استخلاف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
استخلاف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو الحسن الهاشمي ، وأمه فاطمة بنت أسد بن هشام بن عبد مناف ، وهاشم أخو هشام ، ومن زعم أنه أسد بن هاشم بن عبد مناف فقد وهم . أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي ، ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع ، قال : كان علي قد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر ، وكان به رمد ، فقال : أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فخرج ، فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأعطين الراية ، أو ليأخذن الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله يفتح الله عليه ، فإذا نحن بعلي ، وما نرجوه ، فقالوا : هذا علي ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففتح الله عليه .
قال أبو حاتم : لما كان من أمر عثمان ما كان قعد علي في بيته ، وأتاه الناس يهرعون إليه ، كلهم يقولون : أمير المؤمنين علي ، حتى دخلوا عليه داره ، وقالوا : نبايعك ، فإنه لا بد من أمير ، وأنت أحق ، فقال علي : ليس ذلك إليكم ، إنما ذلك لأهل بدر ، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة ، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا يطلبون البيعة وهو يأبى عليهم ، فجاء الأشتر مالك بن الحارث النخعي إلى علي ، فقال له : ما يمنعك أن تجيب هؤلاء إلى البيعة ؟ فقال : لا أفعل إلا عن ملأ وشورى . وجاء أهل مصر ، فقالوا : ابسط يدك نبايعك ، فوالله لقد قتل عثمان ، وكان قتله لله رضى ، فقال علي : كذبتم ، والله ما كان قتله لله رضى ؛ لقد قتلتموه بلا قود ولا حد ولا غيره ، وهرب مروان فطلب ، فلم يقدر عليه ، فلما رأى ذلك علي منهم خرج إلى المسجد ، وصعد المنبر ، وحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : يا أيها الناس ، رضيتم مني أن أكون عليكم أميرا ؟ فكان أول من صعد إليه المنبر طلحة فبايعه بيده ، وكان إصبع طلحة شلاء فرآه أعرابي يبايع ، فقال : يد شلاء وأمر لا يتم ، فتطير علي منها ، وقال : ما أخلفه أن يكون كذلك ، ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بلغ عليا أن سعدا وابن عمر ومحمد بن مسلمة يذكرون هنات ، فقام علي خطيبا ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، فقال : أيها الناس ، إنكم بايعتموني على ما بايعتم عليه أصحابي ، فإذا بايعتموني فلا خيار لكم علي ، وعلى الإمام الاستقامة ، وعلى الرعية التسليم ، وهذه بيعة عامة ، فمن ردها رغب عن دين المسلمين واتبع غير سبيلهم ، ولم تكن بيعته إياي فلتة ، وليس أمري وأمركم واحدا ، أريد الله وتريدونني لأنفسكم ، وايم الله لأنصحن الخصم ، ولأنصفن المظلوم . وقد أكثر الناس في قتل عثمان ، فمنهم من قد زعم أنه قتل ظالما ، ومنهم من قد زعم أنه قتل مظلوما ، وكان الإكثار في ذلك على طلحة والزبير .
قالت قريش : أيها الرجلان ، إنكما قد وقعتما في ألسن الناس في أمر عثمان فيما وقعتما فيه ، فقام طلحة في الناس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ، ما قلنا في عثمان أمس إلا نقول لكم فيه اليوم مثله أنه خلف الدنيا بالتوبة ، ومال عليه قوم فقتلوه ، وأمره إلى الله ، ثم قام الزبير فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا أيها الناس ، إن الله اختار من كل شيء شيئا ، واختار من الناس محمدا صلى الله عليه وسلم ، أرسله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، واختار من الشهور رمضان ، وأنزل فيه القرآن ، وفرض فيه الصيام ، واختار من الأيام يوم الجمعة فجعله عيدا لأهل الإسلام ، واختار من البلدان هذين الحرمين : مكة والمدينة ، فجعل بمكة البيت الحرام ، وجعل بالمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل ما بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة ، واختار من الشورى التسليم ، كما اختار هذه الأشياء ، فأذهبت الشورى بالهوى والتسليم بالشك ، وقد تشاورنا فرضينا عليا ، وأما إن قتل عثمان فأمره إلى الله . فلما رأى علي اختلاف الناس في قتل عثمان ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، أقبلوا علي بأسماعكم وأبصاركم ، إن الناس بين حق وباطل ، فلئن علا أمر الباطل لقديما ما فعل ، وإن يكن الحق قد غاب فلعل ، وإني أخاف أن أكون أنا وأنتم قد أصبحنا في فتنة ، وما علينا فيها إلا الاجتهاد ، الناس اثنان وثلاثة لا سادس لهم : ملك طار بجناحيه ، أو نبي أخذ الله بيده ، أو عامل مجتهد ، أو مؤمل يرجو ، أو مقصر في النار ، وإن الله أدب هذه الأمة بأدبين : بالسيف والسوط ، لا هوادة عند السلطان فيهما ، فاستتروا ، واستغفروا الله ، فأصلحوا ذات بينكم . ثم نزل ، وعمد إلى بيت المال ، وأخرج ما فيه ، وفرقه على المسلمين ، ثم بعث إلى سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ، فقال : لقد بلغني عنكم هنات ، فقال سعد : صدقوا ، لا أبايعك ، ولا أخرج معك حيث تخرج حتى تعطيني سيفا يعرف المؤمن من الكافر ، وقال له ابن عمر : أنشدك الله والرحم أن تحملني على ما لا أعرف ، والله لا أبايع حتى يجتمع المسلمون على من جمعهم الله عليه ، وقال محمد بن مسلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني إذا اختلف أصحابه ألا أدخل فيما بينهم ، وأن أضرب بسيفي صخر أحد ، فإذا انقطع أقعد في بيتي حتى يأتيني يد خاطئة أو منية قاضية ، وقد فعلت ذلك ، ثم دعا علي أسامة بن زيد ، وأراده على البيعة ، فقال أسامة : أما البيعة فإنني أبايعك ، أنت أحب الناس إلي وآثرهم عندي ، وأما القتال فإني عاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا الله ، فلما رآهم علي مختلفين ، قال : أخرجوني من هذه البيعة ، واختاروا لأنفسكم من أحببتم ، فسكتوا وقاموا وخرجوا ، فدخل عليه المغيرة بن شعبة ، فقال : يا أمير المؤمين ، إني مشير عليك بخلال ثلاث ، فافعل أيها شئت ، فقال : ما هي يا أعور ؟ فقال : إني أرى من الناس بعض التثاقل فيك ، فأرى أن تأتي بجمل ظهر فتركبه وتركض في الأرض هاربا من الناس ، فإنهم إذا رأوا ذلك منك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك وخيولا ، ثم ركضوا في أثرك ، حتى يدركوك حيث ما كنت ، ويقلدوك هذا الأمر على اجتماع منهم شئت أو أبيت ، فإن لم تفعل هذا ، فأقر معاوية على الشام كله ، واكتب إليه كتابا بذلك تذكر فيه من شرفه وشرف آبائه ، وأعلمه أنك ستكون له خيرا من عمر وعثمان ، واردد عمرو بن العاص على مصر ، واذكر في كتابك شرفه وقدمه ، فإنه رجل يقع الذكر منه موقعا ، فإذا ثبت الأمر أذنت لهما حينئذ في القدوم عليك تستخبرهما عن البلاد والناس ، ثم تبعث بعاملين وتقرهما عندك ، فإن أبيت ، فاخرج من هذه البلاد فإنها ليست ببلاد كراع وسلاح .
فقال علي : أما ما ذكرت من فراري من الناس ، فكيف أفر منهم وقد بايعوني ، وأما أمر معاوية وعمرو بن العاص ؛ فلا يسألني الله عن إقرارهما ساعة واحدة في سلطاني ، وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ، وأما خروجي من هذه البلاد إلى غيرها ، فإني ناظر في ذلك ، فخرج من عنده المغيرة ، ثم عاد وهو عازم على الخروج إلى الشام واللحوق بمعاوية ، فقال له : يا أمير المؤمنين أشرت عليك بالأمس في رأيي بمعاوية وعمرو ، إن الرأي أن تعاجلهم بالنزع ، فقد عرف السامع من غيره ، وتستقبل أمرك ، ثم خرج من عنده ، فلقيه ابن عباس خارجا وهو داخل ، فلما انتهى إليه قال : رأيت المغيرة خارجا من عندك ، فيم جاءك ؟ قال : جاءني أمس برأي واليوم برأي ، وأخبره بالرأيين ، فقال ابن عباس : أما أمس فقد نصحك ، وأما اليوم فقد غشك ، قال : فما الرأي ؟ قال ابن عباس : كان الرأي قبل اليوم ، قال : علي : علي ذلك ، قال : كان الرأي أن تخرج إلى مكة ، حتى تدخلها وتدخل دارا من دورها وتغلق عليك بابك ، فإن الناس لم يكونوا ليدعوك ، وإن قريشا كانت تضرب الصعب والذلول في طلبك ؛ لأنها لا تجد غيرك ، فأما اليوم فإن بني أمية يستحسنون الطلب بدم صاحبهم ، ويشبهون على الناس بأن يلزموك شعبة من أمره ، ويلطخونك من ذلك ببعض اللطخ ، فهم علي بالنهوض إلى الشام ليزور أهلها ، وينظر ما رأي معاوية وما هو صانع ، فجاءه أبو أيوب الأنصاري ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لو أقمت بهذه البلاد ؛ لأنها الدرع الحصينة ، ومهاجرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وبها قبره ومنبره ومادة الإسلام فإن استقامت لك العرب كنت فيها كمن كان ، وإن تشعب عليك قوم رميتهم بأعدائهم ، وإن ألجئت حينئذ إلى المسير سرت وقد أعذرت ، فقال علي : إن الرجال والأموال بالعراق ، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، ثم أخذ بما أشار عليه أبو أيوب الأنصاري ، وعزم على المقام بالمدينة ، وبعث العمال على الأمصار : فبعث عثمان بن حنيف على البصرة أميرا ، وعمارة بن حسان بن شهاب على الكوفة ، وعبيد الله بن عباس على اليمن ، وقيس بن سعد على مصر ، وسهل بن حنيف على الشام ، فأما سهل بن حنيف فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيه خيل من أهل الشام فقالوا له : من أنت ؟ قال : أمير . قالوا : على أي شيء ؟ قال : على الشام . قالوا : إن كان عثمان بعثك فحي هلا بك ، وإن كان بعثك غيره فارجع ، قال : ما سمعتم بالذي كان ؟ قالوا : بلى ، ولكن ارجع إلى بلدك ، فرجع إلى علي وإذا القوم أصحاب .
وأما قيس بن سعد ؛ فإنه انتهى إلى أيلة فلقيه طلائع فقالوا له : من أنت ؟ فقال : أنا من الأصحاب الذين قتلوا وشردوا من البلاد ، فأنا أطلب مدينة آوي إليها ، فقالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا قيس بن سعد بن عبادة ، فقالوا : امض بنا ، فمضى قيس حتى دخل مصر وأظهر لهم حاله ، وأخبرهم أنه ولي على مصر فافترق عليه أهل مصر فرقا : فرقة دخلت في الجماعة وبايعت ، وفرقة أمسكت واعتزلت ، وفرقة قالت : إن قيد من قتله عثمان فنحن معه وإلا فلا ، فكتب قيس بن سعد بجميع ما رأى من أهل مصر إلى علي . وأما عبيد الله بن عباس فإنه خرج منطلقا إلى اليمن ، لم يعانده أحد ولم يصده عنها صاد حتى دخلها ، فضبطها لعلي . وأما عمارة بن حسان بن شهاب فإنه أقبل عامدا إلى الكوفة ، حتى إذا كان بزبالة لقيه طليحة بن خويلد الأسدي وهو خارج إلى المدينة يطلب دم عثمان ، فقال طليحة : من أنت ؟ قال : أنا عمارة بن حسان بن شهاب ، قال : ما جاء بك ؟ قال : بعثت إلى الكوفة أميرا ، قال : ومن بعثك ؟ قال : أمير المؤمنين علي ، قال : الحق بطيتك ، فإن القوم لا يريدون بأميرهم أبي موسى الأشعري بدلا ، فرجع عمارة إلى علي وأخبره الخبر ، وأقام طليحة بزبالة .
وأما عثمان بن حنيف ؛ فإنه مضى يريد البصرة وعليها عبد الله بن عامر بن كريز ، وبلغ أهل البصرة قتل عثمان ، فقام ابن عامر فصعد المنبر وخطب وقال : إن خليفتكم قتل مظلوما ، وبيعته في أعناقكم ، ونصرته ميتا كنصرته حيا ، واليوم ما كان أمس ، وقد بايع الناس عليا ، ونحن طالبون بدم عثمان ، فأعدوا للحرب عدتها ، فقال له حارثة بن قدامة : يا ابن عامر إنك لم تملكنا عنوة ، وقد قتل عثمان بحضرة المهاجرين والأنصار ، وبايع الناس عليا ، فإن أقرك أطعناك ، وإن عزلك عصيناك ، فقال ابن عامر : موعدك الصبح ، فلما أمسى تهيأ للخروج ، وهيأ مراكبه وما يحتاج إليه ، واتخذ الليل جملا يريد المدينة ، واستخلف عبد الله بن عامر الحضرمي على البصرة ، فأصبح الناس يتشاورون في ابن عامر وأخبروا بخروجه ، فلما قدم ابن عامر المدينة أتى طلحة والزبير فقالا له : لا مرحبا بك ولا أهلا ، تركت العراق والأموال ، وأتيت المدينة خوفا من علي ، ووليتها غيرك ، واتخذت الليل جملا ، فهلا أقمت حتى يكون لك بالعراق فئة ، قال ابن عامر : فأما إذا قلتما هذا فلكما علي مائة ألف سيف وما أردتما من المال . ثم أتت أم كلثوم بنت علي أباها ، وكانت تحت عمر بن الخطاب ، فقالت له : إن عبد الله بن عمر رجل صالح ، وأنا أتكفل ما يجيء منه لك ، فلما كان من قدوم ابن عامر المدينة ، جاء ابن عمر إليها فقال : يا أماه ، إنك قد كفلت في ، وأنا أريد الخروج إلى العمرة الساعة ، ولست بداخل في شيء يكرهه أبوك ، غير أني ممسك حتى يجتمع الناس ، فإن شئت فأذني ، وإن شئت فابعثيني إلى أبيك ، قالت : لا بل اذهب في حفظ الله وتحت كنفه ، فانطلق ابن عمر معتمرا . فلما أصبح الناس أتوا عليا فقالوا : قد حدث البارحة حدث هو أشد من طلحة والزبير ومعاوية ، قال علي : وما ذاك ؟ قالوا : خرج ابن عمر إلى الشام ، فأتى علي السوق ، وجعل يعد طلابا ليرد ابن عمر ، فسمعت أم كلثوم بذلك ، فركبت بغلتها حتى أتت أباها ، فقالت : إن الأمر على غير ما بلغك ، وحدثته بما ذكر لها ابن عمر ، فطابت نفس علي بذلك ، فما انصرفوا من السوق حتى جاءهم بعض القدام من العمرة وأخبروه أنهم رأوا ابن عمر وآخر معه على حمارين محرمين بكساءين .
ثم كتب علي إلى معاوية : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان ، وما اجتمع الناس عليه من بيعتي فادخل في السلام كما دخل الناس ، وإلا فأذن بحرب كما يؤذن أهل الفرقة والسلام . وبعث كتابه مع سبرة الجهني والربيع بن سبرة ، فلما قدم سبرة بكتاب علي ودفعه إلى معاوية ، جعل يتردد في الجواب مدة ، فلما طال ذلك عليه ، دعا معاوية رجلا من عبس يدعى قبيصة فدفع إليه طومارا مختوما عنوانه : من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ، وقال له : إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار وأبرزه ، وأوصاه بما يقول ، وبعثه مع سبرة رسول علي ، فقدما المدينة ، فرفع العبسي الطومار كما أمر معاوية ، فخرج الناس ينظرون إليه ، وعلموا حينئذ أن معاوية معترض معاند ، فلما دخلا على علي ، دفع إليه العبسي الطومار ، ففض عن خاتمه فلم يجد في جوفه شيئا ، فقال لسبرة : ما وراءك ؟ قال : تركت قوما لا يرضون إلا بالقود ، وقد تركت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان ، فقال علي : أمني يطلبون دم عثمان . ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على الكوفة : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس الأشعري ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان ، وما اجتمع الناس عليه من بيعتي ، فادخل فيما دخل فيه الناس ، ورغب أهل ملكك في السمع والطاعة ، واكتب إلي بما كان منك ومنهم إن شاء الله ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ، وبعث الكتاب مع معبد الأسلمي ، فلما قدم معبد الكوفة ، دعا أبو موسى الأشعري الناس إلى طاعة علي فأجابوه طائعين ، وكتب إلى علي بن أبي طالب : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، لعبد الله علي أمير المؤمنين من عبد الله بن قيس سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، ودعوت من قبلي المسلمين فسمعوا وأطاعوا ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
ودفع كتابه إلى معبد . وكانت عائشة خرجت معتمرة ، فلما قضت عمرتها نزلت على باب المسجد واجتمع إليها الناس ، فقالت : أيها الناس ، إن الغوغاء من أهل الأمصار ، وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول بالأمس ظلما ، واستحلوا البلد الحرام ، وسفكوا الدم الحرام ، فقال عبد الله بن عامر : ها أنا ذا أول طالب بدمه ، فكان أول من انتدب لذلك . ولما كثر الاختلاف بالمدينة استأذن طلحة والزبير عليا في العمرة فقال لهما : ما العمرة تريدان ، وقد قلت لكما قبل بيعتكما لي : أيكما شاء بايعته ، فأبيتما إلا بيعتي ، وقد أذنت لكما ، فاذهبا راشدين ، فخرجا إلى مكة ، وتبعهما عبد الله بن عامر بن كريز ، فلما لحقهما قال لهما : ارتحلا فقد بلغتما حاجتكما ، فاجتمعوا مع عائشة بمكة وبها جماعة من بني أمية .
ثم جمع معاوية أهل الشام على محاربة علي ، والطلب بالقود من دم عثمان ، واحتال في قيس بن سعد بن عبادة وكان واليا على مصر ، وكتب إلى علي كتابا يمرغ فيه معاوية ، فلما قرأ علي الكتاب عزل قيسا وولى عليها محمد بن أبي بكر . وخرج قسطنطين بن هرقل بالمراكب يريد المسلمين ، فسلط الله عليهم ريحا قاصفا فغرقهم ، ونجا قسطنطين بن هرقل حتى انتهى إلى سقلية ، فصنعت الروم حماما ، فلما دخله قتلوه فيه وقالوا له : قتلت رجالنا . ثم حج بالناس عبد الله بن عباس ، أمره علي على الحج ، فلما انصرف أجمع طلحة والزبير على المسير بعائشة ، فقال طلحة : ما لنا أمر أبلغ في استمالة الناس إلينا من شخوص ابن عمر معنا ، وكان من أمره في عثمان وخلافه له على ما يعلمه من يعلمه ، فأتاه طلحة فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إن عائشة قصدت الإصلاح بين الناس فاشخص معنا فإن لنا بك أسوة ، فقال ابن عمر : أتخدعونني لتخرجوني كما تخرج الأرنب من جحرها ، إن الناس إنما يخدعون بالوصيف والوصيفة والدنانير والدراهم ، ولست من أولئك ، قد تركت هذا الأمر عيانا ، وأنا أدعى إليه في عافية ، فاطلبوا لأمركم غيري ، فقال طلحة : يغني الله عنك .
وقدم يعلى بن أمية من اليمن - وقد كان عاملا عليها - بأربعمائة من الإبل ، فدعاهم إلى الحملان ، فقال له الزبير : دعنا من إبلك هذه ، ولكن أقرضنا من هذا المال ، فأعطاه ستين ألف دينار ، وأعطى طلحة أربعين ألف دينار ، فتجهزوا وأعطوا من خف معهم .