2- بَاب اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ فِي الْكَسْبِ 4453 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ بَعْدَهُ أَحَدًا يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ ، وَرُبَّمَا قَالَ : وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً قَالَ : وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَمَى حِمًى ، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَرَّمَ ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى ، وَرُبَّمَا قَالَ : إِنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُرْتِعَ فِيهِ ، وَإِنَّ مَنْ يُخَالِطُ الرِّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ . 4453 - كتاب البيوع إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ الْحَدِيثُ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : الْحَدِيثُ جَلِيلُ الْمَوْقِعِ عَظِيمُ النَّفْعِ فِي الشَّرْعِ ؛ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : رُوِيَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ ، قَالَ : كَتَبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ ، الثَّابِتُ مِنْهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ , وَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَقَوْلُهُ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، وَقَوْلُهُ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَقَوْله : لَا يَكُونُ الْمَرْءُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ . وَرُوِيَ مَكَانَ هَذَا : ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ ، الْحَدِيثُ . قَالَ : وَقَدْ نَظَمَ هَذَا أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ مُفَوِّزٍ فِي بَيْتَيْنِ ، فَقَالَ : عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتْ أَرْبَعٌ مِنْ كَلَامِ خَيْرِ الْبَرِيَّهْ اتَّقِ الشُّبُهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ مَا لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلْنَ بِنِيَّهْ قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَإِنَّمَا نَبَّهَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى عِظَمِ هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَعْبُدُ بِطَهَارَةِ قَلْبِهِ وَجِسْمِهِ ، فَأَكْثَرُ الْمَذَامِّ الْمَحْظُورَاتِ إِنَّمَا تَنْبَعِثُ مِنَ الْقَلْبِ ، وَأَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِصْلَاحِهِ ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ إِصْلَاحَهُ هُوَ إِصْلَاحُ الْجِسْمِ ، وَأَنَّهُ الْأَصْلُ وَهَذَا صَحِيحٌ يُؤْمِنُ بِهِ حَتَّى مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالشَّرْعِ , وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ وَالْأَطِبَّاءُ , وَالْأَحْكَامُ وَالْعِبَادَاتُ آلَةٌ يَتَصَرَّفُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ وَجِسْمِهِ فِيهَا يَقَعُ فِي مُشْكِلَاتٍ وَأُمُورٍ مُلْتَبِسَاتٍ تُكْسِبُ التَّسَاهُلَ فِيهَا ، وَتَعْوِيدَ النَّفْسِ الْجَرَاءَةَ عَلَيْهَا ، وَتُكْسِبُ فَسَادَ الدِّينِ وَالْعِرْضِ ، فَنَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَوَقِّي هَذِهِ , وَضَرَبَ لَهَا مَثَلًا مَحْسُوسًا لِتَكُونَ النَّفْسُ لَهُ أَشَدَّ تَصَوُّرًا ، وَالْعَقْلُ أَعْظَمَ قَبُولًا ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُلُوكَ لَهُمْ أَحْمِيَةٌ ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعَزِيزَ فِيهِمْ يَحْمِي مُرُوجًا وَأَفْنِيَةً ، وَلَا يُتَجَاسَرُ عَلَيْهَا ، وَلَا يُدْنَى مِنْهَا مَهَابَةً مِنْ سَطْوَتِهِ ، أَوْ خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَوْزَتِهِ ، وَهَكَذَا مَحَارِمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَنْ تَرَكَ مِنْهَا مَا قَرُبَ ، فَهُوَ مِنْ تَوَسُّطِهَا أَبْعَدُ ، وَمَنْ تَحَامَى طَرَفَ النَّهْيِ أُمِنَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَسَّطَ ، وَمَنْ قَرُبَ تَوَسَّطَ ( وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : اُخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الْمُشْتَبِهَاتِ ، فَقِيلَ : مُوَاقَعَتُهَا حَرَامٌ ، وَقِيلَ : حَلَالٌ ، لَكِنْ يُتَوَرَّعُ عَنْهُ لِاشْتِبَاهِهِ ، وَقِيلَ : لَا يُقَالُ فِيهَا لَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ لِقَوْلِهِ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَلَا يُحْكَمُ لَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْحُكْمَيْنِ . قَالَ : وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُشْتَبِهَاتِ ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُهَا عَلَى أَمْثَلِ طَرِيقَةٍ ، فَاعْلَمْ أَنَّ الِاشْتِبَاهَ هُوَ الِالْتِبَاسُ ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ فِي مُقْتَضَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ هَاهُنَا عَلَى أَمْرٍ أَشْبَهَ أَصْلًا مَا ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُشْبِهُ أَصْلًا آخَرَ يُنَاقِضُ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ ، فَكَأَنَّهُ كَثُرَ اشْتِبَاهُهُ ، فَقِيلَ : اشْتَبَهَ بِمَعْنَى اخْتَلَطَ حَتَّى كَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ أُصُولُ الشَّرْعِ الْمُخْتَلِفَةُ تَتَجَاذَبُ فَرْعًا وَاحِدًا تَجَاذُبًا مُتَسَاوِيًا فِي حَقِّ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ تَصْوِيرُ تَرْجِيحٍ ، وَرَدُّهُ لِبَعْضِ الْأُصُولِ يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ ، وَرَدُّهُ لِبَعْضِهَا يُوجِبُ حِلَّهُ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَحْوَطَ هَاهُنَا تَجَنُّبُ هَذَا ، وَمَنْ تَجَنَّبَهُ وُصِفَ بِالْوَرَعِ وَالتَّحَفُّظِ فِي الدِّينِ .
الشروح
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطيباب اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ فِي الْكَسْبِ · ص 241 سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي - حاشية السنديبَاب اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ فِي الْكَسْبِ · ص 242 2- بَاب اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ فِي الْكَسْبِ 4453 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ بَعْدَهُ أَحَدًا يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ ، وَرُبَّمَا قَالَ : وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً قَالَ : وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَمَى حِمًى ، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَرَّمَ ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى ، وَرُبَّمَا قَالَ : إِنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُرْتِعَ فِيهِ ، وَإِنَّ مَنْ يُخَالِطُ الرِّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ . قَوْله : ( إِنَّ الْحَلَال بَيِّن ) لَيْسَ الْمَعْنَى كُلّ مَا هُوَ حَلَال عِنْد اللَّه تَعَالَى فَهُوَ بَيِّن بِوَصْفِ الْحِلّ يَعْرِفُهُ كُلّ أَحَدٍ بِهَذَا الْوَصْف ، وَأَنَّ مَا هُوَ حَرَام عِنْد اللَّه تَعَالَى فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ الْمُشْتَبِهَات ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم أَنَّ الْحَلَال مِنْ حَيْثُ الْحُكْم تَبَيَّنَ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَنَاوُله وَكَذَا الْحَرَام بِأَنَّهُ يَضُرُّ تَنَاوُله ، أَيْ : هُمَا بَيِّنَانِ يَعْرِفُ النَّاسُ حُكْمَهُمَا ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ النَّاس حُكْمَ مَا بَيْنهمَا مِنْ الْمُشْتَبِهَات بِأَنَّ تَنَاوُلَهُ يَخْرُج مِنْ الْوَرَع وَيَقْرَب إِلَى تَنَاوُل الْحَرَام ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْله : الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن اِعْتِذَار لِتَرْكِ ذِكْر حُكْمهمَا ( أُمُورًا مُشْتَبِهَات ) بِسَبَبِ تَجَاذُب الْأُصُول الْمَبْنِيّ عَلَيْهَا أَمْر الْحِلّ وَالْحُرْمَة فِيهَا ( وَسَأَضْرِبُ مَثَلًا ) أَيْ : لِإِيضَاحِ تَلِك الْأُمُور ( وَالْحِمَى ) بِكَسْرِ الْحَاء وَالْقَصْر أَرْض يَحْمِيهَا الْمُلُوك وَيَمْنَعُونَ النَّاس عَنْ الدُّخُول فِيهَا ، فَمَنْ دَخَلَهُ أَوْقَعَ بِهِ الْعُقُوبَة ، وَمَنْ اِحْتَاطَ لِنَفْسِهِ لَا يُقَارِب ذَلِكَ الْحِمَى خَوْفًا مِنْ الْوُقُوع فِيهِ ، وَالْمَحَارِم كَذَلِكَ يُعَاقِب اللَّه تَعَالَى عَلَى اِرْتِكَابهَا ، فَمَنْ اِحْتَاطَ لِنَفْسِهِ لَمْ يُقَارِبْهَا بِالْوُقُوعِ فِي الْمُشْتَبِهَات ( يُوشِك ) بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الشِّين ، أَيْ : يَقْرَب ، لِأَنَّهُ يَتَعَاهَد بِهِ التَّسَاهُل وَيَتَمَرَّن عَلَيْهِ وَيَجْسُر عَلَى شُبْهَة أُخْرَى أَغْلَظَ مِنْهَا وَهَكَذَا حَتَّى يَقَع فِي الْحَرَام ، وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .