5 بَاب نَعْتِ الْإِسْلَامِ 4990 أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ ، قَالَ : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . قَالَ : صَدَقْتَ . فَعَجِبْنَا إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ ، قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ ، قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ ، قَالَ : مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْ السَّائِلِ ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا ، قَالَ : أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ . قَالَ عُمَرُ : فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنْ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَام - أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ . . ( قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تَقْدِيمُ السُّؤَالِ عَنِ الْإِيمَانِ ، وَفِي الْأُخْرَى الِابْتِدَاءُ بِالْإِسْلَامِ ، ثُمَّ بِالْإِحْسَانِ ، ثُمَّ بِالْإِيمَانِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي تَأْدِيَتِهَا ؛ فَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ ( فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا عَجِبُوا مِنْهُ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا السَّائِلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِلِقَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِالسَّمَاعِ مِنْهُ ، ثُمَّ هُوَ يَسْأَلُ سُؤَالَ عَارِفٍ بِمَا يَسْأَلُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ تَعَجُّبَ الْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ ( ثُمَّ قَالَ : أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ . قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا يُوهِمُ التَّكْرَارَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ مُضَمَّنٌ مَعْنَى أَنْ تَعْتَرِفَ بِهِ ، وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِـ الْبَاءِ أَيْ : تُصَدِّقَ مُعْتَرِفًا بِذَلِكَ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَيْسَ هُوَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ، بَلْ الْمُرَادُ مِنَ الْمَحْدُودِ الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ ، وَمِنَ الْحَدِّ الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ ( وَمَلَائِكَتِهِ ) الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ( وَكُتُبِهِ ) الْإِيمَانُ بِكُتُبِ اللَّهِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ ، وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ حَقٌّ ( وَرُسُلِهِ ) الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ ( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا ، أَوْ آخِرُ الْأَزْمِنَةِ الْمَحْدُودَةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ بِهِ التَّصْدِيقُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ( قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ ) هُوَ مَصْدَرُ أَحْسَنْتَ كَذَا : إِذَا أَتْقَنْتَهُ ، وَإِحْسَانُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالْخُشُوعُ ، وَفَرَاغُ الْبَالِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا ، وَمُرَاقَبَةُ الْمَعْبُودِ ، وَأَشَارَ فِي الْجَوَابِ إِلَى حَالَتَيْنِ أَرْفَعُهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ بِقَلْبِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِقَلْبِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ : هُوَ يَرَاكَ ، وَالثَّانِيَةُ : أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ ، يَرَى كُلَّ مَا يَعْمَلُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَإِنَّهُ يَرَاكَ . وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ ثَمَرَتُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَخَشْيَتُهُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّكَ إِنَّمَا تُرَاعِي الْآدَابَ الْمَذْكُورَةَ إِذَا كُنْتَ تَرَاهُ يَرَاكَ لِكَوْنِهِ يَرَاكَ ، لَا لِكَوْنِهِ تَرَاهُ ، فَهُوَ دَائِمًا يَرَاك ، فَأَحْسِنْ عِبَادَتَهُ وَإِنْ لَمْ تَرَهُ ، فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَاسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ، وَأَقْدَمَ بَعْضُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَقَالَ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ الْمَحْوِ وَالْفَنَاءِ ، وَتَقْدِيرُهُ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَيْ : فَإِنْ لَمْ تَصِرْ شَيْئًا وَفَنِيتَ عَنْ نَفْسِكَ حَتَّى كَأَنَّكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ ، فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَرَاهُ ، وَغَفَلَ قَائِلُ هَذَا لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ عَنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا زَعَمَ ، لَكَانَ قَوْلُهُ : تَرَاهُ مَحْذُوفَ الْأَلِفِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَجْزُومًا ؛ لِكَوْنِهِ عَلَى زَعْمِهِ جَوَابَ الشَّرْطِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ ، وَإِثْبَاتُهَا فِي الْفِعْلِ الْمَجْزُومِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ ؛ إِذْ لَا ضَرُورَةَ هُنَا ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ صَحِيحًا ، لَكَانَ قَوْلُهُ : فَإِنَّهُ يَرَاكَ ضَائِعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ ، وَمِمَّا يُفْسِدُ تَأْوِيلَهُ رِوَايَةُ : فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ، فَسَلَّطَ النَّفْيَ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْكَوْنِ الَّذِي حَمَلَ عَلَى ارْتِكَابِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ ( قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ ) أَيْ : مَتَى تَقُومُ؟ ( قَالَ : مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ : لَسْتُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْكَ إِلَى لَفْظٍ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ تَعْرِيضًا لِلسَّامِعِينَ ، أَيْ : أَنَّ كُلَّ مَسْئُولٍ وَكُلَّ سَائِلٍ فَهُوَ كَذَلِكَ ( أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ اتِّسَاعُ الْإِسْلَامِ ، وَاسْتِيلَاءُ أَهْلِهِ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ ، وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ ، فَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَاسْتَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ رَبِّهَا ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ سَيِّدِهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : لَكِنْ فِي قَوْلِهِ الْمُرَادِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ اسْتِيلَادَ الْإِمَاءِ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْمُقَابَلَةِ ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ ، وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ ، وَاِتِّخَاذُهُمْ سَرَارِيَّ كَانَ أَكْثَرُهُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي الْإِشَارَةَ إِلَى وُقُوعِ مَا لَمْ يَقَعْ مِمَّا سَيَقَعُ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَنْ تَبِيعَ السَّادَةُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ ، فَيَتَدَاوَلَ الْمُلَّاكُ الْمُسْتَوْلَدَةَ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا ، وَعَلَى هَذَا الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَشْرَاطِ غَلَبَةُ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يَكْثُرَ الْعُقُوقُ فِي الْأَوْلَادِ ، فَيُعَامِلَ الْوَلَدُ أُمَّهُ مُعَامَلَةَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ مِنَ الْإِهَانَةِ بِالسَّبِّ وَالضَّرْبِ وَالِاسْتِخْدَامِ ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ رَبُّهَا مَجَازًا لِذَلِكَ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمُرَبِّي فَيَكُونُ حَقِيقَةً . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْجَهُ عِنْدِي لِعُمُومِهِ وَتَحْصِيلِهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ السَّاعَةَ يَقْرُبُ قِيَامُهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأُمُورِ ، بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُرْبَى مُرْبِيًا ، وَالسَّافِلُ عَالِيًا ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ فِي الْعَلَامَةِ الْأُخْرَى : أَنْ يَصِيرَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ مُلُوكَ الْأَرْضِ ( الْعَالَةُ ) أَيِ الْفُقَرَاءُ ( رِعَاءُ الشَّاءِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الرِّعَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ جَمْعُ رَاعِي الْغَنَمِ ، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى رُعَاةٍ بِالضَّمِّ ، ( قَالَ عُمَرُ : فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ التَّصْحِيفَ ، وَأَنَّهَا فَلَبِثْتُ مَلِيًّا صَغُرَتْ مِيمُهَا فَأَشْبَهَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهَا تُكْتَبُ بِلَا أَلِفٍ ، قَالَ : هَذِهِ الدَّعْوَى مَرْدُودَةٌ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ : فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ، فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَلِابْنِ حِبَّانَ : بَعْدَ ثَلَاثَةٍ ، وَلِابْنِ مَنْدَهْ : بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .
الشروح
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطيباب نَعْتِ الْإِسْلَامِ · ص 98 سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي - حاشية السنديبَاب نَعْتِ الْإِسْلَامِ · ص 97 5 بَاب نَعْتِ الْإِسْلَامِ 4990 أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ ، قَالَ : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . قَالَ : صَدَقْتَ . فَعَجِبْنَا إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ ، قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ ، قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ ، قَالَ : مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْ السَّائِلِ ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا ، قَالَ : أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ . قَالَ عُمَرُ : فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنْ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَام - أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ . قَوْله : ( ووَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فخِذَيْهِ ) أَيْ : فخِذَيْ نَفْسه جَالِسًا عَلَى هَيْئَة الْمُتَعَلِّم ، كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ ، واخْتَارَهُ التُّورْبَشْتِيُّ بِأَنَّهُ أَقْرَب إِلَى التَّوْقِير وأَشْبَهَ بِسَمْتِ ذَوِي الْأَدَب ، أو فخِذَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وغَيْره ، ويُؤَيِّدهُ الْمُوَافَقَة لِقَوْلِهِ : فأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ . ورَجَّحَهُ اِبْن حَجَر بِأَنَّ في رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ : ثم وضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ : والظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَة في تَعْمِيَة أَمْره لَيُقَوِّي الظَّنّ أَنَّهُ مِنْ جُفَاة الْأَعْرَاب . قلت : وهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ هُوَ رِوَايَة الْمُصَنِّف في حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وأَبِي ذَرّ ، والْوَاقِعَة مُتَّحِدَة ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ( يَا مُحَمَّد ) كَرَاهَة النِّدَاء بِاسْمِهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَقّ النَّاس لَا في حَقّ الْمَلَائِكَة ، فلَا إِشْكَال في نِدَاء جِبْرِيل بِذَلِكَ ، عَلَى أَنَّ التَّعْمِيَة كَانَتْ مَطْلُوبَة. ( أَنْ تَشْهَد .. إِلَخْ ) حَاصِله أَنَّ الْإِسْلَام هُوَ الْأَرْكَان الْخَمْسَة الظَّاهِرِيَّة. ( يَسْأَلهُ ) والسُّؤَال يَقْتَضِي الْجَهْل بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ. ( ويُصَدِّقهُ ) والتَّصْدِيق هُوَ الْخَبَر بِأَنَّ هَذَا مُطَابِق لِلْوَاقِعِ ، وهَذَا فرْع مَعْرِفَة الْوَاقِع والْعِلْم بِهِ ؛ لِيَعْرِف مُطَابَقَة هَذَا لَهُ. ( أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ ) أَيْ تُصَدِّق ، فالْمُرَاد بِهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيّ والْإِيمَان الْمَسْئُول عَنْهُ الشَّرْعِيّ ، فلَا دُور ، وفِي هَذَا التَّفْسِير إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْفَرْق بَيْن الْإِيمَان الشَّرْعِيّ واللُّغَوِيّ بِخُصُوصِ الْمُتَعَلِّق في الشَّرْعِيّ ، وحَاصِل الْجَوَاب أَنَّ الْإِيمَان هُوَ الِاعْتِقَاد الْبَاطِنِيّ. ( عَنْ الْإِحْسَان ) أَيْ : الْإِحْسَان في الْعِبَادَة ، أو الْإِحْسَان الَّذِي حَثّ اللَّه تَعَالَى عِبَاده عَلَى تَحْصِيله في كِتَابه بِقَوْلِهِ : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . ( كَأَنَّك تَرَاهُ ) صِفَة مَصْدَر مَحْذُوف ، أَيْ : عِبَادَة كَأَنَّك فيهَا تَرَاهُ ، أو حَال ، أَيْ : والْحَال كَأَنَّك تَرَاهُ ، ولَيْسَ الْمَقْصُود عَلَى تَقْدِير الْحَالِيَّة أَنْ يَنْتَظِر بِالْعِبَادَةِ تِلْكَ الْحَال ، فلَا يُعِيد قَبْل تِلْكَ الْحَال ، بل الْمَقْصُود تَحْصِيل تِلْكَ الْحَال في الْعِبَادَة ، والْحَاصِل أَنَّ الْإِحْسَان هُوَ مُرَاعَاة الْخُشُوع والْخُضُوع ، ومَا في مَعْنَاهُمَا في الْعِبَادَة عَلَى وجْه رَاعَاهُ لَوْ كَانَ رَائِيًا ، ولَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَائِيًا حَال الْعِبَادَة لَمَا تَرَكَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْخُشُوع وغَيْره ، ولَا مَنْشَأ لِتِلْكَ الْمُرَاعَاة حَال كَوْنه رَائِيًا إِلَّا كَوْنه تَعَالَى رَقِيبًا عَالِمًا مُطَّلِعًا عَلَى حَاله ، وهَذَا مَوْجُود وإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَبْد يَرَاهُ تَعَالَى ، ولِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَعْلِيله : ( فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإِنَّهُ يَرَاك ) أَيْ : وهُوَ يَكْفِي في مُرَاعَاة الْخُشُوع بِذَلِكَ الْوَجْه ، فإِنْ عَلَى هَذَا وصْلِيَّة لَا شَرْطِيَّة ، والْكَلَام بِمَنْزِلَةٍ : فإِنَّك وإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإِنَّهُ يَرَاك ، فلْيُفْهَمْ. ( مَا الْمَسْئُول عَنْهَا .. إِلَخْ ) أَيْ : هُمَا مُتَسَاوِيَانِ في عَدَم الْعِلْم. ( أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ) أَيْ : أَنْ تَحْكُم الْبِنْت عَلَى الْأُمّ مِنْ كَثْرَة الْعُقُوق حُكْم السَّيِّدَة عَلَى أُمّهَا ، ولَمَّا كَانَ الْعُقُوق في النِّسَاء أَكْثَر خُصَّتْ الْبِنْت والْأَمَة بِالذِّكْرِ ، وقَدْ ذَكَرُوا وجُوهًا أُخَر في مَعْنَاهُ. قَوْله : ( وأَنْ تَرَى الْحُفَاة الْعُرَاة ) كُلّ مِنْهُمَا بِضَمِّ الْأَوَّل. ( الْعَالَة ) جَمْع عَائِل بِمَعْنَى الْفَقِير. ( رِعَاء الشَّاء ) كُلّ مِنْهُمَا بِالْمَدِّ ، والْأَوَّل بِكَسْرِ الرَّاء ، والْمُرَاد الْأَعْرَاب وأَصْحَاب الْبَوَادِي. ( يَتَطَاوَلُونَ ) بِكَثْرَةِ الْأَمْوَال. ( فلَبِثْت ثَلَاثًا ) أَيْ : ثَلَاث لَيَالِي ، وقَدْ جَاءَ هَذَا في رِوَايَات كَثِيرَة ، وهُوَ بَيَان لِقَوْلِهِ : فلَبِثْت مَلِيًّا ، أَيْ : زَمَانًا طَوِيلًا ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .