حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة

مقدمة

﴿بسم الله الرحمن الرحيم رب زدني علما وفهما يا كريم يا حكيم الحمد لله على إحسانه المترادف المتوال ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الكبير المتعال ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي أضاءت أوصافه الحسنى إضاءة اللآل ، صلى الله وسلم عليه ، وعلى آله وأصحابه أولي الهمم العوال ، صلاة وسلاما دائمين ما دامت الأيام والليال . أما بعد : فقد وقفت على مصنف للحافظ أبي عبد الله محمد بن علي بن حمزة الحسيني الدمشقي ، سماه التذكرة برجال العشرة ضم إلى من في تهذيب الكمال لشيخه المزي من في الكتب الأربعة ؛ وهي الموطأ ، ومسند الشافعي ، ومسند أحمد ، والمسند الذي خرجه الحسين بن محمد بن خسرو من حديث الإمام أبي حنيفة ، وحذا حذو الذهبي في الكاشف في الاقتصار على من في الكتب الستة دون من أخرج لهم في تصانيف لمصنفيها خارجة عن ذلك كالأدب المفرد للبخاري ، و المراسيل لأبي داود و الشمائل للترمذي ، فلزم من ذلك أن ينسب من أخرج له الترمذي والنسائي مثلا إلى من أخرج له في بعض المسانيد المذكورة ، وهو صنيع سواه أولى منه ؛ فإن النفوس تركن إلى من أخرج [ له ] بعض الأئمة الستة أكثر من غيرهم ؛ لجلالتهم في النفوس وشهرتهم ؛ ولأن أصل وضع التصنيف للحديث على الأبواب أن يقتصر فيه على ما يصلح للاحتجاج أو الاستشهاد ، بخلاف من رتب على المسانيد ، فإن أصل وضعه مطلق الجمع . وجعل الحسيني علامة مالك ( ك ) وعلامة الشافعي ( فع ) وعلامة أبي حنيفة ( فه ) وعلامة أحمد أ ، ولمن أخرج له عبد الله بن أحمد عن غير أبيه ( عب ) ورموز الستة على حالها .

وكنت قد لخصت تهذيب الكمال وزدت عليه فوائد كثيرة ، وسميته تهذيب التهذيب ، وجاء نحو ثلث الأصل ، ثم لخصته في تصنيف لطيف سميته التقريب ، وهو مجلد واحد يحتوي على جميع من ذكر في التهذيب مع زيادات في التراجم ، فالتقطت الآن من كتاب الحسيني من لم يترجم له المزي في التهذيب ، وجعلت رموز الأربعة على ما اختاره الشريف ، ثم عثرت في أثناء كلامه على أوهام صعبة فتعقبتها ، ثم وقفت على تصنيف له أفرد فيه رجال أحمد سماه الإكمال بمن في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال ، فتتبعت ما فيه من فائدة زائدة على التذكرة ، ثم وقفت على جزء لشيخنا الحافظ نور الدين الهيثمي ، استدرك فيه ما فات الحسيني من رجال أحمد ، لقطه من المسند لما كان يكتب زوائد أحاديثه على الكتب الستة ، وهو جزء لطيف جدا ، وعثرت فيه مع ذلك على أوهام ، وقد جعلت على من تفرد به هـ . ثم وقفت على تصنيف للإمام أبي زرعة ابن شيخنا حافظ العصر أبي الفضل بن الحسين العراقي ، سماه ذيل الكاشف تتبع الأسماء التي في تهذيب الكمال ممن أهمله الكاشف ، وضم إليه من ذكره الحسيني من رجال أحمد ، وبعض من استدركه الهيثمي ، وصير ذلك كتابا واحدا ، واختصر التراجم فيه على طريقة الذهبي ، فاعتبرته فوجدته قلد الحسيني والهيثمي في أوهامهما ، وأضاف إلى أوهامهما من قبله أوهاما أخرى . وقد تعقبت جميع ذلك مبينا محررا ، مع أني لا أدعي العصمة من الخطأ والسهو ، بل أوضحت ما ظهر لي ، فليوضح من يقف على كلامي ما ظهر له ، فما القصد إلا بيان الصواب طلبا للثواب .

ثم قال الحسيني في خطبة التذكرة مرغبا في كتابه : ذكرت رجال الأئمة الأربعة المقتدى بهم ؛ لأن عمدتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه في مسانيدهم بأسانيدهم ، فإن الموطأ لمالك هو مذهبه الذي يدين الله به أتباعه ويقلدونه ، مع أنه لم يرو فيه إلا الصحيح عنده ، وكذلك مسند الشافعي موضوع لأدلته على ما صح عنده من مروياته ، وكذلك مسند أبي حنيفة ، وأما مسند أحمد فإنه أعم من ذلك كله وأشمل . انتهى كلامه . وفيه مناقشات : الأولى : ليس الأمر عند المالكية كما ذكر ، بل اعتمادهم في الأحكام والفتوى على ما رواه ابن القاسم عن مالك ، سواء وافق ما في الموطأ أم لا ، وقد جمع بعض المغاربة كتابا فيما خالف فيه المالكية نصوص الموطأ ، كالرفع عند الركوع والاعتدال .

الثانية : قوله : إن مالكا لم يخرج في كتابه إلا ما صح عنده في مقام المنع ، وبيان ذلك يعرفه من أمعن النظر في كتابه . الثالثة : ما نسبه لمسند الشافعي ليس الأمر فيه كذلك ، بل الأحاديث المذكورة فيه منها ما يستدل به لمذهبه ، ومنها ما يورده مستدلا لغيره ويوهيه ، ثم إن الشافعي لم يعمل هذا المسند ، وإنما التقطه بعض النيسابوريين من الأم وغيرها من مسموعات أبي العباس الأصم ، التي كان انفرد بروايتها عن الربيع ، وبقي من حديث الشافعي شيء كثير لم يقع في هذا المسند ، ويكفي في الدلالة على ذلك قول إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة : إنه لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة لم يودعها الشافعي كتابه ، وكم من سنة وردت عنه صلى الله عليه وسلم لا توجد في هذا المسند ، ولم يرتب الذي جمع أحاديث الشافعي أحاديثه المذكورة لا على المسانيد ولا على الأبواب ، وهو قصور شديد ، فإنه اكتفى بالتقاطها من كتب الأم وغيرها كيف ما اتفق ؛ ولذلك وقع فيها تكرار في كثير من المواضع . ومن أراد الوقوف على حديث الشافعي مستوعبا ، فعليه بكتاب معرفة السنن والآثار للبيهقي ، فإنه تتبع ذلك أتم تتبع فلم يترك له في تصانيفه القديمة والجديدة حديثا إلا ذكره وأورده مرتبا على أبواب الأحكام ، فلو كان الحسيني اعتبر ما فيه لكان أولى .

الرابعة : قوله : وكذلك مسند أبي حنيفة يوهم أنه جمع أبي حنيفة وليس كذلك ، والموجود من حديث أبي حنيفة مفردا إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه ، ويوجد في تصانيف محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة أشياء أخرى ، وقد اعتنى الحافظ أبو محمد الحارثي وكان بعد الثلاث مائة بحديث أبي حنيفة ، فجمعه في مجلدة ، ورتبه على شيوخ أبي حنيفة ، وكذلك خرج المرفوع منه الحافظ أبو بكر بن المقرئ ، وتصنيفه أصغر من تصنف الحارثي ، ونظيره مسند أبي حنيفة للحافظ أبي الحسين بن المظفر ، وأما الذي اعتمد الحسيني على تخريج رجاله فهو ابن خسرو - كما قدمت - وهو متأخر ، وفي كتابه زيادات على ما في كتاب الحارثي وابن المقرئ . الخامسة : قوله : وأما مسند أحمد إلى آخره ، فكأنه أراد أنه أكثر هذه الكتب حديثا ، وهو كذلك ، لكن فيه عدة أحاديث ورجال ليسوا في مسند أحمد ، ففي التعبير بأعم نظر ، ومسند أحمد ادعى قوم فيه الصحة ، وكذلك في شيوخه ، وصنف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفا ، والحق أن أحاديثه غالبها جياد ، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات ، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد ، أخرجها ثم صار يضرب عليها شيئا فشيئا ، وبقي منها بعده بقية ، وقد ادعى قوم أن فيه أحاديث موضوعة . وتتبع شيخنا إمام الحفاظ أبو الفضل من كلام ابن الجوزي في الموضوعات تسعة أحاديث أخرجها من المسند وحكم عليها بالوضع ، وكنت قرأت ذلك الجزء عليه ، ثم تتبعت بعده من كلام ابن الجوزي في الموضوعات ما يلتحق به ، فكملت نحو العشرين ، ثم تعقبت كلام ابن الجوزي فيها حديثا حديثا ، وظهر من ذلك أن غالبها جياد ، وأنه لا يتأتى القطع بالوضع في شيء منها ، بل ولا الحكم بكون واحد منها موضوعا إلا الفرد النادر ، مع الاحتمال القوي في دفع ذلك ، وسميته القول المسدد في الذب عن مسند أحمد وإنما حدا بي على هذا التلخيص أن إعادة ما كتب وشاع واشتهر يستلزم التشاغل بغير ما هو أولى ، وكتابة ما لم يشتهر ربما كان أعود منفعة وأحرى ، ورجال الكتب الستة قد جمعوا في عدة تصانيف ، كرجال الصحيحين لأبي الفضل محمد بن طاهر ، ومن قبله للحاكم ، ورجال البخاري لأبي نصر الكلاباذي ، ثم لأبي الوليد الباجي ، ورجال مسلم لأبي بكر بن منجويه ، ورجال الصحيحين وأبي داود والترمذي لبعض المغاربة سماه الزهرة .

ويذكر عدة ما لكل منهم عند من أخرج له ، وأظنه اقتصر فيه على شيوخهم ، ورجال أبي داود لأبي علي الغساني ، وكذا رجال النسائي ، ثم جمع الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رجال البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في كتابه الكمال ، وكان سبب ذلك أن ابن طاهر عمل أطراف هذه الكتب الستة ، فأراد عبد الغني أن يفرد رجالها بالذكر ، وهو الذي هذبه المزي وسماه تهذيب الكمال ثم اختصره الذهبي في تذهيب التهذيب ثم اختصره في الكاشف ، واشتهرت هذه الكتب قديما وحديثا . وإنما حدا بي على عمل تهذيب التهذيب ، أن العلامة شيخ شيوخنا علاء الدين مغلطاي وضع عليه كتابا سماه إكمال تهذيب الكمال تتبع فيه ما فاته من رواة الشخص الذي يترجم له ومن شيوخه ، ومن الكلام فيه من مدح وقدح ، وما ظهر له مما يرد على المزي من تعقب ، وجاء كتابا كبيرا يقرب حجمه من حجم التهذيب ، وقفت عليه بخطه وفيه له أوهام كثيرة ، وقد اختصره هو في قدر نصف حجمه ، ثم اقتصر منه على التعقبات في مجلد واحد ، فعمدت أنا إلى التهذيب فلخصته بأن حذفت منه الأحاديث التي يسوقها المزي بأسانيده من رواية ذلك الشخص المترجم ، فإن ذلك بالمعاجم والمشيخات أشبه ، وكذلك ما يورده من مناقب الصحابة والأئمة ، ومن سير الملوك والأمراء في تراجمهم ؛ لأن لذلك محلا آخر ، وموضوع الكتاب إنما هو لبيان حال الشخص المترجم من جرح أو تعديل ، فاقتصرت على ما في كتابه من ذلك ، وأضفت إليه ما في كتاب مغلطاي من هذا الغرض ، متجنبا ما ظهر لي أنه وهم فيه غالبا ، وميزت كلام المزي مما زدته عليه من عند مغلطاي ، ثم تتبعت بمبلغ نظري وتفتيشي على ما يتعلق بهذا الغرض بعينه ، فألحقت في كل ترجمة ما عثرت عليه من ذلك ، فلما رأيت كتاب الحسيني أحببت أن ألتقط منه ما زاد لينتفع به من أراد معرفة حال ذلك الشخص ؛ فلذلك اقتصرت على رجال الأربعة وسميته تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة . وعزمي أني أتتبع ما في كتاب الغرائب عن مالك الذي جمعه الدارقطني ، فإن فيه من الأحاديث مما ليس في الموطأ شيئا كثيرا ، ومن الرواة كذلك ، ثم أتتبع ما في معرفة السنن والآثار للبيهقي من الرجال الذين وقع ذكرهم في روايات الشافعي مما ليس في المسند ، ثم أتتبع ما في كتاب الزهد لأحمد ، فألتقط منه ما فيه من الرجال مما ليس في المسند ، فإنه كتاب كبير ، يكون في قدر ثلث المسند مع كبر المسند ، وفيه من الأحاديث والآثار مما ليس في المسند شيء كثير ، ثم أتتبع ما في كتاب الآثار لمحمد بن الحسن ، فإنني أفردته بالتصنيف لسؤال سائل من حذاق أهل العلم الحنفية ، سألني في إفراده فأجبته وتتبعته ، واستوعبت الأسماء التي فيه ، فمن كان في التهذيب اقتصرت على اسمه فقط وقلت : هو في التهذيب ، ومن زاد عليه ذكرت ما وقفت عليه من حاله ملخصا ، وبانضمام هذه المذكورات يصير تعجيل المنفعة إذا انضم إلى رجال التهذيب حاويا إن شاء الله تعالى لغالب رواة الحديث في القرون الفاضلة إلى رأس الثلاث مائة .

وقد كنت أفردت الأوهام التي وقعت للحسيني ، وتبعه عليها ابن شيخنا في جزء مفرد ، كتب عني بعضه العلامة شيخ القراء شمس الدين الجزري ، لما قدم القاهرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة ، وأعجله السفر عن تكملته ، وبلغني أنه ضمه إلى شيء جمعه فيما يتعلق بالمسند الأحمدي ، فلما وقفت على إكمال الحسيني عزوت الوهم إليه ، فإن تفرد به ابن شيخنا أو شيخنا الهيثمي بينته ، فأقول عقب كل ترجمة عثرت فيها على شيء من ذلك : قلت ، فما بعد قلت فهو كلامي ، وكذا أصنع فيما أزيده من الفوائد من جرح أو تعديل ، أو ما يتعلق بترجمة ذلك الشخص غالبا ، وبالله أستعين فيما قصدت ، وعليه أتوكل فيما اعتمدت ، لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب ، وإياه أسأل أن ينفع به كاتبه وجامعه وناظره وسامعه إنه قريب مجيب .

موقع حَـدِيث