حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الثقات

استخلاف أبي بكر بن أبي قحافة الصديق

( استخلاف أبي بكر بن أبي قحافة الصديق - رضي الله عنه - ) قال الشيخ أبو حاتم محمد بن حبان أبو أحمد التميمي : واسمه عبد الله ، ولقبه عتيق ، واسم أبي قحافة : عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وأم أبي بكر : أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب - أخو عمرو بن ج٢ / ص١٥٢كعب - بن سعد بن تيم بن مرة بن لؤي بن غالب . أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان ، ثنا محمد بن المتوكل ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : كنت عند عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب ، فلما كان في آخر حجة حجها عمر ، أتاني عبد الرحمن بن عوف في منزلي عشاء فقال : لو شهدت أمير المؤمنين اليوم وجاءه رجل وقال : يا أمير المؤمنين ، إني سمعت فلانا يقول : لو مات أمير المؤمنين لبايعت فلانا ، فقال عمر : إني لقائم العشية في الناس ومحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا المسلمين أمرهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك ، وإني أخشى أن تقول فيهم اليوم مقالة لا يعونها ولا يضعونها مواضعها ، وأن يطيروا بها كل مطير ، ولكن أمهل يا أمير المؤمنين حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة ودار الهجرة ، فتخلص بالمهاجرين والأنصار ، وتقول ما قلت متمكنا ، فيعون مقالتك ويضعونها مواضعها ، قال عمر : أما والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة ، قال ابن عباس : فلما قدمنا المدينة ، وجاء يوم الجمعة هجرت لما حدثني عبد الرحمن بن عوف ، فوجدت سعيد بن زيد بن نفيل قد سبقني بالهجرة جالسا إلى جنب المنبر ، فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته ، فلما زالت الشمس خرج علينا عمر فقلت - وهو مقبل - : أما والله ج٢ / ص١٥٣ليقولن اليوم أمير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقل عليه أحد قبله ، قال : فغضب سعيد بن زيد فقال : وأي مقال يقول لم يقل قبله ؟ فلما ارتقى عمر المنبر أخذ المؤذن في أذانه ، فلما فرغ من أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها ، لا أدري لعلها بين يدي أجلي ، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته ، ومن خشي أن لا يعيها ، فإني لا أحل لأحد أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحق وأنزل عليه الكتاب ، وكان مما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها ، فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده ، وإني خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل : ما نجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، ألا وإن الرجم على من أحصن إذا زنى وقامت عليه البينة ، أو كان الحمل ، أو الاعتراف ، ثم إنا قد كنا نقرأ : ( ولا ترغبوا عن آبائكم ) ، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله " . ثم إنه بلغني أن فلانا منكم يقول : لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلانا ، فلا يغتر امرؤ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فقد كانت كذلك ، ألا وإن الله وقى شرها ، ودفع عن الإسلام والمسلمين ضرها ، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، وإنه كان من خيرنا حين توفي ج٢ / ص١٥٤رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إن عليا والزبير ومن تبعهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة ، وتخلفت عنا الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت : يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم ، فلقينا رجلين صالحين من الأنصار شهدا بدرا فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ قلنا : نريد إخوننا هؤلاء الأنصار ، قالا : فأرجعوا فأمضوا أمركم بينكم ، فقلت : والله لنأتينهم ، فأتيناهم فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة بين أظهرهم رجل مزمل ، قلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة ، قال : قلت : ما شأنه ؟ قالوا : وجع ، فقام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر قريش رهط منا ، وقد دفت إلينا دافة منكم ، وإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، ويحضنونا بأمر دوننا ، وقد كنت زورت في نفسي مقالة أريد أن أقوم بها بين يدي أبي بكر ، وكنت أدارئ من أبي بكر بعض الحد ، وكان أوقر مني وأحلم ، فلما أردت الكلام قال : على رسلك ، فكرهت أن أغضبه ، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ، ووالله ما ترك كلمة قد كنت زورتها إلا جاء بها ، أو بأحسن منها في بديهته ، ثم قال : أما بعد ، وأما ما ذكرتم فيكم من خير يا معشر الأنصار ج٢ / ص١٥٥فأنتم له أهل ، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب دارا ونسبا ، ولقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح ، فوالله ما كرهت مما قال شيئا غير هذه الكلمة ، كنت لأن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، فلما قضى أبو بكر مقالته قام رجل من الأنصار فقال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ، وإلا أجلنا الحرب فيما بيننا وبينكم خدعة ، قال معمر : فقال قتادة : قال عمر : فإنه لا يصلح سيفان في غمد ، ولكن منا الأمراء ومنكم الوزراء ، قال معمر ، عن الزهري في حديثه : فارتفعت الأصوات بيننا ، وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف ، فقلت : يا أبا بكر ، ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، وبايعه الأنصار قال : ونزونا على سعد بن عبادة حتى قال قائل منهم : قتلتم سعدا ، قال : قلت : قتل الله سعدا ، وأنا والله ما رأينا فيما حضرنا أمرا كان أقوى من مبايعة أبي بكر ج٢ / ص١٥٦خشينا أن فارقنا القوم أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى ، وإما أن نخالفهم فيكون فسادا ، فلا يغرن امرأ يقول : كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقد كانت كذلك ، إلا أن الله وقى شرها ، وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا يبايع هو ولا الذي بايعه بعده ، قال الزهري : وأخبرني عروة أن الرجلين اللذين لقياهما من الأنصار : عويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، والذي قال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب الحباب بن المنذر .

قال أبو حاتم : نظر المسلمون إلى أعظم أركان الدين وعماد الإسلام للمؤمنين فوجدوها الصلاة المفروضة ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولى أبا بكر إقامتها في الأوقات المعلومات ، فرضي المسلمون للمسلمين ما رضي لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعوه طائعين في سائر الأركان ، وبايعوه في السر والإعلان . فلما كان اليوم الثاني قام عمر بن الخطاب على المنبر ، فتكلم قبل أبي بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا مني ، وما وجدتها في كتاب الله ، ولا كانت ج٢ / ص١٥٧عهدا عهده إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيأمرنا بقول يكون آخرنا ، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدي رسوله ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان قد هدى به أهله ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثاني اثنين إذ هما في الغار ، فقوموا إليه فبايعوه ، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة . ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس فإني قد وليت عليكم ، ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه ، إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه ، إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم بالبلاء ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .

فلما فرغ الناس من بيعة أبي بكر ، وهو يوم الثلاثاء ، أقبلوا على جهازه - صلى الله عليه وسلم - فاختلفوا في غسله فقالوا : والله ما ندري أنجرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ثيابه كما نجرد موتانا ، أو نغسله وعليه ثيابه ؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم السبات حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره ج٢ / ص١٥٨، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت - لا يدرى من هو - أن اغسلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثيابه ، فقاموا فغسلوه وعليه قميصه ، فأسنده علي إلى صدره ، فكان العباس ، والفضل ، والقثم يقلبونه ، وكان أسامة بن زيد ، وشقران مولياه يصبان عليه الماء ، وعلي يغسله ويدلكه من ورائه ، لا يفضي بيده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : بأبي أنت وأمي ، ما أطيبك حيا وميتا ، ولم ير من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء مما يرى من الميت . ثم كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أبواب بيض سحولية ، ليس فيها قميص ولا عمامة ، أدرج فيها إدراجا ، ثم دخل الناس يصلون عليه أرسالا ، بدأ به الرجال حتى إذا فرغوا أدخل النساء ، ثم أدخل الصبيان ، ثم أدخل العبيد ، ولم يؤم الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد ، وكان أبو عبيدة بن الجراح يحفر كحفر أهل مكة ، وكان أبو طلحة زيد بن سهل يحفر كحفر أهل المدينة ، وكان يلحد ، فدعا العباس بن عبد المطلب رجلين فقال لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة ، وقال للآخر : اذهب إلى أبي طلحة ، فقال : اللهم خر لرسولك ، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان المسلمون اختلفوا في دفنه فقائل يقول : ندفنه في مسجده ، وقائل يقول : ندفنه مع أصحابه ، فقال أبو بكر : سمعت ج٢ / ص١٥٩رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض " . فرفع فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي توفي عليه ، فحفر أبو طلحة تحته ثم دفن - صلى الله عليه وسلم - ليلة الأربعاء حين زاغت الشمس ، ونزل في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ، والفضل بن العباس ، وقثم بن العباس ، وشقران مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وطرح تحته قطيفة ، وكان آخرهم عهدا به قثم بن العباس ، وكان المغيرة بن شعبة يقول : لا بل أنا ، وكان يحكي قصة .

ثم قام أبو بكر في الناس خطيبا بعد خطبته الأولى فقال : الحمد لله أحمده وأومن بوحدانيته وأستعينه على أمركم كله سره وعلانيته ، ونعوذ بالله مما يأتي به الليل والنهار وترتكب عليه السر والجهار ، وأشهد أن لا إله إلا الله حافظا ونصيرا ، وأن محمدا عبده ورسوله بالحق بشيرا ونذيرا ، قدام الساعة فمن أطاعه رشد ، ومن عصاه هلك وشرد ، فعليكم أيها الناس بتقوى الله فإن أكيس الكيس التقوى ، وإن أحمق الحمق الفجور ، فاتبعوا كتاب الله ، واقبلوا نصيحته ، واقتدوا بسنة رسوله ، وخذوا شريعته ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وهو الحكيم ج٢ / ص١٦٠العليم ، " وَهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا " الآية ، واحذروا الخطايا التي لكل بني آدم فيها نصيب ، وتزودوا للآخرة فإن المصير إليها قريب ، ولكن خيركم من اتبع طاعة الله واجتنب معصيته ، فاحذروا يوما لا ينفع فيه من حميم ولا شفيع ، ولا حميم يطاع ، وليعمل عامل ما استطاع من عمل يقربه إلى ربه ، واعملوا من قبل أن لا تقدروا على العمل ، وإن الله لو شاء لخلقكم سدى ، ولكن جعلكم أئمة هدى ، فاتبعوا ما أمركم الله به واجتنبوا ما نهاكم عنه ، واعملوا الخير فإن قليله كثير نام مبارك ، واتقوا الله حق تقاته ، واحذروا ما حذركم في كتابه ، وتوقوا معصيته خشية من عقابه ، فليس فيها رغبة لأحد ، واستعفوا عما حرم الله وأمر باجتنابه ، وإياكم والمحقرات فإنها تقرب إلى الموجبات ، واعملوا قبل أن لا تعملوا ، وتوبوا من الخطايا التي لا يغسلها إلا الله برحمته ، وصلوا على نبيكم كما أمركم ربكم ، ثم قال : أيها الناس ، إن الذي رأيتم مني لم يكن على حرص على ولايتكم ، ولكني خفت الفتنة والاختلاف فدخلت فيها ، وهأنذا وقد رجع الأمر إلى أحسنه ، وكفى الله تلك الثائرة ، وهذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم من الناس ، وأنا أجيبكم على ذلك ، وأكون كأحدكم ، فأجابه الناس : رضينا بك قسما وحظا ، إذ أنت ثاني اثنين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو بكر : اللهم صل على محمد والسلام على محمد ، ورحمة الله وبركاته ، اللهم إنا نستعينك ج٢ / ص١٦١ونستغفرك ، ونثني عليك ، ولا نكفرك ، ونؤمن بك ونخلع من يكفرك . ثم نزل ، واستقام له الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبايعه الناس ، ورضوا به ، وسموه خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شرذمة مع علي بن أبي طالب تخلفوا عن بيعته . وكان أسامة بن زيد يقول : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أغير صباحا على أهل أبنى ، ثم أمر أبو بكر أن يبعثوا بعث أسامة بن زيد فقال له الناس : إن العرب قد انتقضت عليك ، وإنك لا تصنع بتفرق المسلمين عنك شيئا ، قال : والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع أكلتني بهذه القرية لأنفذت هذا البعث الذي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإنفاذه ، ثم قال أبو بكر لأسامة : إن تخلف معي عمر بن الخطاب فافعل ، فأذن له أسامة ، فتخلف عمر مع أبي بكر ، ومضى أسامة حتى أوطأهم ، ثم رجع فسمع به المسلمون ، فخرجوا مسرورين بقدومه ، ولواءه معقود ، حتى دخل المسجد ، فصلى ركعتين ، ثم دخل بيته ، ولواءه معقود ، ويقال : إنه لم يحل اللواء حتى توفي ووضعه في بيته .

ج٢ / ص١٦٢ثم كتب أبو بكر الصديق كتابا إلى معاذ بن جبل يخبره بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعثه مع عمار بن ياسر ، وقد كان معاذ أتى اليمن ، فبينا هو ذات ليلة على فراشه ، إذا هو بهاتف يهتف عند رأسه : يا معاذ كيف يهنئك العيش ومحمد في سكرات الموت ؟ ! فوقف فزعا ما ظن إلا أن القيامة قد قامت ، فلما رأى السماء مصحية والنجوم ظاهرة ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم نودي الليلة الثانية : يا معاذ كيف يهنئك العيش ومحمد بين أطباق الثرى ؟ ! فجعل معاذ يده على رأسه ، وجعل يتردد في سكك صنعاء ، وينادي بأعلى صوته : يا أهل اليمن ذروني لا حاجة لي في جواركم ، فما شر الأيام يوم جئتكم وفارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخرج الشبان من الرجال والعواتق من النساء ، وقالوا : يا معاذ ما الذي دهاك ؟ فلم يلتفت إليهم ، وأتى منزله ، وشد على راحلته ، وأخذ جرابا فيه سويق وأداوة من ماء ، ثم قال : لا أنزل عن ناقتي هذه إن شاء الله إلا لوقت صلاة حتى آتي المدينة ، فبينا هو على ثلاثة مراحل من المدينة إذ لقيه عمار فعرفه بالبعير قال : اعلم يا معاذ أن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا ، فقال معاذ : يا أيها الهاتف في هذا الليل القار من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمار بن ياسر ، قال : وأين تريد ؟ قال : هذا كتاب أبي بكر إلى معاذ يعلمه أن محمدا قد مات وفارق الدنيا ، قال معاذ : فإلى من المهتدى والمشتكى ؟ فمن لليتامى والأرامل والضعفاء ؟ ج٢ / ص١٦٣ثم سار ورجع عمار معه ، وجعل يقول : نشدتك بالله كيف أصحاب محمد ؟ قال : تركتهم كنعم بلا راع قال : كيف تركت المدينة ؟ قال : تركتها وهي أضيق على أهلها من الخاتم ، فلما كان قريبا من المدينة ، سمعت عجوزا وهي تذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي فقالت : يا عبد الله ، لو رأيت ابنته فاطمة وهي تبكي وتقول : يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه انقطع عنا أخبار السماء ، ولا ينزل الوحي إلينا من عند الله أبدا ، فدخل معاذ المدينة ليلا ، وأتى باب عائشة ، فدق عليها الباب فقالت : من هذا الذي يطرق بنا ليلا ؟ قال : أنا معاذ بن جبل ، ففتحت الباب فقال : يا عائشة ، كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند شدة وجعه ؟ قالت : يا معاذ ، لو رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصفار مرة ويحمار أخرى ، يرفع يدا ويضع أخرى لما هنأك العيش طول أيام الدنيا ، فبكى معاذ حتى خشي أن يكون الشيطان قد استفزه ، ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، وأتى أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - . ثم ظهر طليحة في أرض بني أسد ، ومالت فزارة فيها عيينة بن حصن بن بدر مرتدين عن الإسلام ، وبايعه بنو عامر على مثل ذلك ، وتربصوا ينظرون الوقعة بين المسلمين وبين بني أسد وفزارة ، وقد كان أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين بعثهم على الصدقات قد جمعوا ج٢ / ص١٦٤ما كان على الناس منها ، فلما بلغهم وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما عدي بن حاتم فتمسك بالإسلام ، وبقي في يده الصدقات ، وكذلك الزبرقان بن بدر ، وأما مالك بن نويرة فأرسل ما في يده وقال لقومه : قد هلك هذا الرجل فشأنكم بأموالكم ، وقد كانت طيء وبنو سعد كلمهما عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر فقالا : - وهما كانا أحزم رأيا وأفضل في الإسلام رغبة من مالك بن نويرة - لقومهما : لا تعجلوا فإنه ليكونن لهذا الأمر قائم ، فإن كان ذلك كذلك ألقاكم ، ولم تبدلوا دينكم ، ولم تعزلوا أمركم ، وإن كان الذي تطلبون فلعمري إن ذلك أموالكم بأيديكم ، لا يغلبنكم عليها أحد غيركم ، وسكناهم بذلك حتى أتاهم خبر الناس واجتماعهم على أبي بكر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيعة المسلمين إياه ، فبعثا ما بأيديهم من الصدقة إلى أبي بكر ، فلم يزل أبو بكر يعرف فضلهما على من سواهما من المسلمين . وجاء العباس وفاطمة إلى أبي بكر يلتمسان ميراثهما من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا نورث ما تركناه صدقة ، إنما يأكل محمد من هذا المال " وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنعه فيه إلا صنعته فيه .

فهجرته ج٢ / ص١٦٥فاطمة ولم تكلمه حتى ماتت . ثم جهز أبو بكر الجيش ليقاتل من كفر من العرب ، فترك إعطاء الصدقات ، وارتد عن الإسلام ، فقال له عمر : كيف تقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " فقال أبو بكر : والله ، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، والذي نفس أبي بكر بيده لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه حتى آخذها ، قال عمر : فلما رأيت شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أنه الحق ، فأمر أبو بكر على الناس خالد بن الوليد ، وأمر ثابت بن قيس بن شماس على الناس الأنصار ، وجمع أمر الناس إلى خالد بن الوليد ، ثم أمرهم أن يسيروا وسار معهم مشيعا ، حتى نزل ذا القصة من المدينة على بريد وأميال ، فضرب معسكره وعبأ جيشه ، ثم تقدم إلى خالد بن الوليد وقال : إذا عشيتم دارا من دور الناس فسمعتم أذانا للصلاة فأمسكوا عنها حتى تسألوهم ما الذي يعلمون ؟ وإن لم تسمعوا الأذان فشنوا الغارة واقتلوا وحرقوا ، ثم أمر خالد بن الوليد أن يصمد لطليحة ، وهو على ج٢ / ص١٦٦ماء من مياه بني أسد ، وكان طليحة يدعي النبوة ، وينسج للناس الأكاذيب والأباطيل ، ويزعم أن جبريل يأتيه ، وكان يقول للناس : أيها الناس ، إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئا ، واذكروا الله قعودا وقياما ، وجعل يعيب الصلاة ويقول : إن الصريح تحت الرغوة ، وكان أول ما ابتلي من الناس طليحة أنه أصلب هو وأصحابه العطش في منزلهم فيه ، فقال طليحة فيما شجع لهم من أباطيله : اركبوا علالا - يعني فرسا - واضربوا أميالا تجدوا قلالا ، ففعلوا فوجدوا ماء ، فافتتن الأعراب به ، ثم قال أبو بكر لخالد بن الوليد : لآتيك من ناحية خيبر إن شاء الله فيمن بقي من المسلمين ، وأراد بذلك أبو بكر أن يبلغ الخبر الناس بخروجه إليهم ، ثم ودع خالدا ورجع إلى المدينة ، ومضى خالد بالناس ، وكانت بنو فزارة وأسد يقولون : والله لا نبايع أبا الفصيل - يعنون أبا بكر - وكانت طيء على إسلامها ، لم تزل عنه مع عدي بن حاتم ، ومكنف بن زيد الخيل ، فكانا يكالبانها ويقولان لبني فزارة : والله لا نزال نقاتلكم إن شاء الله ، فلما قرب خالد بن الوليد من القوم وبعث عكاشة ج٢ / ص١٦٧ابن محصن ، وثابت بن أقرم - أخا بني العجلان - طليعة أمامه ، وخرج طليحة بن خويلد المتنبئ وأخوه سلمة بن خويلد أيضا طليعة لمن وراءهما ، فالتقيا عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ، فانفرد طليحة بعكاشة ، وسلمة بن خويلد بثابت ، فأما سلمة فلم يلبث ثابتا أن قتله ، ثم صرخ طليحة وقال : يا سلمة ، أعني على الرجل فإنه قاتلي ، فاكتنفا عكاشة حتى قتلاه ، وكرا راجعين إلى من وراءهما ، فلما وصل خالد والمسلمون إلى ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن ، وهما قتيلان ، عظم ذلك على المسلمين وراءهم ، ثم مضى خالد حتى نزل على طيء في خللهم سلمى ، فضرب معسكره وانضم إليه من كان من المسلمين في تلك القبائل ، ثم تهيأ للقتال ، وسار إلى طليحة وهو على مائه ، والتقى معه طليحة في سبعمائة رجل من بني فزارة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر ، يتنبأ ويسجع ، فهز عيينة بن حصن الحرب ، وشد القتال ثم كر على طليحة فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : لا ، فرجع عيينة وقاتل حتى إذا هزته الحرب كر عليه ثانيا وقال : لا أبا لك ، هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : نعم ، قال : فماذا قال لك ؟ قال : قال لي : إن لك ج٢ / ص١٦٨رحى كرحاه ، وحديثا لا تنساه ، قال عيينة : أظن الله أنه قد علم أنه سيكون لك حديث لا تنساه يا بني فزارة هكذا ، فانصرفوا فهذا والله كذاب ، فانصرف وانصرفت معه فزارة ، وانهزم الناس ، وكان طليحة قد أعد فرسا له عنده ، وهيأ بعيرا لامرأته النوار ، ثم اجتمعت إليه فزارة وهم مبارزون ، فقالوا : ما تأمرنا ؟ فلما سمع منهم ذلك استوى على فرسه وحمل امرأته على البعير ، ثم نجا بها ، وقال لهم : من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت وينجو بأهله فليفعل ، ثم سلك الحوشية حتى لحق بالشام ، وانصرفت فزارة ، وقتل منهم من قتل ، ثم دخلت القبائل في الإسلام على ما كانوا عليه من قبل . فلما فرغ خالد من بيعتهم أوثق عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة بن سلمة ، وبعث بهما إلى أبي بكر ، فلما قدما عليه قال قرة : يا خليفة رسول الله إني كنت مسلما ، وإن عند عمرو بن العاص من إسلامي شهادة ، قد مر بي فأكرمته وقربته ، وكان عمرو بن العاص هو الذي جاء بخبر الأعراب ، وذلك أن عمرا كان على عمان ، فلما أقبل راجعا إلى المدينة مر بهوازن ، وقد انتقضوا وفيهم سيدهم قرة بن هبيرة ، فنزل عليه عمرو بن العاص فنحر له وأقراه وأكرمه ، فلما أراد عمرو الرحيل خلى به قرة بن هبيرة وقال : يا عمرو ، إنكم معشر قريش إن أنتم كففتم ج٢ / ص١٦٩عن أموال الناس وتركتموها لهم - يريد الصدقات - فقمن أن يسمع لكم الناس ويطيعوا ، فإن أنتم أبيتم إلا أخذ أموالهم فإني والله ما أرى العرب مقرة بذلك لكم ، ولا صابرة عليه حتى تنازعكم أمركم ويطلبوا ما في أيديكم ، فقال عمرو بن العاص : أبالعرب تخوفنا موعدك ؟ أقسم الله لأوطئنه عليك الخيل ، ثم مضى عمرو حتى قدم المدينة على أبي بكر وأخبره الخبر قبل خروج خالد إليهم ، فتجاوز أبو بكر عن قرة بن هبيرة وعيينة بن حصن وحقن لهما دماءهما .

ولما فرغ خالد بن الوليد من بيعة بني عامر وبني أسد قال : إن الخليفة قد عهد إلي أن أسير إلى أرض بني غانم ، فسار حتى نزل بأرضهم ، وبث فيها السرايا ، فلم يلق بها جمعا ، وأتى بمالك بن نويرة في رهط من بني تميم وبني حنظلة ، فأمر بهم فضربت أعناقهم ، وتزوج مكانه أم تميم امرأة مالك بن نويرة ، فشهد أبو قتادة لمالك بن نويرة بالإسلام عند أبي بكر ، ثم رجع خالد يؤم المدينة ، فلما قدمها دخل المسجد ، وعليه درع معتجرا بعمامة ، وعليه قباء عليه صدأ الحديد ، قد غرز في عمامته أسهما ، فقام إليه عمر بن الخطاب فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ، ثم قال : أقتلت امرأ مسلما مالك بن نويرة ، ثم تزوجت امرأته ، والله لنرجمنك بأحجارك وخالد ج٢ / ص١٧٠ابن الوليد لا يكلمه ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر ، حتى دخل على أبي بكر فأخبره الخبر ، واعتذر إليه أنه لم يعلم ، فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان منه في حربه تلك ، فخرج خالد من عنده ، وعمر جالس في المسجد فقال : هلم إلي ابن أم شملة ، فعرف أن أبا بكر قد رضي عنه ، فلم يكلمه ، فقام فدخل بيته . ثم ماتت فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أبيها بستة أشهر ، فدفنها علي ليلا ، ولم يؤذن به أبا بكر ولا عمر ، وكان لعلي جهة من الناس حياة فاطمة ، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي ، فلما رأى انصراف الناس ضرع علي إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ، ولا تأتنا معك بأحد ، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدته ، فقال عمر : لا تأتهم وحدك ، فقال أبو بكر : والله لآتينهم وحدي ، وما عسى أن يصنعوا بي ، فانطلق أبو بكر وحده حتى دخل على علي ، وقد جمع بني هاشم عنده ، فقام علي وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا ج٢ / ص١٧١فاستبددت به علينا ، ثم ذكر قرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحقهم ، ولم يزل علي يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر ، فلما صمت علي تشهد أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، والله لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وإني والله ما أعلم في هذه الأمور التي كانت بيني وبين علي إلا الخير ، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا نورث ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذه المال قوتا . وإني والله لا أدع أمرا صنع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا صنعته إن شاء الله ، ثم قال : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ، ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به ، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه ، وأقبل الناس على علي فقالوا : أصبت وأحسنت .

ثم توفي عبد الله بن أبي بكر الصديق ، وكان أصابه سهم بالطائف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رماه ابن محجن ثم دمل الجرح ، فمات في شوال بعد الظهر ، ونزل حفرته عبد الرحمن بن أبي بكر ، وعمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله ، ودخل عمر على أبي بكر وهو آخذ بلسانه ينصنصه ج٢ / ص١٧٢فقال له عمر : يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الله الله ، فقال أبو بكر : هذا أوردني الموارد .

موقع حَـدِيث