وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي
من اسمه وكيع
5028 - (ع) وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي ، أبو سفيان الكوفي الأعور .
ذكر المزي وفاته سنة سبع وتسعين من عند جماعة ، ثم قال : زاد ابن سعد : بفيد منصرفا من الحج . انتهى ، أغفل من كتاب ابن سعد - إن كان رآه - وذكره في الطبقة السابعة : كانت وفاته في المحرم في خلافة محمد بن هارون .
وزعم أيضا أن ابن فضيل ، وأبا حسان ، وأبا زرعة ، وخليفة قالوا : مات سنة ست [ق213/أ] وتسعين ومائة ، وأن خليفة قال : ولد سنة ثمان وعشرين ومائة ، انتهى كلامه . وهو غير جيد ؛ لأن الذي ذكره خليفة بن خياط في الطبقة التاسعة من كتاب الطبقات ، وكتاب التاريخ الذي على السنين : مات وكيع بن الجراح سنة سبع ، لم يذكر شيئا فيهما ، ولا تاريخ مولده ، فينظر .
وفي قوله : عن الأثرم عن أحمد بن حنبل : حج وكيع سنة ست وتسعين ، ومات في الطريق ، وكذلك قال الغلابي عن أبيه – نظر ؛ إذ يفهم منه أن الغلابي قال كقول أحمد ، وليس كذلك ، إنما رواه عن أحمد بن حنبل كما رواه الأثرم ، بين ذلك : الكلاباذي ، وغيره .
وفي رواية مسلم عن أحمد : مات في أول سنة سبع أو في آخر سنة ثمان .
وفي رواية الأثرم أيضا : وله ست وستون سنة .
وذكر مولده من عند أبي نعيم ، ولم يذكر وفاته من عنده لما عدد ذاكري وفاته ، وهي ثابتة في تاريخه ، ورواها أيضا عنه الأئمة سنة ست وتسعين .
وذكر المزي من عند العجلي لفظا ، وأغفل منه : وكيع ، وأبو نعيم ، والأشجعي ، والقطان ، وابن مهدي ، والحفري : أثبت في حديث سفيان من الفريابي وأصحابه .
وفي قوله : قال ابن سعد ، وأبو هشام ، وابن المديني ، وابن نمير : مات سنة سبع وتسعين ، زاد ابن سعد : بفيد ، وزاد أبو هشام : يوم عاشوراء - نظر ؛ لأن أبا هشام الرفاعي نص على فيد كما ذكره ابن سعد ، قال أبو هشام – فيما ذكره أبو الوليد في كتاب الجرح والتعديل وغيره – وسأله أحمد بن علي : متى مات وكيع ؟ قال : سنة سبع وتسعين ومائة يوم عاشوراء ، ودفن بفيد ، ومات ابن عيينة بعده .
وقال الهيثم بن عدي في الطبقة السادسة : توفي زمن هارون أمير المؤمنين .
وقال ابن حبان في الثقات : أمه : بنت عمارة بن شداد بن ثور الرؤاسية ، وكان حافظا متقنا ، سمعت محمد بن أحمد بن أبي عون يقول : سمعت فياض بن زهير يقول : ما رأينا بيد وكيع كتابا قط ، كان يقرأ كتبه من حفظه .
وفي «سؤالات الآجري » : سألت أبا داود : أيما أثبت : وكيع ، أو ابن أبي زائدة ؟ قال : وكيع أثبت ، وسألته عن سماع وكيع فقال : بعد الهزيمة ، وسمعت صالحا الخندقي ، قال : سمعت وكيعا قال : كنا ندخل على سعيد فنسمع ، فما كان من صحيح حديثه أخذناه ، وما لم يكن صحيحا طرحناه ، وسمعت أبا داود يقول : قال ابن جريج : لوكيع باكرت العلم ، وكان لوكيع ثمان عشرة سنة ، وسمع من ابن جريج بالكوفة .
وسئل أبو داود : أيما أحفظ وكيع أو عبد الرحمن ؟ فقال : وكيع ، وعبد الرحمن أقل وهما ، وكان أتقن ، قال أبو داود : التقى وكيع وعبد الرحمن في المسجد الحرام ، فتوافقا حتى جاء أذان الصبح .
وقال علي لوكيع بعبادان : منصور عن إبراهيم في الخمرة للمضطر ؟ فقال : اجعل مكان منصور بردا ، ومكان إبراهيم مكحولا ، لم نخرف بعد .
وقال أبو داود : ما رئي لوكيع قط كتاب ، ولا لهشيم ، ولا لحماد ولا لمعمر .
قال أبو داود : كان ابن المبارك نافر وكيعا قبل أن يموت بعشرين سنة ، فكان لا يكلمه ، قلت : حدث عنه ؟ قال : لا .
وقال أبو أحمد بن حنبل : ما كتبت عن أحد ما كتبت عن وكيع .
قلت لأبي داود : كان وكيع يقول في حديث بريرة : حجرا ، ثم قال : حجيرا .
قال أبو داود : وسمعت أحمد بن حنبل يقول هذا .
قال أبو داود : ما رئي لوكيع كتاب قط ، وأملى عليهم حديث سفيان عن الشيوخ ، ثم قال : لا عدت إلى هذا المجلس أبدا .
وأظن حدثني الحسن بن عيسى قال : قال لي وكيع : ما صنفت حديثا قط .
قال أبو داود : وكان وكيع لا يحدث عن هشيم ؛ لأنه كان يخالط السلطان ، ولا يحدث عن إبراهيم بن سعد ، وضرب على حديث [ابن أبي عبلة] .
قال أبو داود : قال عبد الرزاق : شكا إلي سفيان بن عيينة ، وقال : ترك حديثي ، قال أبو داود : وكان أبوه على بيت المال ، فكان إذا روى عنه قال : حدثنا أبي وسفيان ، أبي وإسرائيل ، وما أقل ما أفرده !.
وفي «تاريخ بغداد» : قال وكيع : جئت إلى الأعمش ، فقال لي : ما اسمك ؟ قلت : وكيع ، قال [ق215/أ] : اسم نبيل ، ما أحسب إلا يكون لك نبأ ، أين تنزل من الكوفة ؟ قلت : في بني رؤاس ، قال : أين من منزل الجراح بن مليح ، قال : قلت : ذاك أبي ، وكان أبي على بيت المال ، فقال : اذهب فجئني بعطائي وأحدثك بخمسة أحاديث ، فكان كل شهر أجيء له بعطائه ويحدثني خمسة أحاديث ، وجاء رجل إلى وكيع مرة فقال : إني أمت إليك بحرمة ، فقال : وما هي ؟ قال : كنت تكتب من محبرتي في مجلس الأعمش ، فوثب وكيع وجاءه بصرة فيها دنانير ، وقال : اعذرني فإني لا أملك غيرها .
وقال يحيى بن معين : رأيت عند مروان بن معاوية لوحا فيه أسماء شيوخ : فلان رافضي ، وفلان كذا ، وفلان كذا ، ووكيع رافضي ، قال يحيى : فقلت له : وكيع خير منك ، قال : مني ؟ قلت : نعم ، قال : فما قال لي شيئا . ولو قال شيئا لوثب أصحاب الحديث عليه .
وقال يحيى بن أكثم : صحبت وكيعا في السفر والحضر ، فكان يصوم الدهر ، ويختم القرآن كل ليلة ،
وقال ابنه سفيان : كان أبي يصوم الدهر ، فكان يبكر فيجلس لأصحاب الحديث إلى ارتفاع النهار ، ثم يقيل إلى صلاة الظهر ، فإذا صلى الظهر قصد طريق المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا يريحون
نواضحهم ، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر ، ثم يرجع إلى مسجده فيصلي ، ثم يجلس فيدرس القرآن ، ويذكر الله عز وجل إلى آخر النهار ، ثم يدخل منزله فيقدم له إفطاره ، وكان يفطر على نحو عشرة أرطال طعام ، ثم يقدم له برادة فيها نحو عشرة أرطال نبيذ فيشرب منها ما طاب له على طعامه ، ثم يجعلها بين يديه ويقوم فيصلي ورده ، وكلما صلى ركعتين أو أكثر من شفع أو وتر شرب منها حتى ينفذها ثم ينام .
وقال نعيم بن حماد : تعشينا - أو قال تغدينا - عند وكيع ، فقال : إيش تريدون أجيئكم : نبيذ الشيوخ ، أو نبيذ الفتيان ؟ قال : فقلت له : أنت تتكلم بهذا ؟! فقال : هو عندي أحل من ماء الفرات ، فقلت له : ماء الفرات لم يختلف فيه ، وقد اختلف في هذا .
وقال يحيى : أخذ وكيع يقرأ كتاب [ق215/ب] الزهد ، فلما بلغ حديثا منه ترك الكتاب ، ثم قام فلم يحدث ، فلما كان الغد فعل كذلك ثلاثة أيام ، قيل ليحيى : أي حديث هو ؟ قال : قوله - صلى الله عليه وسلم - : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " ،
قال يحيى : رأيت ستة أو سبعة يحدثون ديانة ، منهم وكيع ، ووكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه .
ولما ذكره ابن راهويه وحفْظَه ، قال : كان حفظه طبيعيا ، وحفظنا تكلف .
وقال ابن المديني : جاء رجل إلى ابن مهدي فجعل يعرض بوكيع ، وكان بين عبد الرحمن وبين وكيع ما يكون من الناس ، فقال ابن مهدي للرجل : قم عنا ، بلغ من الأمر أنك تعرض بشيخنا ، وكيع شيخنا وكبيرنا ومن حملنا عنه العلم .
وذكر المزي عن أبي موسى وحده وفاته سنة ثمان ، وقد قاله أيضا أبو إسحاق الحربي ، قال : أخذه البطن ، فما زال به إلى فيد فكان ينزل في كل منزل مرارا ، مات بفيد ، ودفن في الجبل آخر القبور ، سنة ثمان وتسعين ومائة في آخرها ، وثم قبر عبد الرحمن بن إسحاق القاضي .
وفي كتاب المزي – بخط المهندس وضبطه - : قالوا لحماد : يا أبا إسماعيل ، هذا رواية سفيان ، وهو غير جيد ، والصواب الذي ذكره الخطيب الذي نقله فيما أرى من عنده : راوية سفيان .
وفي كتاب «الكفاية» لأبي بكر الخطيب عن علي بن المديني : كان وكيع يلحن ، ولو حدثت عنه بألفاظه لكان عجبا ، كان يقول : ثنا مسعر عن عيشه .
وفي «ربيع الأبرار» : كان وكيع يقول : ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة ، ولا سمعت حديثا قط فنسيته ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأني لم أسمع شيئا إلا عملت به .
وفي «تاريخ المنتجيلي » : كوفي ثقة ،
قال عبد الله بن صالح : كان يحفظ نيفا وعشرين ألف حديث ، وكان متعبدا ، له فقه وأدب ، وكان إذا اشتهى الشيء لم يقل : اشتروا لي ، يقول لابنه أحمد : كيف يباع العنب اليوم ؟ كيف تباع الرطب ؟ فيشترونه له ، وكان إذا أراد الجماع لم يدع أهله ، بل يلبس ثياب الجماع فتأتيه زوجه ، وكان إذا أراد الوضوء لبس ثياب الوضوء ، فيضعون له وضوءه ، قال يزيد بن هارون : إنما أعانه على ذلك [ق216/أ] اليسار ، ولو كان مقلا وقال : اشتروا لي كذا وكذا لما فعلوا .
وعن وكيع : طلبت العلم في معدنه أربعين سنة ولي ألف رجل .
وكان أحمد بن حنبل يفضله ، وكانت أخلاقه حسنة ، وكان ناسكا أديبا صاحب سنة ، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء ، وعن وكيع قال : بعث إلي هارون بن محمد ، فأرادني على تولية القضاء ، قال : فقلت : إنما عيني هذه الضريرة ، فأمير المؤمنين مبصر ضررها ، وأما هذه وأشرت بأنملتي إليها أيضا فوالله ما أبصر بها شيئا .
وقال عبد الله بن صالح : كان وكيع يستحفظ كل يوم ثلاثة أحاديث ، ولما جاء نعيه إلى يحيى بن آدم ، قال : ما أرى وكيعا أخذ من الناس إلا لأمر قد قرب منهم ،
وقال حسين أخو زيد : إن كنت مع وكيع حتى مات ، فقال لي : أنا في
السوق ، ولكني أقطع بنفسي مخافة أن يغتم ابني أحمد ، ثم قال : يا أحمد ، بقي علينا من السنة باب لم ندخل فيه ، أخضبني .
وقال ابن معين : كان وكيع لا يجلس ولا يحدث إلا ووجهه إلى القبلة ، وكان يقول : من لم يدرك التكبيرة الأولى لا يرج خيره ، وأجازه هارون بألف مثقال فأبى أن يقبلها ، وكان له أربعة من الولد : مليح : وكان رجلا صالحا ، وأحمد : وهو أفضل ولده ، وسفيان ، وعبيد : رجل صالح ، ولم يرو شيئا .
وقال وكيع : أدركت الأعمش ، وذكر جماعة يشربون النبيذ ، ولا يحرمه إلا صاحب هوى شيعي .
وفي «علل» عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : وكيع لم يسمع من ابن المسيب ، ولا من عبيد الله بن عمر شيئا ، زاد عبد الله : ولم يدركه ، قال أبي : ولم يسمع من عثمان بن الأسود شيئا .
وقال يعقوب بن سفيان : كان خيرا فاضلا حافظا .