ذكر قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة
ذكر قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أخبرنا أبو خليفة ، ثنا عبد الله بن رجاء ، أنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت البراء يقول : اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما ، فقال أبو بكر لعازب بن البراء : فليحمله إلى أهلي ، فقال له عازب : لا حتى تحدثني كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم ، فقال : ارتحلنا من مكة ، فذكر حديث الرحل ، وقال : حتى أتينا المدينة ، فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أنزل الليلة على بني النجار وأخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك ، فخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون : جاء محمد ، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح انطلق ، فنزل حيث أمر . قال أبو حاتم : لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم الليل عدل بهم فنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب ؛ لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو كانت من بني عدي بن النجار ، فلما أصبح صلى الله عليه وسلم نزل حمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، وأبو مرثد ، وابنه مرثد ، وأبو كبشة ، وزيد بن حارثة على كلثوم بن الهدم العمري أخي بني عمرو بن عوف ، ونزل أبو بكر الصديق ، وطلحة بن عبيد الله ، وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف ، ونزل عمر وزيد ابنا الخطاب ، وعمر وعبد الله ابنا سراقة ، وعبد الله بن حذافة ، وواقد بن عبد الله ، وخولي بن أبي خولي ، وعياش بن ربيعة ، وخالد ، وعاقل ، وإياس بن البكير على رفاعة بن عبد المنذر ، ونزل عبيدة ، والطفيل ، والحصين بنو الحرب ، ومسطح بن أثاثة ، وسويبط مولى أبي سعد ، وكليب بن عمير ، وخباب بن الأرت على عبد الله بن سلعة العجلاني ، ونزلت زينب بنت جحش وجدامة بنت جندل ، وأم قيس بنت محصن ، وأم حبيبة بنت نباتة ، وأمية بنت رقيش ، وأم حبيبة بنت جحش ، وأم سخبرة بنت نعيم على سعد بن خيثمة ، وعشى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون ، وأقام أبو بكر للناس ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا يسلمون ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عوف بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وأسس المسجد بقباء ، وصلى فيه تلك الأيام ، فلما كان يوم الجمعة خرج على ناقته القصوى يوم الجمعة يريد المدينة ، واجتمع عليه الناس فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف ، فكانت أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بدور الأنصار ، فيدعونه للنزول ويعرضون عليه المؤاساة ، فيجزيهم النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ، حتى مر على بني سالم ، فقام عتبان بن مالك في أصحاب له ، فقالوا له : يا رسول الله ، أقم في العدد والعدة والمنعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : خلوا سبيل الناقة ، فإنها مأمورة ، ثم مر ببني ساعدة ، اعترضه سعد بن عبادة ، وأبو دجانة ، والمنذر بن عمرو ، وداود راودوه على النزول ، فقال : خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة ، ثم مر ببني بياضة ، فاعترضه فروة بن عمرو ، وزياد بن لبيد وراودوه على النزول ، فقال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، ثم مر على بني عدي بن النجار ، فقال أبو سليط بن أبي خارجة : عندنا يا رسول الله ، فنحن أخوالك وذكروا رحمهم ، فقال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، وأقبلت الناقة حتى انتهت به إلى مربد التمر ، وهو يومئذ لغلامين يتيمين من بني النجار في حجر أسعد بن زرارة ، اسمهما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبي عمرو ، وكان المسلمون بنوا مسجدا يصلون فيه ، وهو موضع مسجده اليوم ، فلما انتهت به الناقة إلى المسجد بركت ، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذا إن شاء الله المنزل ، وجاء أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد بن كليب ، فأخذ برحله ، وجاء أسعد بن زرارة ، فأخذ بزمام راحلته ، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المربد ، فقال معاذ بن عفراء : هو لغلامين يتيمين ، وأنا مرضيهما عنه ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين ، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا ، فقالا : بل نهبه لك ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل منهما هبة حتى ابتاعه منهما ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد قالوا : يا رسول الله ، المرء مع موضع رحله ، فنزل على أبي أيوب الأنصاري ، ومنزله في بني غنم بن النجار ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في بناء المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر الأنصار والمهاجرة وكان عمار بن ياسر جعدا قصيرا ، وكان ينقل اللبن وقد أغبر صدره ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية ، وقدم طلق بن علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يعين المسلمين في بناء المسجد ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : قربوا الطين من اليمامي ، فإنه من أحسنكم به مسكا ، ومات أسعد بن زرارة والمسجد يبنى ، أخذته الشهقة ودفن بالبقيع ، وهو أول من دفن بالبقيع من المسلمين ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم نازلا على أبي أيوب حتى فرغ من المسجد ، وبني له فيه مسكن ، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من المسجد ومسكنه إليه ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليقفل سودة بنت زمعة زوجته وبناته ، وبعث أبو بكر الصديق عبد الله بن أريقط إلى عبد الله بن أبي بكر أن يقدم بأهله ، فلما قدم ابن أريقط على عبد الله بن أبي بكر خرج عبد الله بعيال أبي بكر : عائشة وعبد الرحمن وأم رومان أم عائشة ، وكان البراء بن معرور مات في صفر قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر ، وأوصى عند موته أن يوجه إذا وضع في قبره إلى الكعبة ، ففعل به ذلك ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى على قبره ، وولد مسلمة بن مخلد ، وكان آخر الأنصار إسلاما بنو واقف وبنو أمية وبنو وائل ، وكانت الأنصار كل واحد منهم يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة تيسا ، وكانت أم سليم لم يكن لها ما تهدي ، فأتت بابنها أنس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، ابني هذا يخدمك ، وليس عندي ما أهديه ، فادع الله له ، فقال رسول اله صلى الله عليه وسلم : اللهم أكثر ماله وولده . ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أنس بن مالك ، وكان أنس له عشر سنين حيث قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فكانت أمهاته يحثثنه ، فلما دخل داره حلب له من داجن وشاب له لبنها بماء يسير في الدار ، وأبو بكر عن شماله وأعرابي عن يمينه ، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي ، وقال : الأيمن فالأيمن ، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين ، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم متنفلين ، فقال : يا أيها الناس ، اقبلوا فريضة الله ، فأقرت صلاة المسافر ، وزيد في صلاة المقيم ، وذلك لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر بعد قدومه عليه السلام المدينة بشهر .
ووعك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعكا شديدا ، فدخلت عائشة على أبي بكر وهو يقول : كل امرئ مصبح في أهله والموت أقرب من شراك نعله ثم دخلت على عامر بن فهيرة ، وهو يقول : كل امرئ مدافع بطوقه الثور يحمي جلده بروقه فدخلت على بلال وهو يقول : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل وكان بلال يقول : اللهم العن عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام كما أخرجونا من مكة ، فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم بما رأت من وعكهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ، وبارك لنا فيها كما باركت لنا في مكة ، وبارك في صاعها ومدها ، وانقل وباءها إلى مهيعة ، وهي الجحفة . ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، وقد حمي الناس ، وهم يصلون قعودا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ، فختم الناس الصلاة قياما ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة ، ثم أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤاخي بين المهاجرين والأنصار في شهر رمضان ، فدخل المسجد فجعل يقول : أين فلان بن فلان ، فلم يزل يعدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده ، فقال : إني أحدثكم بحديث ، فاحفظوه وحدثوا من بعدكم : إن الله اصطفى من خلقه خلقا ، ثم تلا هذه الآية : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ خلقا يدخلهم الجنة ، وإني مصطف منكم من أحب أن أصطفيه ، ومؤاخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة ، قم يا أبا بكر ، فقام فجيء بين يديه ، فقال : إن لك عندي يدا الله يجزيك بها ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذتك خليلا ، وأنت عندي بمنزلة قميصي في جسدي ، وحرك قميصه ، ثم قال : ادن يا عمر ، فدنا فقال : لقد كنت شديد الثغب علينا ، يا أبا حفص ، فدعوت الله أن يعز الدين بك ، أو بأبي جهل ، ففعل الله ذلك بك ، وكنت أحبهما إلى الله ، فأنت معي ثالث ثلاثة من هذه الأمة ، ثم تنحى وآخى بينه وبين أبي بكر ، ودعا عثمان بن عفان ، فقال : ادن يا عثمان ، ادن يا أبا عمرو ، فلم يزل يدنو حتى ألزق ركبته بركبته ، ثم نظر إلى السماء ، فقال : سبحان الله العظيم ، ثم نظر إلى عثمان ، فإذا إزاره محلولة ، فزرها عليه ، ثم قال : اجمع لي عطفي ردائك على نحرك ، فإن لك شأنا عند أهل السماء ، أنت ممن يرد على الحوض وأوداجه تشخب دما ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ، فقال : ادن يا أمين الله ، يسلط الله على مالك بالحق ، أما إن لك عندي دعوة قد أخرتها ، فقال : خر لي ، فقال : أكثر الله مالك ، ثم تنحى ، وآخي بينه وبين عثمان ، ثم دعا طلحة والزبير ، فقال : ادنوا مني ، فدنوا منه ، فقال : أنتما حواري كحواري عيسى ابن مريم ، ثم آخى بينهما ، ثم دعا سعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر ، فقال : يا عمار تقتلك الفئة الباغية ، ثم آخى بينهما ، ثم دعا عميرا أبا الدرداء وسلمان الفارسي ، فقال : يا سلمان أنت منا أهل البيت ، وقد آتاك الله العلم الأول والعلم الآخر ، ثم قال : ألا أنشدك يا أبا الدرداء ، قال : بأبي أنت وأمي ، بلى ، قال : إن تنقدهم فينقدوك ، وإن تتركهم لا يتركوك ، فأقرضهم عرضك ليوم فقرك ، واعلم أن الجزاء أمامك ، ثم آخى بينهما ، ثم نظر في وجوه أصحابه ، فقال : أبشروا وقروا عينا ، فأنتم أول من يرد على الحوض ، وأنتم في أعلى الغرف ، ونظر إلى عبد الله بن عمر ، فقال : الحمد لله الذي يهدي من الضلالة من أحب ، فقال علي بن أبي طالب : يا رسول الله ، ذهب روحي ، فانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت ، فإن كان من سخطة علي فلك العتبى والكرامة ، قال : والذي بعثني بالحق ما أخرتك إلا لنفسي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووراثي ، قال : يا رسول الله ، ما أرث منك ؟ قال : ما ورثت الأنبياء قبلي ، قال : وما ورثت الأنبياء قبلك ؟ قال : كتاب الله وسنة نبيهم ، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِخْوَانًا ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾. ومات الوليد بن المغيرة بمكة ، وأبو أحيحة بالطائف ، بلغ المسلمين نعيهما ، وولد عبد الله بن الزبير في شوال ، فكبر المسلمون ، وكانوا يخافون أن يكون اليهود سحرت نساءهم ، وكان أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة ، وهنئ به أبو بكر والزبير ، ولم ترضعه أسماء بنت أبي بكر حتى أتت به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذه ووضعه في حجره ، فحنكه بتمرة ، فكان أول شيء دخل بطنه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سماه عبد الله .