داود بن نصير الطائي أبو سليمان الكوفي الفقيه الزاهد
س : داود بن نصير الطائي ، أبو سليمان الكوفي ، الفقيه الزاهد . روى عن : إسماعيل بن أبي خالد ، وحبيب بن أبي عمرة ، وحميد الطويل ، وسعد بن سعيد الأنصاري ، وسليمان الأعمش ( س ) ، وعبد الملك بن عمير ( س ) ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهشام بن عروة ( س ) . روى عنه : إسحاق بن منصور السلولي ( س ) ، وإسماعيل ابن علية ( س ) ، وأفلح بن محمد بن زرعة السلمي البخاري ، وحماد بن أبي حنيفة ، وزافر بن سليمان ، وسفيان بن عيينة ، وشعيب بن حرب ، وصالح بن موسى ، وظفر بن عبد الرحمن الحماني ، وعباءة بن كليب ، وعبد الله بن إدريس ، وعطاء بن مسلم الحلبي الخفاف ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، والفضل بن موسى السيناني ، والقاسم بن الضحاك بن المختار بن فلفل ، ومصعب بن المقدام ( س ) ، ومعاوية بن حفص ، ووكيع بن الجراح ، والوليد بن عقبة الشيباني .
قال الغلابي ، عن يحيى بن معين : ثقة . وقال علي ابن المديني ، عن سفيان بن عيينة : كان داود الطائي ممن علم وفقه . قال : وكان يختلف إلى أبي حنيفة حتى نفذ في ذلك الكلام .
قال : فأخذ حصاة فحذف بها إنسانا ، فقال له أبو حنيفة : يا أبا سليمان طال لسانك وطالت يدك ؟ قال : فاختلف بعد ذلك سنة لا يسأل ولا يجيب ، فلما علم أنه يصبر ، عمد إلى كتبه فغرقها في الفرات ، ثم أقبل على العبادة وتخلى ، قال : وكان زائدة صديقا له ، وكان يعلم أنه يجيب في آية من القرآن يفسرها الم غُلِبَتِ الرُّومُ فأتاه فصلى إلى جنبه فلما انفتل ، قال : يا أبا سليمان الم غُلِبَتِ الرُّومُ فقال : يا أبا الصلت انقطع الجواب فيها ، انقطع الجواب فيها ، مرتين . وقال علي بن حرب الطائي ، عن محمد بن بشر : قدم علينا داود الطائي من السواد ، وكنا نضحك منه فما مات حتى سادنا . وقال محمد بن الحسين البرجلاني ، عن أبي النعمان رستم بن أسامة : حدثني عمير بن صدقة ، قال : كان داود الطائي لي صديقا ، وكنا نجلس جميعا في حلقة أبي حنيفة حتى اعتزل وتعبد ، فأتيته ، فقلت : يا أبا سليمان جفوتنا ، فقال : يا أبا محمد ليس مجلسكم ذاك من أمر الآخرة في شيء .
ثم قال : استغفر الله ، استغفر الله ، ثم قام وتركني . وقال عبد الله بن أحمد بن شبويه ، عن أبيه : سمعت حفص بن حميد يقول : سئل داود الطائي عن مسألة ، فقال داود : أليس المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب ، أليس يجمع له آلته ؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة يحارب ؟ إن العلم آلة العمل ، فإذا أفنى عمره فمتى يعمل ؟ وقال إبراهيم بن بشار الصوفي ، عن إبراهيم بن أدهم : كان داود الطائي يقول : إن للخوف لحركات تعرف في الخائفين ، ومقامات يعرفها المحبون ، وإزعاجات يفوز بها المشتاقون ، وأين أولئك ، أولئك هم الفائزون . قال : وقال داود لسفيان : إذا كنت تشرب الماء البارد ، وتأكل اللذيذ الطيب ، وتمشي في الظل الظليل ، فمتى تحب الموت ، والقدوم على الله تعالى .
قال : فبكى سفيان . وقال أحمد بن أبي الحواري ، عن أبي سليمان الداراني : ورث داود الطائي من أمه دارا وكان ينتقل في بيوت الدار كلما يخرب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر ، ولم يعمره حتى أتى على عامة بيوت الدار . قال : وورث من أمه دنانير ، وكان يتقوتها حتى كفن بآخرها .
وقال عبيد بن جناد الحلبي ، عن عطاء بن مسلم الحلبي : عاش داود الطائي عشرين سنة بثلاث مائة درهم ينفقها على نفسه ، فأتاه ابن أخيه ، فقال : يا عم تكره التجارة ؟ قال : لا . فقال : أعطني شيئا أتجر به . قال : فأعطاه ستين درهما .
قال : فمكث شهرا ، ثم جاءه بعشرين ومائة درهم . فقال : هذه ربحها ، فقال : أنت كل شهر تربح الدرهم درهما ينبغي أن يكون عندك بيت مال ، أردت أن تخدعني : قال : فرمي بها ، وقال : رد علي رأس مالي . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن الحسن بن عيسى : سمعت عبد الله بن المبارك يقول : وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي ! .
وقال عبيد الله بن محمد العيشي ، عن سلمة بن سعيد : لقي داود الطائي رجل فسأله عن حديث ، فقال : دعني ، فإني أبادر خروج نفسي . قال : وكان الثوري إذا ذكر داود ، قال : أبصر الطائي أمره . وقال محمد بن الحسين : حدثني ظفر بن عبد الرحمن عم يحيى الحماني ، قال : قلت لداود الطائي : يا أبا سليمان ما ترى في الرمي ، فإني أحب أن أتعلمه ، قال : إن الرمي لحسن ، ولكن هي أيامك فانظر بم تقطعها .
وقال عبيد بن جناد ، عن عطاء بن مسلم : كنا ندخل على داود الطائي ، فلم يكن في بيته إلا بارية ، ولبنة يضع عليها رأسه ، وإجانة فيها خبز ، ومطهرة يتوضأ منها ومنها يشرب . وقال الحافظ أبو بكر بن ثابت ، فيما أخبرنا أبو العز الشيباني ، عن أبي اليمن الكندي ، عن أبي منصور القزاز ، عنه : أخبرنا أحمد بن عمر بن روح ، قال : حدثنا المعافى بن زكريا الجريري ، قال : حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا موسى بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن حسان ، قال : قال لي عمي : قدم محمد بن قحطبة الكوفة ، فقال : أحتاج إلى مؤدب يؤدب أولادي ، حافظ لكتاب الله ، عالم بسنة رسول الله والأثر وبالفقه والنحو والشعر وأيام الناس . فقيل : ما يجمع هذه الأشياء إلا داود الطائي ، وكان محمد بن قحطبة ابن عم داود ، فأرسل إليه يعرض ذلك عليه ويسني له الأرزاق والفائدة ، فأبى داود ذلك ، فأرسل إليه بدرة : عشرة آلاف درهم ، وقال : استعن بها على دهرك ، فردها ، فوجه إليه بدرتين مع غلامين له مملوكين ، وقال لهما : إن قبل البدرتين فأنتما حران ، فمضيا بهما إليه فأبي أن يقبلهما ، فقالا له : إن في قبولهما عتق رقابنا ، فقال لهما : إني أخاف أن يكون في قبولهما وهق رقبتي في النار ، رداها إليه ، وقولا له أن يردهما على من أخذهما منه أولى من أن يعطيني أنا .
قال الحافظ أبو بكر : وكان داود ممن شغل نفسه بالعلم ، ودرس الفقه ، وغيره من العلوم ، ثم اختار بعد ذلك العزلة ، وآثر الانفراد والخلوة ، ولزم العبادة واجتهد فيها إلى آخر عمره ، وقدم بغداد في أيام المهدي ، ثم عاد إلى الكوفة ، وبها كانت وفاته . وقال أبو عبيد الآجري ، عن أبي داود : كان عند ابن عيينة ، عن داود الطائي حديث واحد ، وكان عند ابن علية ، عنه تسعة أحاديث . قال : وسمعت أبا داود يقول : دفن داود الطائي كتبه ، ودفن أبو أسامة كتبه فما أخرجها ، وكان بعد ذلك يستعير الكتب ، ودفن أبو إبراهيم الترجماني كتبه .
قال البخاري : مات بعد الثوري ، قاله لي علي . قال : وقال لي ابن أبي الطيب ، عن أبي داود : مات إسرائيل وداود في أيام وأنا بالكوفة . قال : وقال أبو نعيم : مات سنة ستين ومائة .
وقال محمد بن عبد الله بن نمير : مات سنة خمس وستين ومائة . وقال إسحاق بن منصور السلولي : لما مات داود الطائي شيع جنازته الناس ، فلما دفن قام ابن السماك على قبره ، فقال : يا داود كنت تسهر ليلك إذ الناس ينامون ، فقال الناس جميعا : صدقت . وكنت تربح إذ الناس يخسرون ، فقال الناس جميعا : صدقت .
وكنت تسلم إذ الناس يخوضون ، فقال الناس جميعا : صدقت . حتى عدد فضائله كلها . فلما فرغ قام أبو بكر النهشلي ، فحمد الله ثم قال : يا رب إن الناس قد قالوا ما عندهم مبلغ ما علموا ، اللهم فاغفر له برحمتك ، ولا تكله إلى عمله .
وقال أبو حاتم الرازي ، عن محمد بن يحيى بن عمر الواسطي ، عن محمد بن بشير ، عن حفص بن عمر الجعفي : اشتكى داود الطائي أياما ، وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار ، فكررها مرارا في ليلته ، فأصبح مريضا ، فوجدوه قد مات ورأسه على لبنة ، ففتحوا باب الدار ، ودخل ناس من إخوانه وجيرانه ومعهم ابن السماك ، فلما نظر إلى رأسه ، قال : يا داود ، فضحت القراء ، فلما حملوه إلى قبره خرج في جنازته خلق كثير ، حتى خرجت ذوات الخدور ، فقال ابن السماك : يا داود سجنت نفسك قبل أن تسجن ، وحاسبت نفسك قبل أن تحاسب ، فاليوم ترى ثواب ما كنت ترجو ، وله كنت تنصب وتعمل ، فقال أبو بكر بن عياش وهو على شفير القبر : اللهم لا تكل داود إلى عمله . قال : فأعجب الناس ما قال أبو بكر . روى له النسائي .