غزوة بدر الكبرى من السيرة لابن إسحاق رواية البكائي
غزوة بدر الكبرى من السيرة لابن إسحاق ، رواية البكائي . قال ابن إسحاق : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام في عير لقريش وتجارة عظيمة ، فيها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش ؛ منهم : مخرمة بن نوفل ، وعمرو بن العاص . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذه عير قريش فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها .
فانتدب الناس ، فخف بعضهم ، وثقل بعض ، ظنا منهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يلقى حربا . واستشعر أبو سفيان فجهز منذرا إلى قريش يستنفرهم إلى أموالهم . فأسرعوا الخروج ، ولم يتخلف من أشرافهم أحد ، إلا أن أبا لهب قد بعث مكانه العاص أخا أبي جهل .
ولم يخرج أحد من بني عدي بن كعب . وكان أمية بن خلف شيخا جسيما فأجمع القعود . فأتاه عقبة بن أبي معيط - وهو في المسجد - بمجمرة وبخور فوضعها بين يديه ، وقال : أبا علي ، استجمر! فإنما أنت من النساء .
قال : قبحك الله . ثم تجهز وخرج معهم . وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثامن رمضان ، واستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم على الصلاة .
ثم رد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة . ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير . وكان أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رايتان سوداوان ؛ إحداهما مع علي ، والأخرى مع رجل أنصاري .
وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ . فكان مع المسلمين سبعون بعيرا يعتقبونها ، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلي ، ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيرا .
وكان أبو بكر ، وعمر ، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا . فلما قرب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصفراء بعث اثنين يتجسسان أمر أبي سفيان . وأتاه الخبر بخروج نفير قريش ، فاستشار الناس ، فقالوا : خيرا .
وقال المقداد بن عمرو : يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - له خيرا ودعا له . وقال سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك .
فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله ، وقال : سيروا وأبشروا ، فإن ربي قد وعدني إحدى الطائفتين : إما العير وإما النفير . وسار حتى نزل قريبا من بدر . فلما أمسى بعث عليا والزبير وسعدا في نفر إلى بدر يلتمسون الخبر .
فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم وأبو يسار من مواليهم ، فأتوا بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوهما فقالا : نحن سقاة لقريش . فكره الصحابة هذا الخبر ، ورجوا أن يكونوا سقاة للعير . فجعلوا يضربونهما ، فإذا آلمهما الضرب قالا : نحن من عير أبي سفيان .
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فلما سلم قال : إذا صدقا ضربتموهما ، وإذا كذبا تركتموهما . ثم قال : أخبراني أين قريش ؟ قالا : هم وراء هذا الكثيب . فسألهما : كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : عشرا من الإبل أو تسعا : فقال : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف .
وأما اللذان بعثهما النبي - صلى الله عليه وسلم - يتجسسان ، فأناخا بقرب ماء بدر واستقيا في شنهما . ومجدي بن عمرو بقربهما لم يفطنا به . فسمعا جاريتين من جواري الحي تقول إحداهما للأخرى : إنما تأتي العير غدا أو بعد غد ، فأعمل لهم ثم أقضيك .
فصرفهما مجدي ، وكان عينا لأبي سفيان . فرجعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه . ولما قرب أبو سفيان من بدر تقدم وحده حتى أتى ماء بدر فقال لمجدي : هل أحسست أحدا ؟ فذكر له الراكبين .
فأتى أبو سفيان مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيريهما ففته ، فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علائف يثرب . فرجع سريعا فصرف العير عن طريقها ، وأخذ طريق الساحل فنجى ، وأرسل يخبر قريشا أنه قد نجا فارجعوا . فأبى أبو جهل وقال : والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ، ونقيم عليه ثلاثا ، فتهابنا العرب أبدا .
ورجع الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة ببني زهرة كلهم ، وكان فيهم مطاعا . ثم نزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادي . وسبق النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ماء بدر .
ومنع قريشا من السبق إلى الماء مطر عظيم لم يصب المسلمين منه إلا ما لبد لهم الأرض . فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة . فقال الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ، أمنزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال : بل الرأي والحرب والمكيدة .
قال : يا رسول الله ، إن هذا ليس لك بمنزل ، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ، فنشرب ولا يشربون . فاستحسن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من رأيه ، وفعل ما أشار به ، وأمر بالقلب فغورت ، وبنى حوضا وملأه ماء . وبني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عريش يكون فيه ، ومشى النبي - صلى الله عليه وسلم - على موضع الوقعة ، فأرى أصحابه مصارع قريش ، يقول : هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان .
قال : فما عدا واحد منهم مصرعه ذلك . ثم بعثت قريش فحزروا المسلمين . وكان فيهم فارسان : المقداد والزبير .
وأراد عتبة بن ربيعة ، وحكيم بن حزام قريشا على الرجوع فأبوا ، وكان الذي صمم على القتال أبو جهل ، فارتحلوا من الغد قاصدين نحو الماء . فلما رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلين قال : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحتفهم الغداة . وقال - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل أحمر – إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشدوا .
وكان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري بعث إلى قريش ، حين مروا به ، ابنا بجزائر هدية ، وقال : إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا . فأرسلوا إليه : أن وصلتك رحم ، قد قضيت الذي ينبغي ، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا ضعف ، وإن كنا إنما نقاتل الله ، كما يزعم محمد ، ما لأحد بالله من طاقة . فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعوهم .
فما شرب رجل يومئذ إلا قتل ، إلا ما كان من حكيم بن حزام . ثم إنه أسلم بعد ذلك ، وكان إذا اجتهد في يمينه قال : لا والذي نجاني يوم بدر . ثم بعثت قريش عمير بن وهب الجمحي ليحزر المسلمين .
فجال بفرسه حول العسكر ، ثم رجع فقال : هم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصونه ، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمين أو مدد ؟ وضرب في الوادي ، فلم ير شيئا فرجع إليهم فقال : ما رأيت شيئا ، ولكني قد رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع . قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم . فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي .
قال : قد فعلت . أنت علي بذلك ، إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله . فائت ابن الحنظلية - والحنظلية أم أبي جهل - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره .
ثم قام عتبة خطيبا فقال : يا معشر قريش ، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا . والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه وابن خاله أو رجلا من عشيرته . فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون .
قال حكيم : فأتيت أبا جهل فوجدته قد شد درعا من جرابها فهو يهيؤها فقلت له : يا أبا الحكم ، إن عتبة قد أرسلني بكذا وكذا . فقال : انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه . كلا ، والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد .
وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه قد تخوفكم عليه . ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال : هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك . فقام عامر فكشف رأسه وصرخ : واعمراه ، واعمراه .
فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر . وأفسد على الناس رأي عتبة الذي دعاهم إليه . فلما بلغ عتبة قول أبي جهل : انتفخ والله سحره ، قال : سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره .
ثم التمس عتبة بيضة لرأسه ، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته ، فاعتجر على رأسه ببرد له . وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي - وكان شرسا سيئ الخلق - فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه . وأتاه فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - ، فالتقيا فضربه حمزة فقطع ساقه ، وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دما .
ثم جاء إلى الحوض حتى اقتحم فيه ليبر يمينه ، واتبعه حمزة فقتله في الحوض . ثم إن عتبة بن ربيعة خرج للمبارزة بين أخيه شيبة ، وابنه الوليد بن عتبة ، ودعوا للمبارزة ، فخرج إليه عوف ومعوذ ابنا عفراء وآخر من الأنصار . فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : من الأنصار .
قالوا : ما لنا بكم من حاجة ، ليخرج إلينا أكفاؤنا من قومنا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قم يا عبيدة بن الحارث ، ويا حمزة ، ويا علي . فلما دنوا منهم ، قالوا : من أنتم ؟ فتسموا لهم .
فقال : أكفاء كرام . فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد . فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله .
وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله . واختلف عتبة وعبيدة بينهما ضربتين : كلاهما أثبت صاحبه . وكر علي وحمزة على عتبة فدففا عليه .
واحتملا عبيدة إلى أصحابهما . والصحيح - كما سيأتي - إنما بارز حمزة عتبة ، وعلي شيبة ، والله أعلم . ثم تزاحف الجمعان .
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال : انضحوهم عنكم بالنبل . وهو - صلى الله عليه وسلم - في العريش ، معه أبو بكر . وذلك يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة رمضان .
قال سفيان ، عن قتادة : إن وقعة بدر صبيحة يوم الجمعة سابع عشر رمضان . وقال قرة بن خالد : سألت عبد الرحمن بن القاسم عن ليلة القدر ، فقال : كان زيد بن ثابت يعظم سابع عشرة ويقول : هي وقعة بدر . وكذلك قال إسماعيل السدي وغيره في تاريخ يوم بدر ، وقاله عروة بن الزبير ، ورواه خالد بن عبد الله الواسطي ، عن عمرو بن يحيى ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال : كانت صبيحة بدر سبع عشرة من رمضان ؛ لكن روى قتيبة عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود في ليلة القدر قال : تحروها لإحدى عشرة بقين ، صبيحتها يوم بدر ، كذا قال ابن مسعود ، والمشهور ما قبله .
ثم عدل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفوف بنفسه ، ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر فقط . فجعل يناشد ربه ويقول : يا رب إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض . وأبو بكر يقول : يا نبي الله ، بعض مناشدتك ربك .
فإن الله منجز لك ما وعدك . ثم خفق - صلى الله عليه وسلم - ، فانتبه وقال : أبشر يا أبا بكر ، أتاك النصر ، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النقع . فرمي مهجع - مولى عمر - بسهم ، فكان أول قتيل في سبيل الله .
ثم رمي حارثة بن سراقة النجاري بسهم وهو يشرب من الحوض ، فقتل . ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس يحرضهم على القتال . فقاتل عمير بن الحمام حتى قتل .
ثم قاتل عوف ابن عفراء - وهي أمه - حتى قتل . ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمى المشركين بحفنة من الحصباء وقال : شاهت الوجوه . وقال لأصحابه : شدوا عليهم .
فكانت الهزيمة ، وقتل الله من قتل من صناديد الكفر : فقتل سبعون وأسر مثلهم . ورجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى العريش . وقام سعد بن معاذ على الباب بالسيف في نفر من الأنصار ، يخافون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرة العدو .
ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي أحدا من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث فلا يقتله ، ومن لقي العباس فلا يقتله ؛ فإنه إنما خرج مستكرها . فقال أبو حذيفة : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس ؟ والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف . فبلغت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لعمر : يا أبا حفص ، أيضرب وجه عم رسول الله ؟ فقال عمر : دعني فلأضرب عنق هذا المنافق .
فكان أبو حذيفة يقول : ما أنا آمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ، ولا أزال منها خائفا ، إلا أن تكفرها عني الشهادة . فاستشهد يوم اليمامة . وكان أبو البختري أكف القوم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقام في نقض الصحيفة .
فلقيه المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار ، فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهانا عن قتلك . فقال : وزميلي جنادة الليثي ؟ فقال المجذر : لا والله ما أمرنا إلا بك وحدك . فقال : لأموتن أنا وهو ، لا يتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة .
فاقتتلا ، فقتله المجذر . ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر ، فآتيك به ، فأبى إلا أن يقاتلني . وعن عبد الرحمن بن عوف : كان أمية بن خلف صديقا لي بمكة .
قال فمررت به ومعي أدراع قد استلبتها ، فقال لي : هل لك في ، فأنا خير لك من الأدراع ؟ قلت : نعم ، ها الله إذا . وطرحت الأدراع ، فأخذت بيده ويد ابنه ، وهو يقول : ما رأيت كاليوم قط ، أما لكم حاجة في اللبن ؟ يعني : من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن . ثم جئت أمشي بهما ، فقال لي أمية : من الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره ؟ قلت : حمزة .
قال : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل . فوالله إني لأقودهما ، إذ رآه بلال ؛ وكان يعذب بلالا بمكة ، فلما رآه قال : رأس الكفر أمية بن خلف ؟ لا نجوت إن نجا . قلت : أي بلال ، أبأسيري ؟ قال : لا نجوت إن نجا .
قال : أتسمع يا ابن السوداء ما تقول ؟ ثم صرخ بلال بأعلى صوته : يا أنصار الله ، رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا . قال : فأحاطوا بنا ، وأنا أذب عنه . فأخلف رجل السيف ، فضرب رجل ابنه فوقع ، فصاح أمية صيحة عظيمة ، فقلت : انج بنفسك ، ولا نجاء ، فوالله ما أغني عنك شيئا .
فهبروهما بأسيافهم . فكان يقول : رحم الله بلالا ، ذهبت أدراعي ، وفجعني بأسيري . وعن ابن عباس ، عن رجل من غفار قال : أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ، ونحن مشركان ، ننتظر الدائرة على من تكون ، فننتهب مع من ينتهب ، فبينا نحن في الجبل ، إذ دنت منا سحابة ، فسمعت فيها حمحمة الخيل ، فسمعت قائلا يقول : أقدم حيزوم .
فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه ، وأما أنا فكدت أهلك ، ثم تماسكت . رواه عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عمن حدثه ، عن ابن عباس . وروى الذي بعده ابن حزم عمن حدثه من بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قال : لو كان معي بصري وكنت ببدر لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة .
قال ابن إسحاق : فحدثني أبي ، عن رجال ، عن أبي داود المازني قال : إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه بالسيف ، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أنه قتله غيري . وعن ابن عباس قال : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر . وأما أبو جهل بن هشام فاحتمى في مثل الحرجة - وهو الشجر الملتف - وبقي أصحابه يقولون : أبو الحكم لا يوصل إليه .
قال معاذ بن عمرو بن الجموح : فلما سمعتها جعلته من شأني ، فصمدت نحوه ، فلما أمكنني حملت عليه فضربت ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه . فوالله ما أشبهها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها . فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي ، فتعلقت بجلدة من جنبي ، وأجهضني القتال عنه .
فلقد قاتلت عامة يومي ، وإني لأسحبها خلفي . فلما آذتني وضعت عليها قدمي . ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها .
قال : ثم عاش بعد ذلك إلى زمن عثمان . ثم مر بأبي جهل معوذ بن عفراء ، فضربه حتى أثبته ، وتركه وبه رمق . وقاتل معوذ حتى قتل .
وقتل أخوه عوف قبله . واسم أبيهما : الحارث بن رفاعة بن الحارث الزرقي . ثم مر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتماسه ، وقال فيما بلغنا : إن خفي عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرح في ركبته ، فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ، ونحن غلامان ؛ وكنت أشف منه بيسير ، فدفعته ، فوقع على ركبته فجحش فيها .
قال ابن مسعود : فوجدته بآخر رمق ، فوضعت رجلي على عنقه . وقد كان ضبث بي مرة بمكة ، فآذاني ولكزني . فقلت له : هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال : وبماذا أخزاني ، وهل فوق رجل قتلتموه ؟ أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قلت : لله ولرسوله .
ثم قال : لقد ارتقيت ، يا رويعي الغنم مرتقى صعبا . قال : فاحتززت رأسه وجئت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، هذا رأس عدو الله أبي جهل . قال : آلله الذي لا إله غيره ؟ قلت : نعم .
وألقيت رأسه بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - . ثم أمر بالقتلى أن يطرحوا في قليب هناك . فطرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف ، فإنه انتفخ في درعه فملأها ، فذهبوا ليخرجوه فتزايل ، فأقروه به ، وألقوا عليه التراب فغيبوه .
فلما ألقوا في القليب ، وقف عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا . فقالوا : يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا ؟ فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا . وفي رواية : فناداهم في جوف الليل : يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام .
فعدد من كان في القليب . زاد ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : يا أهل القليب ، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ؛ كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس . وعن أنس : لما سحب عتبة بن ربيعة إلى القليب نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجه أبي حذيفة ابنه ، فإذا هو كئيب متغير .
فقال : لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء ؟ قال : لا والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكني كنت أعرف منه رأيا وحلما ، فكنت أرجو أن يسلم ، فلما رأيت ما أصابه وما مات عليه أحزنني ذلك . فدعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له خيرا . وكان الحارث بن ربيعة بن الأسود ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه بن الحجاج قد أسلموا .
فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - حبسهم آباؤهم وعشائرهم ، وفتنوهم عن الدين فافتتنوا - نعوذ بالله من فتنة الدين - ثم ساروا مع قومهم يوم بدر ، فقتلوا جميعا . وفيهم نزلت إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الآية . وعن عبادة بن الصامت قال : فينا أهل بدر نزلت الأنفال حين تنازعنا في الغنيمة وساءت فيها أخلاقنا .
فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسوله . فقسمه بين المسلمين على السواء . ثم بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة ، وزيد بن حارثة ، بشيرين إلى المدينة .
قال أسامة : أتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبرها . كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفني عليها مع عثمان . ثم قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه الأسارى ؛ فيهم : عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث .
فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل . فلما أتى الروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بالفتح . فقال لهم سلمة بن سلامة : ما الذي تهنئونا به ؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز ضلعا كالبدن المعقلة فنحرناها .
فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : أي ابن أخي ، أولئك الملأ - يعني الأشراف والرؤساء - . ثم قتل النضر بن الحارث العبدري بالصفراء . وقتل بعرق الظبية عقبة بن أبي معيط .
فقال عقبة حين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله : فمن للصبية يا محمد ؟ قال : النار . فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، وقيل : علي . وقال حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن الشعبي قال : لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل عقبة قال : أتقتلني يا محمد من بين قريش ؟ قال : نعم ، أتدرون ما صنع هذا بي ؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها ، فما رفع حتى ظننت أن عيني ستندران .
وجاء مرة أخرى بسلى شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد ، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي .