حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K

وصف سنن النسائي ومنهجه

أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن النسائي الحافظ· ت. 303هـ· دار المعرفة· من كتب الأصول

موضوع السنن

موضوع المجتبى (السنن الصغرى) الحديث المرفوع المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أبواب الأحكام، ساقه سردا تحت الأبواب، ولم يمزجه بشيء من الرأي، وليس فيه من الموقوف والمقطوع إلا ما ندر، وإنما يذكره غالبا من باب ذكر الاختلاف فيه على راو، حيث يروى الخبر مرفوعا ثم يبين أنه وقع الاختلاف فيه رفعا ووقفا، فيسوق الطرق الموقوفة بيانا لما قد يرد على الحديث من تعليل، ولم يَخلُ كتابه من بعض الفوائد الحديثية وغيرها كتوثيق راوٍ أو نحو ذلك، وشرح غريب.

شرط السنن

الإمام النسائي إمام مقدم في علوم الحديث، وهو فيها ناقد بصير، عالم خبير، إليه المنتهى في عصره في معرفة الرجال وعلل الحديث، كان شديد التحري قوي النقد، متثبتا، يدع حديث الراوي لأدنى مغمز يظهر له، ويتكلم في الراوي كلام العارف بخفايا هذا العلم المدرك لأبعاده، فهو للرجال شديد الانتقاء حتى قال أبو علي النيسابوري الحافظ: النسائي شرطه في الرجال أشد من شرط مسلم بن الحجاج، بل قال الحافظ العلم سعد بن علي الزنجاني: إن لأبي عبدالرحمن شرطا في الرجال أشد من البخاري ومسلم.

قال الذهبي: صدق، فإنه لين جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم. ويؤيد هذا ما حكاه أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: (من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة - يعني عن قتيبة عن ابن لهيعة - قال: فما حدث بها.

وربما دعاه تحريه في الرجال إلى النزول بأسانيد علا فيها من طريق من ليس على شرطه، فلم يرتض أن يرويها من الطريق العالي لنزوله عن شرطه وخرجها بالإسناد النازل لوروده من طريق الثقات، وفي ذلك يقول: (لما عزمت على جمع كتاب السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم).

فإن احتاج إلى تخريج رواية فيها من ليس على شرطه ذكر روايته وبين علتها، ولا يسكت عن مجروح، وإنما يحتاج إلى ذكر رواية هذا الصنف أحيانا لبيان مخالفة وقعت في إسناد خالف فيها ضعيف ثقة، فيذكر ذلك جميعا مع ذكر الجرح ليثبت بذلك صحة رواية الثقة ورجحانها، وأن مخالفة الضعيف ليست بقادحة، وربما ذكر ذلك في المتابعات، ومن المعلوم وقوع التساهل فيها في أحاديث من فيه ضعف محتمل ليس بشديد، فيصلح حديثه للاعتبار.

ولقوة شرطه في الرجال قل في حديثه بل ندر جدا وجود ما يَرِد عليه مأخذ، ولذا قال أبو الحسن المعامزي: (إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره).

والنسائي قد حقق شرطه المذكور في كتابه (السنن الكبرى) والمجتبى منه، لكنه في الثاني أكثر تنقية وأقوى نظرا، وأجود اختيارا.

تبويب السنن

راعى الإمام النسائي الفقه في الأبواب، وكأنه تنبه ولاحظ منهج البخاري فأراد أن يقفو أثره، وهذا المعنى لم يحرره في السنن الكبرى، لكنه عني به ما أمكن حين شرع في انتخاب (الصغرى)، وكأنه أراد الانتخاب لهذا المعنى، ولذا وقعت تبويبات الصغرى على أتم ما يمكن في الفقه والاستنباط والترتيب للأبواب، ومجاراة منهج البخاري وطريقته في الاستنباط حيث إنه إن وجد في الباب آية صدره بها ثم ساق ما يبينها ويشرحها من السنة، غير أنه جانب طريقته في التعليق في الأبواب فلا يُعرف ذلك في كتابه.

معلقات السنن

لم يجر النسائي في كتابه (المجتبى) على تعليق الأسانيد في أبوابه ولا في أسانيده الأصول، إنما وقع ذلك له في أعقاب بعض الأحاديث متابعة، وذلك عنده على ثلاثة أحوال:

  1. ١يعلق المتابعة، ثم يصلها عقب التعليق مباشرة، مثال ذلك حديث أبي هريرة في كتاب الصيام في فضل شهر رمضان مرفوعا: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة) الحديث أورده من طرق عن الزهري عن ابن أبي أنس عن أبيه عن أبي هريرة، ثم قال: (رواه ابن إسحاق عن الزهري) ثم أسند رواية ابن إسحاق.
  2. ٢يعلق المتابعة، ويصلها في موضع آخر من كتابه.
  3. ٣يعلق المتابعة ولا يصلها في نفس الكتاب، فهذه تحتاج إلى البحث عن موضع موصلها.

فهذه صور المعلقات الواردة عند النسائي، ونسبتها إلى جملة الكتاب قليلة جدا، ونسبة غير الموصول منها في كتابه أقلّها.

تكرار الحديث

سلك النسائي طريقة أشبه ما تكون بطريقة البخاري في سرد نصوص كتابه، حيث عمد إلى العناية بأحاديث الأحكام وتبويبها تبويبا دقيقا يشير إلى ما دلّت عليه من الأحكام الفقهية - كما سبق في موضوعه - وكان ضيق الشرط لشدة تحريه، وكان يحتاج إلى الحديث في المواضع المختلفة، إذ أن الحديث ربما دل على المعاني التي يصلح أن يورد لأجلها في أبواب متباعدة، ولذا كان يكرر الحديث في كتب المجتبى كثيرا.

والتكرار في كتابه وقع على صورتين:

  1. ١تكراره الحديث في نفس الباب، ويفعل ذلك من أجل تنويع الأسانيد المختلفة للمتن الواحد، وفي هذه الحالة لا يعيد المتن إلا نادرا وإنما يحيله على ما قبله بقوله: (مثله) أو (نحوه) فإن أعاد المتن فإنما يصنع ذلك عادة لشيء من الاختلاف فيه عن السياق الأول، ويجمع المتابعات إلى بعضها في سياق واحد في غالب الأحيان مع العناية بالتنبيه على ما يختلف فيه الرواة.
  2. ٢تكراره الحديث حسب احتياجه له في الأبواب، وهذه الصورة ربما يكرر فيها الحديث سندا ومتنا، وربما كرره متنا مع المتابعة في بعض سنده فتكون طريقا جديدة للحديث.

تقطيع الحديث

تقطيع الحديث بمعنى أن يأخذ منه في الباب ما يحتاج إليه ويشير إلى باقيه أو لا يشير وقع في كتاب (المجتبى) في مواضع يسيرة، إذ ليس من منهج النسائي عمل ذلك، إنما يسوق الحديث مساقا واحدا في الأبواب، فإن احتاج إليه في باب آخر أعاده.

وربما كان في الحديث طول فيختصره اكتفاء بموضع الشاهد منه، كحديث عائشة في كتاب السهو - باب السجود - بعد الفراغ من الصلاة وقال عقبه: (مختصر).

وكاختصاره لقصة كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك أوردها في كتاب الطلاق - باب الحقي بأهلك - فذكر الأسانيد ثم قال: (وساق قصته) ثم ذكر طرفا مما احتاجه في الباب.

وربما اختصر الحديث اختصارا شديدا لا يدل على ما ترجم له إلا بسياقه تاما، كما صنع في كتاب الآذان - باب الإقامة لمن يصلي وحده - حيث ذكر إسناد حديث رفاعة بن رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس في صف الصلاة، الحديث، فاكتفى بهذا القدر في هذا الموضع ولم يسق الحديث، وقد أورده في مواضع أخرى من كتابه تاما، فمن خلال النظر إلى سياقه تتضح المناسبة بينه وبين الترجمة.

وهذا الغموض في الأسلوب ليس متكررا في الكتاب، بل لعله ليس فيه إلا هذا الموضع.