محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بذدزبة
) . قال بكير بن نمير : سمعت الحسن بن الحسين البزاز ببخارى يقول : رأيت محمد بن إسماعيل شيخا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير ، ولد في شوال سنة ( 194 ) ، وتوفي يوم السبت لغرة شوال سنة ( 256 ) ، عاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما . وقال أحمد بن سيار المروزي : محمد بن إسماعيل طلب العلم وجالس الناس ، ورحل في الحديث ، ومهر فيه وأبصر ، وكان حسن المعرفة ، حسن الحفظ ، وكان يتفقه .
وقال أبو العباس بن سعيد : لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب تاريخ محمد بن إسماعيل . وقال عامر ابن المنتجع : سمعت أبا بكر المديني قال : كنا يوما بنيسابور عند إسحاق بن راهويه ، ومحمد بن إسماعيل حاضر في المجلس ، فمر إسحاق بحديث ، وكان دون الصحابي عطاء الكيخاراني ، فقال إسحاق : يا أبا عبد الله ، أيش كيخاران ؟ قال : قرية باليمن ، كان معاوية بعث هذا الرجل من الصحابة إلى اليمن فسمع منه عطاء حديثين . فقال له إسحاق : يا أبا عبد الله كأنك قد شهدت القوم .
وقال إبراهيم بن معقل النسفي : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : كنت عند إسحاق بن راهويه ، فقال لنا بعض أصحابنا : لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي صلى الله عليه وسلم فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع هذا الكتاب يعني : الجامع . قال إبراهيم : وسمعته يقول : ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح ، وتركت من الصحاح لحال الطول . وقال الكشميهني : سمعت الفربري يقول : قال لي محمد بن إسماعيل : ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين .
وقال جعفر بن الفضل ابن حنزابة : سمعت محمد بن موسى المأموني قال : سئل أبو عبد الرحمن - يعني : النسائي - عن العلاء وسهيل ، فقال : هما خير من فليح ، ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل . وقال جعفر بن محمد القطان إمام الجامع بكرمينيه : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : كتبت عن ألف شيخ وأكثر ، ما عندي حديث إلا وأذكر إسناده . وقال بكر بن نمير : كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة ، فلما قضى صلاته قال : انظروا أيش هذا الذي أذاني في صلاتي ، فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة عشر موضعا ، ولم يقطع صلاته .
وقال أبو بكر الأعين : كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابي ، وما في وجهه شعرة . وقال حاشد بن إسماعيل : كنت بالبصرة فقدم محمد بن إسماعيل ، فقال محمد بن بشار : دخل اليوم سيد الفقهاء . وقال أبو قريش محمد بن جمعة : سمعت بندارا محمد بن بشار يقول : حفاظ الدنيا أربعة ، فذكره فيهم .
وقال البوشنجي : سمعت بندارا يقول : ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل . وقال يوسف بن ريحان : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : كان علي ابن المديني يسألني عن شيوخ خراسان إلى أن قال : كل من أثنيت عليه فهو عندنا الرضا . وقال الفربري : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي ، وربما كنت أغرب عليه .
وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاري : حدثني حامد بن أحمد قال : ذكر لعلي ابن المديني قول محمد بن إسماعيل : ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي ابن المديني ، فقال : ذروا قوله ما رأى مثل نفسه . وقال الفربري : سمعت محمد بن أبي حاتم وراق محمد بن إسماعيل قال : سمعته يقول : ذاكرني أصحاب عمرو بن علي بحديث فقلت : لا أعرفه ، فسروا بذلك ، وصاروا إلى عمرو بن علي فقالوا له : ذاكرنا محمد بن إسماعيل بحديث فلم يعرفه ، فقال عمرو بن علي : حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث . قال محمد بن أبي حاتم ، وسمعته يقول : كان إسماعيل بن أبي أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه .
وقال أبو مصعب : محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من ابن حنبل . وقال عامر بن المنتجع ، عن أحمد بن الضوء ، سمعت أبا بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير يقولان : ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل . وقال محمود بن النضر الشافعي : دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ، ورأيت علماءها ، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم .
وقال ابن عدي : كان ابن صاعد إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول : الكبش النطاح . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : . انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان ، فذكره فيهم .
وقال أيضا : سمعت أبي يقول : ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل . وقال صالح بن محمد الأسدي : محمد بن إسماعيل أعلمهم بالحديث . وقال يعقوب بن إبراهيم الدورقي : محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة .
وقال أبو العباس الدغولي : كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل : المسلمون بخير ما بقيت لهم وليس بعدك خير حين تفتقد وقال أبو بكر محمد بن حرب : سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فقال : تركه أبو عبد الله - يعني : البخاري - قال : فذكرت ذلك للبخاري ، فقال : بره لنا قديم . وقال الفضل بن العباس الرازي : رجعت مع محمد بن إسماعيل مرحلة ، وجهدت الجهد على أن أجيء بحديث لا يعرفه فما أمكنني ، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعر رأسه . وقال إسحاق بن أحمد بن زيرك : سمعت محمد بن إدريس الرازي أبا حاتم يقول : محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق .
قال : وسمعته في سنة سبع وأربعين يقول : يقدم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه ، فقدم محمد بن إسماعيل بعد أشهر . وقال صالح بن سيار : سمعت نعيم بن حماد يقول : محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة . وقال عبدان بن عثمان : ما رأيت بعيني شابا أبصر منه .
وقال محمد بن سلام : هو الذي ليس مثله . وقال يحيى بن جعفر : لو قدرت أن أزيد في عمره لفعلت . وقال محمد بن العباس الضبي : سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ يقول : كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البلد يعني : بخارى ، أن خالد بن أحمد الأمير سأله أن يحضر منزله فيقرأ الجامع و التاريخ على أولاده ، فامتنع ، فراسله أن يعقد لأولاده مجلسا لا يحضره غيرهم فامتنع أيضا ، فاستعان عليه بحريث ابن أبي الورقاء وغيره حتى تكلموا في مذهبه ، ونفاه عن البلد ، فدعا عليهم فاستجيب له .
وقال ابن عدي : سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي يقول : جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها ، وكان له بها أقرباء فنزل عندهم ، قال : فسمعته ليلة من الليالي يدعو اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك ، قال : فما تم الشهر حتى قبضه الله في سنة ست وخمسين ومائتين في شوال . قلت : مناقبه كثيرة جدا قد جمعتها في كتاب مفرد ، ولخصت مقاصده في آخر الكتاب الذي تكلمت فيه على تعاليق الجامع الصحيح ، ومن ذلك : قال الحاكم : سمعت أبا الطيب يقول : سمعت ابن خزيمة يقول : ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحفظ له من البخاري . قال : وسمعت أبا عبد الله الحافظ - يعني : ابن الأخرم يقول : سمعت أبي يقول : رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري ، وهو يسأله سؤال الصبي المتعلم .
قال : وسئل أبو عبد الله يعني : ابن الأخرم عن حديث ، فقال : إن البخاري لم يخرجه . فقال له السائل : قد خرجه مسلم ، فقال أبو عبد الله : إن البخاري كان أعلم من مسلم ومنك ومني . وقال : ولما ورد البخاري نيسابور قال محمد بن يحيى الذهلي : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه ، فذهب الناس إليه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى ، فتكلم فيه بعد ذلك .
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي : رأيت العلماء بالحرمين والعراقين ، فما رأيت فيهم أجمع منه . قال الحاكم : وسمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول : سمعت محمد بن نعيم يقول : سألت محمد بن إسماعيل لما وقع ما وقع من شأنه عن الإيمان فقال : قول وعمل ، يزيد وينقص ، والقرآن كلام الله غير مخلوق ، وأفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، على هذا حييت ، وعليه أموت وأبعث إن شاء الله تعالى . وقال غنجار في تاريخ بخارى : قال له أبو عيسى الترمذي : قد جعلك الله زين هذه الأمة يا أبا عبد الله .
وقال في الجامع : لم أر في معنى العلل والرجال أعلم من محمد بن إسماعيل . وقال إسحاق بن راهويه : يا معشر أصحاب الحديث اكتبوا عن هذا الشاب ، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه . وقال حاشد بن عبد الله : سمعت المسندي يقول : محمد بن إسماعيل إمام ، فمن لم يجعله إماما فاتهمه .
وقال أيضا : رأيت محمد بن رافع ، وعمرو بن زرارة عند محمد بن إسماعيل يسألانه عن علل الحديث ، فلما قاما قالا لمن حضر : لا تخدعوا عن أبي عبد الله ، فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر . وقال الحسين بن محمد بن حاتم المعروف بعبيد العجل : ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل ومسلم لم يكن يبلغه ، ورأيت أبا زرعة وأبا حاتم يستمعان قوله . وذكر له قصة محمد بن يحيى معه فقال : ما لمحمد بن يحيى ولمحمد بن إسماعيل ، كان محمد أمة من الأمم ، وأعلم من محمد بن يحيى بكذا وكذا ، كان دينا فاضلا يحسن كل شيء .
وقال ابن أبي حاتم : سمع منه أبي وأبو زرعة ، ثم تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق . وقال محمد بن نصر المروزي : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : من قال عني : إني قلت : لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب ، وإنما قلت : أفعال العباد مخلوقة . وقال أبو عمرو الخفاف : حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل ، وهو أعلم بالحديث من إسحاق وأحمد وغيرهما بعشرين درجة ، ومن قال فيه شيئا فعليه مني ألف لعنة .
وقال مسلمة في الصلة : كان ثقة جليل القدر عالما بالحديث ، وكان يقول بخلق القرآن ، فأنكر ذلك عليه علماء خراسان فهرب ، ومات وهو مستخف . قال : وسمعت بعض أصحابنا يقول : سمعت العقيلي لما ألف البخاري كتابه الصحيح عرضه على ابن المديني ، ويحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم ، فامتحنوه ، وكلهم قال : كتابك صحيح إلا أربعة أحاديث . قال العقيلي : والقول فيها قول البخاري ، وهي صحيحة .
قال مسلمة : وألف علي ابن المديني كتاب العلل ، وكان ضنينا به ، فغاب يوما في بعض ضياعه ، فجاء البخاري إلى بعض بنيه وراغبه بالمال على أن يرى الكتاب يوما واحدا ، فأعطاه له فدفعه إلى النساخ فكتبوه له ورده إليه ، فلما حضر علي تكلم بشيء ، فأجابه البخاري بنص كلامه مرارا ، ففهم القضيه واغتم لذلك ، فلم يزل مغموما حتى مات بعد يسير ، واستغنى البخاري عنه بذلك الكتاب ، وخرج إلى خراسان ، ووضع كتابه الصحيح فعظم شأنه ، وعلا ذكره ، وهو أول من وضع في الإسلام كتابا صحيحا ، فصار الناس له تبعا بعد ذلك . قلت : إنما أوردت كلام مسلمة هذا لأبين فساده ، فمن ذلك إطلاقه بأن البخاري كان يقول بخلق القرآن ، وهو شيء لم يسبقه إليه أحد ، وقد قدمنا ما يدل على بطلان ذلك ، وأما القصة التي حكاها فيما يتعلق بالعلل لابن المديني ، فإنها غنية عن الرد لظهور فسادها ، وحسبك أنها بلا إسناد ، وأن البخاري لما مات علي كان مقيما ببلاده ، وأن العلل لابن المديني قد سمعها منه غير واحد غير البخاري ، فلو كان ضنينا بها لم يخرجها ، إلى غير ذلك من وجوه البطلان لهذه الأخلوقة ، والله الموفق . وقال صالح جزرة : قال لي أبو زرعة الرازي : يا أبا علي ، نظرت في كتاب محمد بن إسماعيل هذا أسماء الرجال - يعني : التاريخ - فإذا فيه خطأ كثير ، فقلت : له بلية أنه رجل كل من يقدم عليه من العراق من أهل بخارى نظر في كتبهم ، فإذا رأى اسما لا يعرفه ، وليس عنده كتبه - وهم لا يضبطون ولا ينقطون - فيضعه في كتابه خطأ ، وإلا فما رأيت خراسانيا أفهم منه .
وأما ما رجحه المصنف من أن النسائي لم يلق البخاري ، فهو مردود ، فقد ذكره في أسماء شيوخه الذين لقيهم ، وقال فيه : ثقة مأمون ، صاحب حديث ، كيس . وروينا في كتاب الإيمان لأبي عبد الله بن منده حديثا رواه عن حمزة ، عن النسائي ، حدثني محمد بن إسماعيل البخاري ، وكونه روى عن الخفاف عنه لا يمنع أن يكون لقيه ، بل الظاهر أنه لم يكثر عنه ، فاحتاج أن يأخذ عن بعض أصحابه ، والله أعلم ، وسيأتي في آخر من اسمه محمد بن إسماعيل زيادة في هذه [ المسألة ] .