إسلام سلمان الفارسي
السنة الخامسة من الهجرة حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون الدماتي ، ثنا عمار بن الحسن الهمداني ، ثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس ، حدثني سلمان الفارسي من فيه قال : كنت رجلا مجوسيا من أهل جي ، من أهل أصبهان ، وكان أبي دهقان قريته ، وكنت أحب الخلق إليه ، فما زال به حبه إياي حتى حبسني في البيت ، كما تحبس الجارية ، وكنت قد اجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة ، وكانت لأبي ضيعة فيها بعض العمل ، بنى أبي بنيانا له في داره فدعاني ، فقال : أي بني ، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها فاطلعها ، وأمرني فيها ببعض ما يريد ، ثم قال لي : ولا تحتبس عني ، فإنك إن احتسبت عني كنت أهم عندي مما أنا فيه ، فخرجت فمررت بكنيسة النصارى وهم يصلون فيها ، فسمعت أصواتهم ، ودخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فوالله ما زلت قاعدا عندهم وأعجبني دينهم وما رأيت من صلاتهم ، وأخذ بقلبي فأحببتهم حبا لم أحبه شيئا قط ، وكنت لا أخرج قبل ذلك ، ولا أدري ما أمر الناس ، فقلت في نفسي : هذا والله خير من ديننا ، فوالله ما برحت حتى غربت الشمس ، وتركت حاجة أبي التي أرسلني إليها ، وما رجعت إليه ، ثم بعث في الطلب يلتمس لي ، فلم يجد حيث أرسلني ، فبعث رسله ، فبغوني بكل مكان حتى جئته عشيا ، وقد قلت للنصارى حين رأيت ما أعجبني من هيئتهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام ، فلما أتيت أبي ، فقال : أي بني ، أين كنت ؟ ألم أكن عهدت إليك أن لا تحتبس علي ؟ فقلت : بلى ، وإني مررت على كنيسة النصارى ، فأعجبني ما رأيت من أمرهم وحسن صلاتهم ، ورأيت دينهم خيرا ، قال : كلا يا بني ، إن ذلك الدين لا خير فيه ، دينك ودين آبائك خير منه ، فقلت : كلا والله إنه لخير من ديننا ، قال : فخافني أن أذهب من عنده فكلبني ، ثم حبسني ، فأرسلت إلى النصارى وأخبرتهم أني قد رضيت أمرهم ، وقلت : إذا قدم عليكم ركب من الشام ، فأخبروني بهم أذهب معهم . فقدم عليهم ركب من الشام ، فأخبروني بهم ، فأرسلوا إلي ، فأرسلت إليهم : إذا أرادوا الرجعة فأخبروني ، فلما أرادوا الخروج جئتهم ، فانطلقت معهم ، فلما قدمت الشام سألت عن عالمهم ، فقالوا : صاحب الكنيسة أسقفهم ، فدخلت عليه فأخبرته خبري ، وقلت له : إني أحب أن أكون معك في كنيستك أخدمك وأصلي معك ، وأتعلم منك ، فإني قد رغبت في دينك ، قال : أقم ، فمكثت معه في الكنيسة أتفقه في النصرانية ، وكان رجل سوء فاجر في دينه يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه ، وكنت أبغضه لما أرى من فجوره ، وقد جمع سبع قلال دنانير ودراهم ، ثم إنه مات ، فاجتمعت النصارى ليدفنوه ، فقلت لهم : تعلمون أن صاحبكم هذا رجل سوء ، كان يأمركم بالصدقة فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ، ولم يعط المساكين منها شيئا ، قالوا : وما علامة ذلك ، قلت : أدلكم على كنزه ، قالوا : أنت وذاك ، فدللتهم عليه ، فأخرجوا قلالا مملوءة ذهبا وورقا ، قال : فلما رأوها قالوا : والله لا نغيبه أبدا ، فصلبوه على خشبة ورجموه بالحجارة ، وجاؤوا برجل فجعلوه مكانه ، قال : فيقول سلمان : يا ابن أخي ، ما رأيت رجلا لا يصلي الخمس ، أرى أنه أفضل منه زهادة في الدنيا ، ولا أرغب في الآخرة ، ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه اجتهادا في العبادة ، قال سلمان : فأقمت معه وأحببته حبا ما علمت أني أحببت شيئا كان قبله ، فكنت معه أخدمه ، وأصلي معه في الكنيسة حتى حضرته الوفاة ، قلت : يا فلان ، إني قد كنت معك ، وما أحببت حبك شيئا قط ، فإلى من توصي بي ؟ ومن ذا الذي تأمرني متبع أمرك ومصدق حديثك ؟ قال : أي بني ، ما أعلم أحدا على مثل ما نحن عليه إلا رجلا بالموصل يقال له فلان ، فإني وإنه كنا على أمر واحد في الرأي والدين ، وهو رجل صالح وستجد عنده بعض ما كنت ترى مني ، فأما الناس قد بدلوا وهلكوا ، فلما توفي لحقت بصاحب الموصل ، فأخبرته خبري ، فقال : أقم ، فكنت معه في كنيسته ، فوجدته كما قال صاحبي ، رجلا صالحا ، فكنت معه ما شاء الله ، فلما حضرته الوفاة قلت : يا فلان ، إن فلانا أوصاني إليك حين حضرته الوفاة ، وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي ؟ وإلى من تأمرني ؟ قال : أي بني ، ما أعلم أحدا على أمرنا إلا رجلا بنصيبين يقال له فلان ، فالحق به ، فلما توفي لحقت بصاحب نصيبين ، وأخبرته خبري وأقمت عنده ، فوجدته على مثل ما كان عليه صاحباه ، فمكثت معه ما شاء الله ، ثم حضرته الوفاة ، فقلت له : إن فلانا أوصاني إلى فلان صاحب الموصل ، ثم أوصاني صاحب الموصل إليك ، فإلى من توصي بي بعدك ؟ قال : أي بني ، ما أعلم أحدا على مثل ما نحن عليه إلا رجلا بعمورية في أرض الروم ، فإنك واجد عنده بعض ما تريد ، فإن استطعت أن تلحق به ، فالحق به ، فلما توفي لحقت بصاحب عمورية ، وأخبرته خبري ، فقال : أقم ، فأقمت عنده فوجدته على مثل ما كان عليه أصحابه ، وأثاب لي شيئا حتى اتخذت بقرات وغنيمة ، ثم حضرته الوفاة ، فقلت له : إن فلانا أوصاني إلى فلان صاحب الموصل ، ثم أوصاني صاحب الموصل إلى فلان صاحب نصيبين ، ثم أوصاني صاحب نصيبين إليك ، فإلى من توصي بي ؟ قال : يا بني ، ما أعلمه أصبح في هذه الأرض أحد على ما كنا عليه ، لكنك قد أظلك خروج نبي يخرج بأرض العرب ، يبعث بدين إبراهيم الحنفية ، يكون منها مهاجره ، وقراره إلى أرض يكون بها النخل بين حرتين ، نعتها بكذا وكذا ، بظهره خاتم النبوة بين كتفيه ، إذا رأيته عرفته ، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، ثم مات ، فمر بي ركب من كلب ، فسألتهم : من هم ؟ فقالوا : من العرب ، فسألتهم : من بلادهم ؟ فأخبروني عنها ، فقلت لهم : أعطيكم بقري وغنمي هذا على أن تحملوني حتى تقدموا أرضكم ؟ قالوا : نعم ، فأعطيتهم إياها وحملوني معهم ، حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى ظلموني ، فباعوني برجل من اليهود ، فأقمت ، ورأيت بها النخل ورجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ، حتى قدم رجل من يهود بني قريظة فابتاعني من ذلك اليهودي ، ثم خرج بي حتى قدم المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، وأيقنت أنه البلد فمكثت بها أعمل له في ماله في بني قريظة ، حتى بعث محمد ، وخفي علي أمره ، وأنا في رقي مشغول ، حتى قدم المدينة مهاجرا ، فنزل في قباء في بني عمرو بن عوف ، فوالله إني لفي رأس نخلة أعمل لصاحبي فيها ، وصاحبي تحتي جالس إذ أقبل ابن عم له من اليهود ، فقال : يا فلان ، قاتل الله بني قيلة ، إنهم آنفا لمجتمعون يقبلون على رجل بقباء قدم من مكة يزعمون أنه نبي ، فوالله ما هو إلا أن قالها له أخذتني رعدة من النخلة ، حتى ظننت أني سقطت على صاحبي ، فنزلت سريعا ، فقلت : أي سيدي ، ما الذي تقول ؟ فغضب مما رأى في ، ورفع يده فضربني بها ضربة شديدة ، ثم قال : ما لك ولهذا ، أقبل على عملك ، قلت : لا شيء ، سمعت منك شيئا ، فأردت أن أعلمه فسكت عنه ، ثم أقبلت على عملي ، فلما أمسيت جمعت ما كان عندي حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء ، فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه ، فقلت : بلغني أنك رجل صالح ، وأن معك أصحابا لك أهل حاجة وغربة ، وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة من طعام يسير ، فجئتكم به ، وهو ذا ، فقربت إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : كلوا ، وأمسك يده ، وأبى أن يأكل ، فقلت في نفسي : هذه واحدة من صفة فلان ، ثم رجعت ، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فجمعت شيئا ، ثم جئته ، فسلمت عليه ، فقلت : هذا شيء كان لي وأحببت أن أكرمك وهو هدية أهديها لك كرامة ليست بصدقة ، فإني رأيتك لا تأكل الصدقة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فأكلوا وأكل معهم ، فقلت في نفسي هاتان اثنتان ، ثم رجعت فمكثت شيئا ، ثم جئته وهو ببقيع الغرقد ، مشى مع جنازة وحوله أصحابه ، وعليه شملتان مرتديا بواحدة ومتزرا بالأخرى ، فسلمت عليه ، ثم تحولت حتى قمت وراءه ؛ لأنظر في ظهره ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني إنما أريد أن أنظر وأثبته ، فقال بردائه فألقاه عن ظهره ، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصفه لي صاحبي ، فأكببت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أقبل موضع الخاتم من ظهره وأبكي ، فقال : تحول عني ، فتحولت عنه ، فجلست بين يديه وقصصت عليه قصتي وشأني وحديثي ، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحب أن يسمع ذلك أصحابه ، ثم أسلمت ومكثت مملوكا حتى مضى شأن بدر ، وشأن أحد ، وشغلني الرق ، فلم أشهد مجامع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كاتب نفسك ، فسألت صاحبي الكتابة ، فلم أزل حتى كاتبني على أن أفي له ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ورق ، وتلك أربعة آلاف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : أعينوا أخاكم بالنخل ، فأعانني الرجل بقدر ما عنده ، منهم من يعطيني العشرين والثلاثين والعشرة والخمس والست والسبع والثمان والأربع والثلاث حتى جمعتها ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب فإذا أردت أن تضعها فأتني حتى أكون أنا أضعها لك بيدي ، فقمت في تفقيرها وأعانني أصحابه ، حتى فرغنا من شربها ، وجاء أصحابي كل رجل بما أعانني من النخل فوضعته ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فخرج فجعلنا نحمل إليه النخل فيضعها بيده ، فما ماتت منها ودية ، وبقيت الدراهم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا سلمان ! إذا سمعت بشيء قد جاءني فأتني - أغنيك بمثل ما بقي من مكاتبتك ، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في أصحابه ، إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان ! قال قلت : و - أين تقع هذه مما علي من المال ؟ قال : إن الله سيؤديها عنك فوالذي نفسي بيده ! لقد وزنت لهم أربعين أوقية حقهم جميعا . وعتق سلمان وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق وما كان بعده من المغازي .
قال : في أول هذه السنة كان فك سلمان من الرق وأداؤه بما كوتب عليه .