الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي
الوليد بن عقبة بن أبي معيط - أبان - بن أبي عمرو - ذكوان - بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي ، أخو عثمان بن عفان لأمه ، أمهما أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب ، يكنى أبا وهب ، قتل أبوه بعد الفراغ من غزوة بدر صبرا ، وكان شديدا على المسلمين ، كثير الأذى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان ممن أسر ببدر ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله ، فقال : يا محمد ، من للصبية ؟ قال : النار . وأسلم الوليد وأخوه عمارة يوم الفتح ، ويقال : إنه نزل فيه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية . قال ابن عبد البر : لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أنها نزلت فيه ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه مصدقا إلى بني المصطلق ، فعاد ، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة ، وكانوا خرجوا يتلقونه وعليهم السلاح ، فظن أنهم خرجوا يقاتلونه ، فرجع ، فبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد ، فأخبروه بأنهم على الإسلام .
فنزلت هذه الآية . قلت : هذه القصة أخرجها عبد الرزاق في تفسيره ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ، فتلقوه ، ففرقهم ، فرجع ، فقال : ارتدوا ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم خالد بن الوليد ، فلما دنا منهم بعث عيونا ليلا ، فإذا هم ينادون بالصلاة ، ويصلون ، فأتاهم خالد ، فلم ير منهم إلا طاعة وخيرا ، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فنزلت هذه الآية . وأخرجه عبد بن حميد ، عن يونس بن محمد ، عن شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة نحوه ، ومن طريق الحكم بن أبان ، عن عكرمة نحوه ، ومن طريق ابن أبي نجيح ، عن مجاهد كذلك ، وأخرجها الطبراني موصولة ، عن الحارث بن أبي ضرار المصطلقي مطولة ، وفي السند من لا يعرف .
ويعارض ذلك ما أخرجه أبو داود في السنن من طريق ثابت بن الحجاج ، عن أبي موسى عبد الله الهمداني ، عن الوليد بن عقبة ، قال : لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم ، فيمسح على رءوسهم ، فأتي بي إليه وأنا مخلق ، فلم يمسني من أجل الخلوق . قال ابن عبد البر : أبو موسى مجهول ، ومن يكون صبيا يوم الفتح لا يبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - مصدقا بعد الفتح بقليل ، وقد ذكر الزبير وغيره من أهل العلم بالسير أن أم كلثوم بنت عقبة لما خرجت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجرة في الهدنة سنة سبع ، خرج أخواها الوليد وعمارة ليرداها ، قال : فمن يكون صبيا يوم الفتح ، كيف يكون ممن خرج ليرد أخته قبل الفتح . قلت : ومما يؤيد أنه كان في الفتح رجلا أنه كان قدم في فداء ابن عم أبيه الحارث بن أبي وحرة بن أبي عمرو بن أمية ، وكان أسر يوم بدر ، فافتداه بأربعة آلاف ، حكاه أصحاب المغازي ، ونشأ الوليد بعد ذلك في كنف عثمان إلى أن استخلف ، فولاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص ، واستعظم الناس ذلك .
وكان الوليد شجاعا شاعرا جوادا ، قال مصعب الزبيري : وكان من رجال قريش وسرواتهم ، وقصة صلاته بالناس الصبح أربعا وهو سكران - مشهورة مخرجة في .. . ، وقصة جلد عثمان له بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضا مخرجة في الصحيحين ، وعزله عثمان بعد جلده عن الكوفة ، وولاها سعيد بن العاص . ويقال : إن بعض أهل الكوفة تعصبوا عليه ، فشهدوا عليه بغير الحق ، حكاه الطبري ، واستنكره ابن عبد البر ، ولما قتل عثمان اعتزل الوليد الفتنة ، فلم يشهد مع علي ولا مع غيره ، ولكنه كان يحرض معاوية على قتال علي بكتبه وبشعره ، ومن ذلك ما كتب به إلى معاوية لما أرسل إليه علي جريرا يأمره بأن يدخل في الطاعة ، ويأخذ البيعة على أهل الشام ، فبلغ ذلك الوليد ، فكتب إليه من أبيات : أتاك كتاب من علي بخطه هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه فإن كنت تنوي أن تجيب كتابه فقبح ممليه وقبح كاتبه وكتب إليه أيضا من أبيات : وإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حلم الأديم وهو القائل في مقتل عثمان : ألا إن خير الناس بعد ثلاثة قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وما لي لا أبكي وتبكي قرابتي وقد حجبت عنا فضول أبي عمرو وأقام بالرقة إلى أن مات .
روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الحديث المقدم ذكره ، وروى عن عثمان وغيره ، روى عنه حارثة بن مضرب ، والشعبي ، وأبو موسى الهمداني ، وغيرهم ، قال خليفة : كانت ولاية الوليد الكوفة سنة خمس وعشرين ، وكان في سنة ثمان وعشرين غزا أذربيجان ، وهو أمير القوم ، وعزل سنة تسع وعشرين ، وقال أبو عروبة الحراني : مات في خلافة معاوية .