حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الإصابة في تمييز الصحابة

أبو مِحْجَن الثقفي

أبو مِحْجَن الثقفي الشاعر المشهور مختلف في اسمه ، فقيل : هو عمرو بن حبيب بن عمرو بن عُمير بن عوف بن عُقْدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف ، وقيل : اسمه كنيته ، وكنيته أبو عبيد ، وقيل : اسمه مالك ، وقيل : اسمه عبد الله ، وأمه كنود بنت عبد الله بن عبد شمس . قال أبو أحمد الحاكم : له صحبة ، قال : ويخيل إلي أنه صاحب سعد بن أبي وقاص الذي أتي به إليه وهو سكران ، فإن يكن هو فإن اسمه مالك ، وساق من طريق أبي سعد البقال ، عن أبي محجن ، قال : أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أخاف على أمتي من بعدي ثلاثة : تكذيب بالقدر ، وتصديق بالنجوم وذكر الثالثة . وأخرجه أبو نُعيم من هذا الوجه ؛ فقال في الثالثة : وحَيْف الأئمة ، وأبو سعد ضعيف ، ولم يدرك أبا مِحْجن .

وقال أبو أحمد الحاكم : الدليل على أن اسمه مالك ما حدثنا أبو العباس الثقفي ، حدثنا زياد بن أيوب ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا عمرو بن المهاجر ، عن إبراهيم بن محمد بن سعد ، عن أبيه ، قال : لمَّا كان يوم القادسية أتي سعد بأبي محجن ، وهو سكران من الخمر ، فأمر به فقُيِّد ، وكان بسعد جراحة فاستعمل على الخيل خالد بن عُرْفطة ، وصعد سعد فوق البيت لينظر ما يصنع الناس ، فجعل أبو مِحْجن يتمثل : كفى حزنًا أن ترتدي الخيلُ بالقَنَا وأُتْرك مشدودا عليَّ وثاقيا ثم قال لامرأة سعد - وهي بنت خصفة - : ويلك ! خلّيني فلك الله علي إن سلِمْت أن أجيء حتى أضع رجلي في القيد ، وإن قُتلت استرحتم مني ، فخلَّته ، ووثب على فرس لسعد يقال لها : البلقاء ، ثم أخذ الرمح وانطلق حتى أتى الناس ، فجعل لا يحمل في ناحية إلا هزمهم الله ، فجعل الناس يقولون : هذا ملك ؛ وسعد ينظر ، فجعل يقول : الضَّبْر ضَبْر البلقاء ، والطَّفر طَفْر أبي مِحْجن ، وأبو محجن في القيد . فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد ، فأخبرت بنت خصفة سعدا بالذي كان من أمره ، فقال : لا والله لا أحد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم ، قال : فخلى سبيله ، فقال أبو محجن : قد كنت أشربها إذْ كان يقام علي الحَدّ أطهر منها ، فأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا . قلت : استدل أبو أحمد - رحمه الله - بأن اسمه مالك ، بما وقع في هذه القصة من قول الناس : هذا ملك ، وليس هذا نصا فيما أراد ، بل الظاهر أنهم ظنوه ملكا من الملائكة ، ويؤيد هذا الظاهر أنَّ أبا بكر ابن أبي شيبة أخرج هذه القصة عن أبي معاوية بهذا السند ، وفيها أنهم ظنوه ملكا من الملائكة .

وقوله في القصة : الضبر ضبر البلقاء ، هو بالضاد المعجمة والباء الموحدة عدْوُ الفرس ، ومن قال بالصاد المهملة فقد صحف ، نبه على ذلك ابن فتحون في أوهام الاستيعاب . واسم امرأة سعد المذكورة سلمى ؛ ذكر ذلك سيف في الفتوح ، وسماها أبو عمر أيضا ؛ وساق القصة مطولة ، وزاد في الشعر أبياتا أخرى ، وفي القصة : فقاتل قتالا عظيما ، وكان يكبر ويحمل ، فلا يقف بين يديه أحد ، وكان يقصف الناس قصفا منكرا ، فعجب الناس منه وهم لا يعرفونه . وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين : كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر ، فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه ، فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون .

فذكر القصة بنحو ما تقدم ، لكن لم يذكر قول المسلمين : هذا ملك ؛ بل فيه : إن سعدا قال : لولا أني تركت أبا مِحجن في القيد لظننتها بعض شمائله . وقال في آخر القصة : فقال سعد : لا أجلدك في الخمر أبدا ، فقال أبو محجن : وأنا والله لا أشربها أبدا ، قد كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم ، فلم يشربها بعد . وذكر المدائني ، عن إبراهيم بن حكيم ، عن عاصم بن عروة : أن عمر غرَّب أبا محجن ، وكان يدمن الخمر ، فأمر أبا جهراء البصري ورجلا آخر أن يحملاه في البحر ؛ فيقال : إنه هرب منهما وأتى العراق أيام القادسية .

وذكر أبو عمر نحوه وزاد : أن عمر كتب إلى سعد بأن يحبسه فحبسه ، وذكر ابن الأعرابي عن ابن داب أن أبا محجن هوى امرأة من الأنصار ، يقال لها : شموس ، فحاول النظر إليها فلم يقدر ، فآجر نفسه من بنَّاء يبني بيتا بجانب منزلها ، فأشرف عليها من كوة فأنشد : ولقد نظرتُ إلى الشموس ودونها حرجٌ من الرحمن غيرُ قليل فاستعدى زوجها عمر فنفاه ، وبعث معه رجلا يقال له : أبو جهراء ، كان أبو بكر يستعين به . فذكر القصة ؛ وفيها أن أبا جهراء رأى مع أبي محجن سيفا ، فهرب منه إلى عمر ، فكتب عمر إلى سعد يأمره بسجنه فسجنه . فذكر قصته في القتل في القادسية .

وقال عبد الرزاق ، عن ابن جُرَيج : بلغني أن عمر بن الخطاب حد أبا محجن بن حبيب بن عمرو بن عُمير الثقفي في الخمر سبع مرات . وقيل : دخل أبو محجن على عمر فظنه قد شرب ، فقال : استنكهوه ، فقال أبو محجن : هذا من التجسس الذي نهيت عنه ، فتركه . وذكر ابن الأعرابي ، عن المفضل الضبي ، قال : قال أبو مِحْجن في تركه شرب الخمر : رأيت الخمر صالحة وفيها مناقب تُهْلك الرجلَ الحليمَا فلا والله أشربها حياتي ولا أشْفي بها أبدا سقيمَا وذكر ابن الكلبي ، عن عَوانة ، قال : دخل عبيد بن أبي محجن على عبد الملك بن مروان ، فقال : أبوك الذي يقول : إذا مِتُّ فادْفني إلى جنب كَرْمَةٍ تروي عظامي بعد موتي عروقُها فذكر قصة .

وأوردها ابن الأثير بلفظ : قيل : إن ابنًا لأبي مِحْجن دخل على معاوية ، فقال له : أبوك الذي يقول . فذكر البيت ، وبعده : ولا تدفننِّي بالفَلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها قال : لو شئت لقلت أحسن من هذا من شعره ، قال : وما ذاك ؟ قال : قوله : لا تسأل الناس عن مالي وكثرته وسائل الناس عن حزمي وعن خلقي القوم أعلم أني من سراتهم إذا تطيش يد الرِّعْديدة الفرقِ قد أركب الهول مسدولا عساكره وأكتم السر فيه ضربةُ العنقِ أُعطي السِّنانَ غَداة الروع حصتَه وعامل الرمح أرويه مِن العلقِ عَفُّ المطالبِ عمَّا لستُ نائله وإن ظُلِمتُ شديد الحقد والحنقِ قد يَعْسُر المرء حينا وهْو ذو كرم وقد يسوم سوام العاجز الحمقِ سيَكثُر المال يوما بعد قلته ويُكْتسى العودُ بعد اليُبْس بالورق فقال معاوية : لئن كنا أسأنا القول لنحسنن الفعل ، وأجزل صلته . وقد عاب ابن فتحون أبا عمر على ما ذكر في قصة أبي محجن أنه كان منهمكا في الشراب ، فقال : كان يكفيه ذكر حدِّه عليه ، والسكوت عنه أليق .

والأولى في أمره ما أخرجه سيف في الفتوح أن امرأة سعد سألته : فيم حبس ؟ فقال : والله ما حبستُ على حرام أكلته ولا شربته ، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية فند كثيرا على لساني وصفها ، فحبسني بذلك ؛ فأعلمت بذلك سعدا ، فقال : اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله . قلت : سيف ضعيف ، والروايات التي ذكرناها أقوى وأشهر . وأنكر ابن فتحون قول من روى أن سعدا أبطل عنه الحد ، وقال : لا يُظن هذا بسعد ، ثم قال : لكن له وجه حسن ، ولم يذكره ، وكأنه أراد أن سعدا أراد بقوله : لا يجلده في الخمر بشرط أضمره ؛ وهو أن يثبت عليه أنه شربها ، فوفقه الله أن تاب توبة نصوحا ، فلم يعد إليها ، كما في بقية القصة ؛ قال : قيل : إن أبا مِحْجن مات بأذربيجان ، وقيل : بجرجان .

موقع حَـدِيث