فشو ذكر الإسلام بمكة
وفشا ذكر الإسلام بمكة ودخل الناس في الإسلام الرجال والنساء أرسالا ، وأنزل الله عز وجل : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الصفا ، ثم صعد عليه ، ثم نادى : يا صباحاه ، فاجتمع إليه الناس فمن رجل يجيء ، ومن رجل يبعث رسوله ، فقال : يا بني عبد المطلب ، يا بني عبد مناف ، يا بني يا بني ، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، أصدقتموني ؟ قالوا : نعم ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، ثم قال : يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف ، لا أغني عنكم من الله من شيء ، يا عباس بن عبد المطلب ، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يا بني كعب بن لؤي ، يا بني هاشم ، يا بني عبد المطلب ، اشتروا أنفسكم من النار ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ؟ ثم قام فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعل يدعو الناس في الشعاب والأودية والأسواق إلى الله ، وأبو لهب خلفه ، والحجارة تنكبه ، يقول : يا قوم لا تقبلوا منه ، فإنه كذاب . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة : سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن النضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، وأمها الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ، خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقدان بن حلبس عمها ، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي ، وكانت سودة امرأة ثقيلة ثبطة ، وهي التي وهبت يومها لعائشة ، وقالت : لا أريد ما تريد النساء ، وقد قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج على خديجة حتى ماتت . وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب ، وأم كلثوم ابنته الأخرى من عتيبة بن أبي لهب ، فلما نزلت تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ أمرهما أبوهما أن يفارقاهما ففارقاهما ، ثم زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان ابنته رقية بعد عتبة بن أبي لهب ، ثم مرض أبو طالب فدخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل ، فقالوا : إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ، ويفعل ويفعل ، ويقول ويقول ، ولو بعثت إليه فنهيته ، فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، ودخل البيت ، وبين أبي جهل وبين أبي طالب مجلس رجل ، فخشي أبو جهل أنه إذا جلس إلى جنب أبي طالب يكون أرق عليه ، فوثب فجلس في ذلك المجلس ، ولم يجد النبي صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه ، فجلس عند الباب .
قال أبو طالب : أي ابن أخي ، ما بال قومك يشكونك ، ويزعمون أنك تشتم آلهتهم ، وتقول وتقول ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أي عم ، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم العرب ، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ، فقال أبو طالب : وأي كلمة هي يا ابن أخي ؟ قال : لا إله إلا الله ، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ، ويقولون : ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾. ثم توفي أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب ، فلقي المسلمون أذى من المشركين بعد موت أبي طالب ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حين ابتلوا ، وشطت بهم عشائرهم بمكة : تفرقوا ، وأشار قبل أرض الحبشة ، وكانت أرضا دفئة ترحل إليها قريش رحلة الشتاء ، فكانت أول هجرة في الإسلام ، فأول من خرج من المسلمين إلى الحبشة عثمان بن عفان ، ومعه : امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو ، والزبير بن العوام ، ومصعب بن عمير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن عبد الأسد معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ، وعثمان بن مظعون ، وعامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم ، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى ، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود ، وسهيل بن وهب بن ربيعة ، وهو سهيل بن بيضاء ، بيضاء أمه ، ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب معه امرأته أسماء بنت عميس ، وعمرو بن سعيد بن العاص ، ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية ، وأخوه خالد بن سعيد بن العاص ، ومعه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد ، وعبد الله بن جحش بن رياب ، وأخوه عبد بن جحش معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ، وقيس بن عبد الله من بني أسد بن خزيمة ، معه امرأته بركة بنت يسار ، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي ، وعتبة بن غزوان ، وأسد بن نوفل بن خويلد ، ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب ، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد ، وطليب بن عمير بن وهب ، وسوبط بن سعد بن حريملة ، وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل ، وابناه عمرو بن جهم ، وخزيمة بن جهم ، وعامر بن أبي وقاص ، والمطلب بن أزهر معه امرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة ، وعبد الله بن مسعود ، وأخوه عتبة بن مسعود ، والمقداد بن عمرو ، والحارث بن خالد بن صخر معه امرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة ، وعمرو بن عثمان بن عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب ، وشماس عثمان بن عبد بن الشريد بن سويد ، وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وسلمة بن هشام بن المغيرة ، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة ، ومعتب بن عوف بن عامر بن الفضل ، والسائب بن عثمان بن مظعون ، وعماه قدامة ، وعبد الله ابنا مظعون ، وحاطب بن الحارث بن معمر ، معه امرأته فاطمة بنت المجلل ، وابناه محمد بن حاطب ، والحارث بن حاطب ، وأخوه حطاب بن الحارث معه امرأته فكيهة بنت يسار ، وسفيان بن معمر بن حبيب معه ابناه جابر بن سفيان ، وجنادة بن سفيان ، ومعه امرأته حسنة ، وهي أمهما ، وعثمان بن ربيعة بن أهبان ، وخنيس بن حذاقة بن قيس ، وعبد الله بن الحارث بن قيس ، وهشام بن العاص بن وائل ، وقيس بن حذافة بن قيس ، والحجاج بن الحارث بن قيس ، ومعمر بن الحارث بن قيس ، وبشر بن الحارث بن قيس ، وسعيد بن الحارث بن قيس ، والسائب بن الحارث بن قيس ، وعمير بن رئاب بن حذيفة ، ومحمية بن جزء حليف لهم ، ومعمر بن عبد الله بن نضلة ، وعدي بن نضلة بن عبد العزى ، معه ابنه النعمان ، وأبو عبيدة بن الجراح بعدهم ، وعامر بن ربيعة معه امرأته ليلى ، والسكران بن عمرو بن عبد شمس معه امرأته سودة بنت زمعة ، ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس ، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس ، وعبد الله بن سهيل بن عمرو ، وعمرو بن الحارث بن زهير ، وعياض بن زهير بن أبي شداد ، وربيعة بن هلال بن مالك ، وعثمان بن عبد غنم بن زهير ، وسعد بن عبد قيس بن لقيط ، وعبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة جد الزهري ، فخرجوا حتى قدموا أرض الحبشة وأقاموا بها الطمأنينة ، ثم إن قريشا اجتمعت في أن يبعث إلى النجاشي حتى يرد من ثم من المسلمين عليها ، فبعثوا عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد بن ربيعة ، وبعثوا معهما بهدايا كثيرة إليه ، وإلى بطارقته ، فلما قدما عليه ما بقي بطريق من بطارقته إلا قدما إليه بهديته ، وسألاه أن يكلم الملك حتى يسلمهم إليهما قبل أن يكلمهم ، ويسمع منهم ، فلما فرغا من بطارقته قدما إلى النجاشي هداياه فقبلها منهما ، ثم قالا له : أيها الملك ، إن قومنا بعثوا إليك في فتيان منهم خرجوا إلى بلادك ، فارقوا أديان قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ولا دينهم ، وقومهم أعلاهم عينا ، قالت بطارقته : صدقا أيها الملك ، فغضب النجاشي ، وقال : لأيم الله إذا لا أدفعهم إليهما ، قوم جاءوني لجئوا إلى بلادي ، حتى أنظر فيما يقولون ، وأنظر فيما يقول هؤلاء ، فإن كانوا صادقين وكانوا كما قال هؤلاء ، أسلمناهم إليهما ، وإن كانوا على غير ذلك لم ندفعهم إليهما ، ومنعتهم منهما . فقال عمارة بن الوليد : لم نصنع شيئا ، لو كان دفعهم إلينا من وراء وراء ، كان ذلك أحب إلينا قبل أن يكلمهم .
ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا ، فقال بعضهم لبعض : ما الذي نكلم به الرجل ؟ ثم قالوا : نكلمه والله بالذي نحن عليه ، وعليه نبينا ، كائنا ما كان فيه ، فدخلوا عليه ، فقالوا لهم : اسجدوا للملك ، فقال جعفر بن أبي طالب : لا نسجد إلا لله ، فقال لهم : ما يقول هذان ؟ يزعمان أنكم فارقتم دين قومكم ، ولن تدخلوا في ديني ، وأنكم جئتم بدين مقتضب لا يعرف ، فقال جعفر بن أبي طالب : كنا مع قومنا في أمر جاهلية نعبد الأوثان فبعث الله إلينا رسولا منا رجلا نعرف نسبه ، وصدقه ، ووفاءه ، فدعا إلى أن نعبد الله وحده لا نشرك به ، وأمرنا بالصلاة ، والزكاة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، ونهانا عن الفواحش والخبائث ، فقال : هل معك شيء مما جاء به ؟ قال : نعم ، فدعا النجاشي أساقفته فنشروا المصاحف حوله ، فقرأ عليهم جعفر بن أبي طالب كهيعص فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم ، ثم قال : إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فلعمر الله لا أرسلهم معكما ، ولا أكاد ولاهم ، وكان أتقى الرجلين عمارة بن الوليد ، فقال عمرو بن العاص : والله لأجيبنه بما أبيد به خضراءهم ، لأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهك الذي تعبد عبد ، فقال له عمارة بن الوليد : لا تفعل فإن لهم رحما ، وإن كانوا قد خالفونا ، قال : أحلف بالله لأفعلن فرجع إليه الغد ، فقال : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما ، فابعث إليهم فاسألهم عنه ، فأرسل إليهم ، فقال : ماذا تقولون في عيسى ؟ قالوا : نقول فيه ما قال الله عز وعلا ، وما قال لنا نبينا ، فقال له جعفر : هو عبد الله وروحه وكلمته ألقاها الله إلى العذراء البتول ، فأدلى النجاشي يده فأخذ من الأرض عودا ، وقال : ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتم هذا العود ، فنخرت بطارقته ، فقال : وإن نخرتم والله ، ثم قال : اذهبوا فأنتم شيوم في أرضي - يقول : آمنون - من شتمكم غرم ، ما أحب أن لي دبرا ذهبا ، ودبر هو جبل بالحبشة ، وأني آذيت رجلا منكم ، وقال : ردوا عليهما هداياهما التي جاءا بها ، لا حاجة لنا بها ، وأخرجوهما من أرضي ، فأخرجا ، وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار ، وخير جار ، لا يصل إليهم شيء يكرهونه . فولد بالحبشة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، ومحمد بن أبي حذيفة ، وسعيد بن خالد بن سعيد ، وأخته أمة بنت خالد ، وعبد الله بن المطلب بن أزهر ، وموسى بن الحارث بن خالد ، وأخواته : عائشة ، وزينب ، وفاطمة بنات الحارث ، فلم يزل المسلمون بأرض الحبشة إلى أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى المدينة ، فمنهم من رجع إلى مكة فهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومنهم من بقي بأرض الحبشة حتى لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة . وخرج أبو بكر الصديق من مكة مهاجرا إلى أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة ، وهو سيد القارة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض ، وأعبد ربي ، فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ، أنت تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك خافر ، فارجع واعبد ربك ببلدك ، فرجع ، وارتحل معه ابن الدغنة ، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش ، فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضعيف ، ويعين على نوائب الحق ؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة ، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، وليصل فيها ، وليقرأ ما شاء ، ولا يؤذينا بذلك ، ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ، فلبث أبو بكر بعد ذلك يعبد ربه في داره ، ولا يستعلن بصلاته ، ولا يقرأ في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن ، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم ، فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره ، فقد جاوز ذلك ، وابتنى مسجدا بفناء داره ، وأعلن بالصلاة ، والقراءة فيه ، وإنا خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، فانهه ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، فإن أبى إلا أن يعلن بذلك ، فسله أن يرد ينادي بأعلى صوته : أيها الناس ، قولوا لا إله إلا الله ، ورجل يتبعه بالحجارة قد أدمى كعبيه وعرقوبيه ، ويقول : يا أيها الناس ، لا تطيعوه فإنه كذاب ، قال : قلت : من هذا ؟ قالوا : هذا غلام بني عبد المطلب ، قال : فقلت : من هذا الذي يتبعه يدميه ؟ قالوا : عمه عبد العزى أبو لهب .
قال أبو حاتم : كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الخلق إلى الله وحده لا شريك له ، وكان أبو جهل يقول للناس : إنه كذاب ، يحرم الخمر ، ويحرم الزنا ، وما كانت العرب تعرف الزنا ، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ظل الكعبة إذ قام أبو جهل في ناس من قريش ، ونحر لهم جزورا في ناحية مكة ، فأرسلوا فجاؤوا بسلاها ، وطرحوه عليه ، فجاءت فاطمة ، وألقته عنه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش ، بأبي جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، ثم اجتمعوا يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام ، وهم جلوس في ظل الكعبة فقام إليه عقبة بن أبي معيط ، فجعل رداءه في عنقه ، ثم جره حتى وجب النبي صلى الله عليه وسلم لركبته ساقطا ، وتصايح الناس ، وظنوا أنه مقتول ، وأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه ، وهو يقول : أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ . ثم انصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، فلما قضى صلاته مر بهم ، وهم جلوس في ظل الكعبة ، فقال : يا معشر قريش ، والذي نفس محمد بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح ، وأشار بيده إلى حلقه ، فقال له أبو جهل : يا محمد ما كنت جهولا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت منهم ، فقال أبو جهل : ألم أنهك يا محمد ؟ فانتهره النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو جهل : لم تنهرني ، والله لقد علمت ما بها رجل أكثر ناديا مني ، فقال جبريل : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ، ولو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب ، فقالت قريش : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر ، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعاب ديننا ، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ، فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة ، فقالوا : أنت يا أبا الوليد . فأتى عتبة ، فقال : يا محمد ، أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى تسمع قولك ، أما والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك ، فرقت جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعبت ديننا ، وفضحتنا في العرب ، حتى لقد طار فيهم أن في قريش كاهنا ، والله ما تنتظر إلا أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى ، أيها الرجل ، إن كان إنما بك الباه ، فاختر أي نساء قريش شئت حتى أزوجك عشرا ، وإن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش مالا .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفرغت ؟ قال : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾حم ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾، فقال له عتبة : حسبك حسبك ، ما عندك غير هذا ، ثم رجع إلى قريش ، فقالوا : ما وراءك ؟ قال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا تكلمت به ، قالوا : فهل أجابك ؟ قال : نعم ، لا والذي نصبها - يعني الكعبة - ما فهمت شيئا مما قال ، غير أنه قال : أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ، قالوا : ويلك ! يكلمك رجل بالعربية ما تدري ما قال ! قال : فوالله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة . فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغهم رسالات ربه صابرا محتسبا ، ثم إن الله جل وعلا أراد هُدَى عمر بن الخطاب ، وكان عمر من أشد قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم شغبا ، وأكثرهم للمسلمين أذى . وكان السبب في إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وكانت قد أسلمت ، وأسلم زوجها سعيد بن زيد ، وهم يستخفون بإسلامهم من عمر ، وكان نعيم بن عبد الله بن النحام قد أسلم ، وكان يخفي إسلامه ، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن ، فخرج عمر يوما متوشحا بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا ، وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة ، وعلي ، وأبو بكر ، في رجال من المسلمين ممن أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، ولم يخرج إلى أرض الحبشة ، فلقي نعيم بن النحام عمر بن الخطاب ، فقال : أين تريد ؟ فقال : أريد محمدا ، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش ، وسفه أحلامها ، وعاب دينها ، وسب آلهتها فأقتله ، فقال له نعيم : والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر ! أترى أن عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض ، وقد قتلت محمدا ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ! قال : وأي أهل بيتي ؟ فقال : ختنك وابن عمك سعيد بن زيد ، وأختك ، فقد أسلما وبايعا محمدا على دينه ، فعليك بهما ! فرجع عمر عامدا لختنه وأخته ، وعندهما خباب بن الأرت ، ومعه صحيفة فيها طه يقرئها إياهما ، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم ، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع حين دنا من البيت قراءتهما عليه ، فلما دخل قال : ما هذه الهينمة التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت شيئا ، قال : بلى والله ، لقد أخبرت أنكما بايعتما محمدا على دينه ، وبطش بختنه سعيد بن زيد ، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها ، فضربها فشجها ، فلما فعل ذلك ، قالت له أخته وختنه : نعم قد أسلمنا ، وآمنا بالله ورسوله ، فاصنع ما بدا لك ! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع ارعوى ، وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد ، وكان عمر كاتبا ، فلما قال ذلك ، قالت له أخته : إنا لنخشاك عليها ، قال : لا تخافي ، وحلف لها بآلهته ليردها إليها ، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه ، فقالت له : يا أخي ، إنك نجس على شركك ، وإنه لا يمسها إلا المطهرون ، فقام عمر بن الخطاب فاغتسل ، ثم أعطته الصحيفة ، وفيها طه ، فلما قرأ سطرا منها ، قال : ما أحسن هذا الكلام ، فلما سمع خباب ذلك خرج إليه ، فقال له : يا عمر ، والله لأرجو أن يكون خصك الله بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإني سمعته يقول : اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب ، فقال له عمر : دلني عليه يا خباب حتى آتيه فأسلم ، فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا ، معه فيه نفر من أصحابه ، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما بلغ ضرب عليه الباب ، فلما سمع المسلمون صوته ، قام رجل فنظر من خلال الباب ، فرآه متوشحا بالسيف ، فقال حمزة بن عبد المطلب : ائذن لي ، فإن كان يريد خيرا به لناله ، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن له ، فأذن له الرجل ، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة ، فأخذ بحجزته ثم جبذه جبذة عظيمة ، وقال : ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ والله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة ، فقال له عمر : يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله ، وبما جئت به من عند الله ، قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر أسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمر استره ، فقال عمر : والذي بعثك بالحق لأعلنته كما أعلنت الشرك ! فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك ، وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر وحمزة ، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك كان يقول ابن مسعود : ما زلنا أعزة مذ أسلم عمر . ثم توفيت خديجة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : رأيت لخديجة بيتا في الجنة لا صخب فيه ، ولا نصب . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاة خديجة عائشة بنت أبي بكر قبل الهجرة بثلاث سنين في شهر شوال ، وهي بنت ست لم يتزوج بكرا غيرها ، وكانت أم عائشة أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس .
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف المنعة ، وأشراف ثقيف يومئذ : عبد ياليل ، وحبيب ، ومسعود بن عمرو ، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الله ، فقال أحدهم : أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ؟! وقال الآخر ، هو يمرط ثياب الكعبة : إن كان الله أرسلك - وقال الآخر : إن كان كما تقول - ما ينبغي لي أن أكلمك إجلالا لك ، وإن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سمع ما يكره ، فالتجأ إلى حائط لبني ربيعة ، وإذا عتبة وشيبة فيه ، فلما رأياه تحركت له رحمهما ، فدعوا غلاما لها - يقال له عداس - نصرانيا ، فقالا له : خذ هذا العنب ، واجعله في هذا الإناء ، واذهب به إلى ذلك الرجل ، فلما أتاه به عداس وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في العنب ، وسمى الله ، فنظره عداس في وجهه ، وقال : إن هذا لشيء ما يقوله الناس اليوم ! قال : ومن أنت ؟ قال : أنا رجل نصراني من أهل نينوى ، قال : من قرية يونس بن متى ، قال : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ قال : ذلك أخي ، كان نبيا من الأنبياء ، فجعل عداس يقبل يديه ورجليه ، ويقول : قدوس ، وقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك ! فلما رجع إليهما ، فسألاه عما قال له ، فقال : لقد أخبرني عن شيء ما يعلمه إلا نبي ، قالا : يا عداس ، ويحك لا تخدع عن دينك . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أيس من الطائف فمر بنخلة فقام يصلي من جوف الليل ، فمر به النفر من الجن أصحاب نصيبين ، فاستمعوا له عامة ليلته ، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين ، وهم سبعة أنفس . ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يدعوهم إلى الله ، ويستنصرهم ليمنعوا ظهره حتى ينفذ عن الله ما بعثه به ، ثم افتقده أصحابه ليلة فباتوا بشر ليلة ، فجعلوا يقولون : استطير ، أو اغتيل ، وتفرقوا في الشعاب والأودية يطلبونه ، فلقيه ابن مسعود مقبلا من نحو حراء ، فقال : يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي ، بتنا بشر ليلة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاني داعي الجن ، فأتيتهم أقرئهم القرآن ، وسألوني الزاد ، فقلت : كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما ، والبعر علفا لدوابكم . فلذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالروث والعظم ؛ لأنه زاد إخواننا من الجن ، وكان ابن مسعود يقول : أراني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن آثارهم ، ونيرانهم ، ثم أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب .