حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الثقات

ذكر الحث على لزوم سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم

﴿بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي : الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيتوى ، ولا له أجل معدود فيفنى ، ولا يحيط به جوامع المكان ، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان ، ولا يدرك نعمته بالشواهد والحواس ، ولا يقاس صفات ذاته بالناس ، تعاظم قدره عن مبالغ نعت الواصفين ، وجل وصفه عن إدراك غاية الناطقين ، وكل دون وصف صفاته تحبير اللغات ، وضل عن بلوغ قصده تصريف الصفات ، وجاز في ملكوته غامضات أنواع التدبير ، وانقطع عن دون بلوغه عميقات جوامع التفكير ، وانعقدت دون استبقاء حمده ألسن المجتهدين ، وانقطعت إليه جوامع أفكار آمال المنكرين ، إذ لا شريك له في الملك ، ولا نظير ، ولا مشير له في الحكم ، ولا وزير ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، أحصى كل شيء عددا ، وضرب لكل امرئ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وأشهد أن محمدا عبده المجتبى ، ورسوله المرتضى ، بعثه بالنور الساطع ، والضياء اللامع ، فبلغ عن الله عز وجل الرسالة ، وأوضح فما دعا إليه الدلالة ، فكان في اتباع سنته لزوم الهدى ، وفي قبول ما أتى به وجود السنا ، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين . أما بعد ، فإن الله اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من عباده ، واستخلصه لنفسه من بلاده فبعثه إلى خلقه بالحق بشيرا ، ومن النار لمن زاغ عن سبيله نذيرا ؛ ليدعو الخلق من عباده إلى عبادته ، ومن اتباع السبيل إلى لزوم طاعته ، ثم لم يجعل الفزع عند وقوع حادثة ، ولا الهرب عند وجود كل نازلة إلا إلى الذي أنزل عليه التنزيل ، وتفضل على عباده بولايته التأويل ، فسنته الفاصلة بين المتنازعين ، وآثاره القاطعة بين الخصمين . فلما رأيت معرفة السنن من أعظم أركان الدين ، وأن حفظها يجب على أكثر المسلمين ، وأنه لا سبيل إلى معرفة السقيم من الصحيح ، ولا صحة إخراج الدليل من الصريح ، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين ، وكيفية ما كانوا عليه من الحالات - أردت أن أملي أسامي أكثر المحدثين ، ومن الفقهاء من أهل الفضل ، والصالحين ، ومن سلك سبيلهم من الماضين ، بحذف الأسانيد ، والإكثار ، ولزوم سلوك الاختصار ؛ ليسهل على الفقهاء حفظها ، ولا يصعب على الحفاظ وعيها ، والله أسأل التوفيق لما أوصانا ، والعون على ما له قصدنا ، وأسأله أن يبني دار المقامة من نعمته ، ومنتهى الغاية من كرامته ، في أعلى درجة الأبرار المنتخبين الأخيار ، إنه جواد كريم ، رؤوف رحيم .

ذكر الحث على لزوم سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم أخبرنا أحمد بن مكرم بن خالد البرتي ، ثنا علي بن المديني ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا ابن يزيد ، ثنا خالد بن معدان ، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، وحجر بن حجر الكلاعي ، قالا : أتينا العرباض بن سارية ، وهو ممن نزل فيه : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ، فسلمنا ، وقلنا : أتيناك زائرين ، وعائدين ، ومقتبسين ، فقال العرباض : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : يا رسول الله ، كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن عبدا حبشيا مجدعا ، فإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، فتمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة . قال الوليد : فذكرت هذا الحديث لعبد الله بن العلاء بن زبر ؟ فقال : نعم ، حدثني بنحو من هذا الحديث . قال أبو حاتم : إن الله جل وعلا اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم من بين خلقه ، وبعثه بالحق بشيرا ونذيرا ، واقترض على خلقه طاعته ومذكوره ، وحدثنا فقال : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ، وقال : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا الآية ، فأمر الله بطاعة رسوله مع طاعته ، وعند التنازع بالرجوع إلى سنته ، إذ هو المفزع الذي لا منازعة لأحد من الخلق فيه ، فمن تنازع في شيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجب رد أمره إلى قضاء الله ، ثم إلى قضاء رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن طاعة رسوله طاعته ، قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ . .

الآية ، وقال : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ فقد أعلمهم جل وعلا أن اتباعهم رسوله اتباعه ، وأن طاعتهم له طاعته ، ثم ضمن الجنة لمن أطاع رسوله ، واتبع ما أجابه ، فقال : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . . الآية ، ثم أعلمنا جل وعلا أنه لم يجعل الحكم بينه وبين خلقه إلا رسوله ، ونفى الإيمان عن من لم يحكمه فيما شجر بينهم ، قال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ . . الآية ، ثم أعلمنا جل وعلا أن دعاهم إلى رسوله ليحكم بينهم ، إنما دعاهم إلى حكم الله ، لا أن الحاكم بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنهم متى ما سلموا الحكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد سلموه بفرض الله ، قال الله عز وجل : إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، إلى قوله : فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ .

ذا حكم الله فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله ، وإعلامهم أنها طاعته ، ثم أعلمنا أن الفرض على رسوله اتباع أمره ، فقال : ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، وقال جل وعلا : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ . . الآية ، وقال : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ إلى قوله : خَبِيرًا ، ثم شهد الله جل وعلا لرسوله باتباع أمره ، واستمساك بأمره ؛ لما سبق في علمه من إسعاده بعصمته وتوفيقه للهدى مع هداية من اتبعه ، فقال : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الآية ، ثم أمره الله جل وعلا بتبليغ ما أنزل إليه أمته مع الشهادة له بالعصمة من بين الناس ، فقال : يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . ثم أعلمنا أن الذي يهدي إليه رسوله هو الصراط المستقيم الذي أمرنا باتباعه ، فقال : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ إلى قوله : وَمَا فِي الأَرْضِ ، ففي هذه الآية التي طولناها ما أقام بها الحجة على خلقه بالتسليم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع أمره ، فكل ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ليس لله فيه حكم ، فبحكم الله سنه ، ووجب علينا اتباعه .

وفي العنود عن اتباعه معصية ، إذ لا حكم بين الله وبين خلقه ، إلا الذي وصفه الله جل وعلا موضع الإبانة لخلقه عنه . فالواجب على كل من انتحل العلم أو نسب إليه حفظ سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والتفقه فيها ، ولا حيلة لأحد في السبيل إلى حفظها إلا بمعرفة تاريخ المحدثين ، ومعرفة الضعفاء منهم من الثقات ؛ لأنه متى لم يعرف ذاك لم يحسن تمييز الصحيح السقيم ، ولا عرف المسند من المرسل ، ولا الموقوف من المنقطع ، فإذا وقف على أسمائهم وأنسابهم ، وعرف - أعني بعضهم بعضا - وميز العدول من الضعفاء ، وجب عليه حينئذ التفقه فيها ، والعمل بها ، ثم إصلاح النية في نشرها إلى من بعده رجاء استكمال الثواب في العقبى بفعله ذلك ، إذ العلم من أفضل ما يخلف المرء بعده ، نسأل الله الفوز على ما يقربنا إليه ، ويزلفنا لديه .

موقع حَـدِيث