الزبير : أن رجلا من الأنصار يقال له أحيحة بن الجلاح ، كان له عم صغير ، هو أصغر من أحيحة ، وكان عند أخواله ، فقتله أحيحة ، فقال له أخواله : كنا أهل ثمّه ورمّه ، حتى إذا استوى على عممه غلبنا عليه حق امرئ في عمه . قال عروة : فلذلك لا يرث قاتل من قتل .
قلت : لم أقف على نسب أحيحةَ هذا في أنساب الأنصار . وقد ذكره بعض من ألف في الصحابة ، وزعم أنه أحيحة بن الجُلاح بن حَرِيش ، ويقال له : حراش بن جَحْجَبى بن كُلْفَةَ بن عَوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، وكانت تحته سلمى بنت عمرو الخزرجية ، فولدت له عمرو بن أحيحة ، وتزوج سلمى بعد أحيحة هاشم بن عبد مناف ، فولدت له عبد المطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - وزعم أن عمرو بن أحيحة الذي روى عن خزيمة بن ثابت في النهي عن إتيان النساء في الدبر ، وروى عنه عبد الله بن علي بن السائب هو هذا ، وقضيته أن يكون لأبيه أحيحة صحبة . وقد أنكر ابن عبد البر هذا إنكارا شديدا ، وقال في الاستيعاب : ذكره ابن أبي حاتم فيمن روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وسمع من خزيمة بن ثابت .
قال ابن عبد البر : وهذا لا أدري ما هو ؛ لأن أُحَيحة قديم ، وهو أخو عبد المطلب لأمه ، فمن المحال أن يروي عن خزيمة من كان بهذا القدم ، ويروي عنه عبد الله بن علي بن السائب ، قال : فعسى أن يكون حفيدا لعمرو بن أحيحة ، يعني فسمي باسم جده . قلت : لم يتعين ما قال ، بل لعل أحيحة بن الجلاح والد عمرو آخر غير أحيحة بن الجلاح المشهور . وقد ذكر المرزَبَانِيُّ عمرو بن أحيحة في معجم الشعراء ، وقال : إنه مُخَضْرَم - يعني أدرك الجاهلية والإسلام - وأنشد له شعرا قاله لما خطب الحسن بن علي عند معاوية .
وأحيحة بن الجلاح المشهور كان جاهليا شريفا في قومه ، مات قبل أن يولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بدهر . ومن ولده محمد بن عقبة بن الجُلاح أحد من سمي محمدا في الجاهلية رجاء أن يكون هو النبي المبعوث . ومات محمد بن عقبة في الجاهلية ، وأسلم ولده المنذر بن محمد وشهد بدرا وغيرها ، واستشهد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ببئر معونة .
وممن له صحبة من ذرية أحيحة بن الجُلاح عِيَاض بن عمرو بن بليل بن أحيحة شهد أحدا وما بعدها . وعمران وبليل ولدا بلال بن أحيحة ، شهدا أحدا أيضا ، ولم يذكر أحد أباهم في الصحابة . ومن ذرية أحيحة بن الجلاح - أيضا - فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس بن الأصْرَم بن جَحْجَبى ، أمه بنت محمد بن عقبة المذكور ، وذاك من الأدلة على وَهْمِ من ذكر أُحيحة بن الجُلاح الأكبر في الصحابة .
وقال عِيَاض في المشارق : وهِمَ بعضهم ما وقع في المُوَطَّأ ، فقال : أحيحة جاهلي لم يدرك الإسلام ، والأنصار اسم إسلامي للأوس والخزرج ، فكيف يقال : من الأنصار ؟ قال عياض : وهو مخرج على أن في اللفظ تساهلا ، لما كان من القبيل المذكور وصار لهم هذا الاسم كالنسب ، ذكر في جملتهم ؛ لأنه من إخوانهم . انتهى . وهذا تسليم منه لأنه مات في الجاهلية .
وقد أغرب القاضي أبو عبد الله بن الحَذَّاء في رجال الموطأ ، فزعم أن أُحيحة بن الجُلاح قديم الوفاة . وزعم في ترجمته أنه عمَّر حتى أدركه الإسلام ، وأنه الذي ذكر عنه مالك ما ذكر ، وأن عروة لم يدركه ، وإنما وقع له الذي وقع في الجاهلية ، والخبر المذكور إنما هو قضية قضي بها في الجاهلية ، فأقرها الإسلام . انتهى .
فجعله تارة أدرك الإسلام ، وتارة لم يدركه . والحق أنه مات قديما كما قدمته . وأما صاحب القصة فالذي يظهر لي أنه غيره ، وكأنه والد عمرو بن أحيحة الذي روى عن خزيمة بن ثابت ، فيكون أحيحة الصحابي والد عمرو غير أحيحة بن الجُلاح جد محمد بن عقبة القديم الجاهلي ، ويحتمل أن يكون الأصغر حفيد الأكبر وافق اسمه واسم أبيه اسم جده واسم أبيه ، والله أعلم .