غزوة بني قريظة
غزوة بني قريظة فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قد وضعتم السلاح ، وإن الملائكة لم تضع سلاحها بعد ، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة ، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل لواءه علي بن أبي طالب ، فلما بلغ الصورين ، قال : هل مر بكم أحد ؟ قالوا : نعم ، مر بنا دحية الكلبي على بغلة بيضاء ، فقال رسول صلى الله عليه وسلم : ذاك جبريل ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل على بئر لبني قريظة في ناحية أموالهم وتلاحق به الناس ، وأتى رجال بعد عشاء الآخرة ، ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة ، حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، وقد كان حيي بن أخطب ، قد دخل مع بني قريظة في حصنهم ، حين رجعت قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد ، فلما تيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم ، حتى يناجزهم ، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف لنستشيره ، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم - وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح - فقالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انزلوا على حكمه . ثم إن ثعلبة بن سعية وأسد بن سعية وأسد بن عبيد أسلموا ، فمنعوا ديارهم وأموالهم ، فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الأوس : يا رسول الله ، إنهم موالينا دون الخزرج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ترضون أن يحكم فيكم رجل منكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذاك إلى سعد بن معاذ ، وكان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه حين أصابه السهم : اجعلوه في خيمة قريب مني حتى أعوده ، فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة ، أتاه قومه ، فاحتملوه على حمار ، ثم أقبلوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يقولون : يا أبا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك مواليك لتحسن فيهم ، فلما أكثروا عليه قال : قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم ، فلما جاء سعد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا إلى سيدكم ، فقاموا إليه فقالوا : يا أبا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك الحكم ، قال سعد : عليكم عهد الله وميثاقه ، إن الحكم فيكم ما حكمت . قالوا : نعم ، قال : وعلى من كان هاهنا في هذه الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، فقال سعد : فإني أحكم فيهم بأن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذراري والنساء .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : لقد حكمت فيهم - بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار ، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فلما قدمها خرج إلى سوق المدينة فحفر حفرا ثم بعث إليهم وأمر بضرب أعناقهم ، وهم ما بين ستمائة إلى تسعمائة ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم ، فيهم حيي بن أخطب وكعب بن أسعد . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين ، فكان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسا ، فأعطى الفارس ثلاثة أسهم : للفرس سهمان ولصاحبه سهم ، وللراجل الذي ليس له فرس سهم ، وأخرج منها صلى الله عليه وسلم الخمس ، وقد قيل : إنه اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة . ثم مات سعد بن معاذ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسله ، فغسله أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش ، ثم وضع في أكفانه على سريره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اهتز العرش لموت سعد بن معاذ ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام جنازة سعد حتى صلى عليه ، ونزل في حفرته أربعة نفر : الحارث بن أوس ، وأسيد بن حضير ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، وأبو نائلة مالك بن سلامة .
ثم بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب ابنة جحش ، فلما أصبح دعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا ، ونفر منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فأطالوا القعود ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى جاء عتبة حجرة عائشة ، ثم رجع ونزلت آية الحجاب ، وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ .