خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية
[ 11219 ] - خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية ، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأول من صدقت ببعثته مطلقا . قال الزبير بن بكار: كانت تدعى قبل البعثة الطاهرة ، وأمها فاطمة بنت زائدة ، قرشية من بني عامر بن لؤي ، وكانت عند أبي هالة بن زرارة بن النباش بن عدي التميمي أولا ، ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، ثم خلف عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . هذا قول ابن عبد البر ، ونسبه للأكثر .
وعن قتادة عكس هذا ، أن أول أزواجها عتيق ، ثم أبو هالة ، ووافقه ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عنه ، وكذا في كتاب " النسب " للزبير بن بكار ، لكن حكي القول الأخير أيضا عن بعض الناس . وكان تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - خديجة قبل البعثة بخمس عشرة سنة ، وقيل أكثر ج١٣ / ص٣١٤من ذلك ، وكانت موسرة ، وكان سبب رغبتها فيه ما حكاه لها غلامها ميسرة مما شاهده من علامات النبوة قبل البعثة ، ومما سمعته من بحيرا الراهب في حقه لما سافر معه ميسرة في تجارة خديجة . وولدت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولاده كلهم إلا إبراهيم ، وقد ذكرت في ترجمة كل منهم ما يليق به ، وقد ذكرت عائشة في حديث بدء الوحي ما صنعته خديجة من تقوية قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - لتلقى ما أنزل عليه ، فقال لها: لقد خشيت على نفسي ، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا .
وذكرت خصاله الحميدة ، وتوجهت به إلى ورقة ، وهو في " الصحيح " . وقد ذكره ابن إسحاق فقال: كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله ، وصدق بما جاء به فخفف الله بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لا يسمع شيئا يكرهه من الرد عليه ، فيرجع إليها إلا تثبته وتهون عليه أمر الناس . وعند أبي نعيم في " الدلائل "
عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان جالسا معها إذ رأى شخصا بين السماء والأرض فقالت له خديجة: ادن مني .بسند ضعيف
فدنا منها ، فقالت: تراه ؟ قال: ج١٣ / ص٣١٥نعم . قالت : أدخل رأسك تحت درعي . ففعل ، فقالت: تراه ؟ قال: لا ، قالت: أبشر ، هذا ملك ؛ إذ لو كان شيطانا لما استحيا .
ثم رآه بأجياد فنزل إليه وبسط له بساطا ، وبحث في الأرض فنبع الماء ، فعلمه جبريل كيف يتوضأ ، فتوضأ وصلى ركعتين نحو الكعبة ، وبشره بنبوته ، وعلمه: اقرأ باسم ربك ، ثم انصرف فلم يمر على شجر ولا حجر إلا قال: سلام عليك يا رسول الله ، فجاء إلى خديجة فأخبرها فقالت: أرني كيف أراك . فأراها ، فتوضأت كما توضأ ، ثم صلت معه ، وقالت: أشهد أنك رسول الله . قلت: وهذا أصرح ما وقفت عليه في نسبتها إلى الإسلام ، وقال ابن سعد : كانت ذكرت لورقة ابن عمها فلم يقدر ، فتزوجها أبو هالة ، ثم عتيق بن عائذ ، ثم أسند عن الواقدي بسند له عن عائشة قالت : كانت خديجة تكنى أم هند .
وعن حكيم بن حزام أنها كانت أسن من النبي - صلى الله عليه وسلم - بخمس عشرة سنة . وروى عن المديني بسند له ، عن ابن عباس أن نساء أهل مكة اجتمعن في عيد لهن في الجاهلية ، فتمثل لهن رجل ، فلما قرب نادى بأعلى صوته: يا نساء أهل مكة ، إنه ج١٣ / ص٣١٦سيكون في بلدكن نبي يقال له : أحمد ، فمن استطاع منكن أن تكون زوجا له فلتفعل ، فحصبنه إلا خديجة ، فإنها أغضت على قوله ، ولم تعرض له . وأسند أيضا عن الواقدي من حديث نفيسة أخت يعلى بن أمية قالت: كانت خديجة ذات شرف وجمال ، فذكرت قصة إرسالها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وخروجه في التجارة لها إلى سوق بصرى فربحت ضعف ما كان غيره يربح ، قالت نفيسة : فأرسلتني خديجة إليه دسيسا أعرض عليه نكاحها ففعل ، وتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة ، فولدت له القاسم وعبد الله ، وهو الطيب ، وهو الطاهر ، سمي بذلك لأنها ولدته في الإسلام ، وبناته الأربع ، وكان من ولدته ستة .
وكانت قابلتها سلمى مولاة عقبة ، وكانت تسترضع لولدها ، وتعد ذلك قبل أن تلد ، ثم أسند عن عائشة أن الذي زوجها عمها عمرو ؛ لأن أباها كان مات في الجاهلية . قال الواقدي: هذا المجمع عليه عندنا ، وأسند من طرق أنها ج١٣ / ص٣١٧حين تزويجها به كانت بنت أربعين سنة ، وقد أسند الواقدي قصة تزويج خديجة من طريق أم سعد بنت سعد بن الربيع عن نفيسة بنت منية أخت يعلى ، قالت : كانت خديجة امرأة شريفة جلدة كثيرة المال ، ولما تأيمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها ، فلما سافر النبي - صلى الله عليه وسلم - في تجارتها ، ورجع بربح وافر رغبت فيه ، فأرسلتني دسيسا إليه فقلت له: ما يمنعك أن تزوج ؟ فقال: ما في يدي شيء . فقلت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة ؟ قال: ومن ؟ قلت: خديجة .
فأجاب . وفي " الصحيحين " عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب ، وعند مسلم من رواية عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، عن علي أنه سمعه يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: خير نسائها خديجة بنت خويلد ، وخير نسائها مريم بنت عمران . وعنده من حديث أبي زرعة : سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أتاني جبريل فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام أو ج١٣ / ص٣١٨طعام وشراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربها السلام ومني .
الحديث . وقال ابن سعد : حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، قالا: جاءت خولة بنت حكيم فقالت: يا رسول الله ، كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة ؟ قال: أجل ، كانت أم العيال وربة البيت . الحديث .
. وقال أيضا: أخبرنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن حميد الطويل ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خديجة حتى خشي عليه ، حتى تزوج عائشة . ومن مزايا خديجة أنها ما زالت تعظم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتصدق حديثه قبل البعثة وبعدها ، وقالت له لما أرادت أن يتوجه في تجارتها: إنه دعاني إلى البعث إليك ، ما بلغني من صدق حديثك ، وعظيم أمانتك ، وكرم أخلاقك ، ذكره ابن إسحاق ، وذكر أيضا أنها قالت لما خطبها: إني قد رغبت فيك لحسن خلقك وصدق حديثك ، ومن طواعيتها له قبل البعثة أنها ج١٣ / ص٣١٩رأت ميله إلى زيد ابن حارثة بعد أن صار في ملكها فوهبته له - صلى الله عليه وسلم - ، فكانت هي السبب فيما امتاز به زيد من السبق إلى الإسلام ، حتى قيل: إنه أول من أسلم مطلقا .وسنده قوي مع إرساله
وأخرج ابن السني بسند له ، عن خديجة أنها خرجت تلتمس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأعلى مكة ، ومعها غذاؤه ، فلقيها جبريل في صورة رجل فسألها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهابته ، وخشيت أن يكون بعض من يريد أن يغتاله ، فلما ذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: هو جبريل ، وقد أمرني أن أقرأ عليك السلام ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب . وأخرجه النسائي والحاكم من حديث أنس: جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن الله يقرأ على خديجة السلام ، فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك السلام ورحمة الله . وفي " صحيح البخاري " عن علي رفعه: خير نسائها مريم ، وخير نسائها خديجة .
وتفسير المراد به ما أخرجه ابن عبد البر - في ترجمة فاطمة - عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد فاطمة وهي وجعة فقال: كيف تجدينك يا بنية ؟ قالت: إني لوجعة ، وإنه ليزيد ما بي ما لي طعام آكله ، فقال: يا بنية ، ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين ؟ قالت: يا أبت ، فأين مريم بنت عمران ؟ قال: تلك سيدة نساء عالمها . فعلى هذا فمريم خير نساء الأمة الماضية ، وخديجة خير نساء ج١٣ / ص٣٢٠الأمة الكائنة ، وتحمل قصة فاطمة إن ثبتت على أحد أمرين: إما التفرقة بين السيادة والخيرية ، وإما أن يكون ذلك بالنسبة إلى من وجد من النساء حين ذكر قصة فاطمة . وقد أثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - على خديجة ما لم يثن على غيرها ، وذلك في حديث عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة ، فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوما من الأيام ، فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها ؟ ، فغضب ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها ؛ آمنت إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء ، قالت عائشة : فقلت في نفسي : لا أذكرها بعدها بسبة أبدا .
أخرجه أبو عمر أيضا ، رويناه في كتاب " الذرية الطاهرة " للدولابي من طريق وائل بن داود ، عن عبد الله البهي ، عن عائشة ، وفي " الصحيح " عن عائشة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذبح الشاة يقول: أرسلوا إلى أصدقاء خديجة ، قالت : فذكرت له يوما فقال: إني رزقت حبها . قال ابن إسحاق: كانت وفاة خديجة وأبي طالب في عام واحد ، وكانت خديجة وزير صدق على الإسلام ، وكان يسكن إليها ، ج١٣ / ص٣٢١وقال غيره: ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح ، وقيل: بأربع ، وقيل: بخمس . وقالت عائشة : ماتت قبل أن تفرض الصلاة ، يعني قبل أن يعرج بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويقال: كان موتها في رمضان .
وقال الواقدي: توفيت لعشر خلون من رمضان ، وهي بنت خمس وستين سنة ، ثم أسند من حديث حكيم بن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة بعد خروج بني هاشم من الشعب ، ودفنت بالحجون ، ونزل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حفرتها ، ولم تكن شرعت الصلاة على الجنائز .