غزوة ذي قرد
غزوة ذي قرد ثم قدم المدينة فأقام بها ليالي ، فأغار عيينة بن حصن في خيل من غطفان على لقاح النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغابة ، وفيها رجل من بني غفار وامرأة ، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح . وكان أول من نذر بهم سلمة بن الأكوع ، غدا يريد الغابة ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرسه ، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية من سلع ، ثم صرخ : واصباحاه ، ثم خرج يشتد في آثار القوم ، وكان مثل السبع ، حتى لحق بالقوم . وجعل يردهم بنبله ، فإذا وجهت الخيل نحوه هرب ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى .
وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك فصرخ بالمدينة : الفزع الفزع . فترامت الخيول إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المقداد ، وعباد بن بشر ، وأسيد بن ظهير ، وعكاشة بن محصن وغيرهم . فأمر عليهم سعد بن زيد ، ثم قال : اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس .
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لأبي عياش : لو أعطيت فرسك رجلا أفرس منك ؟ فقلت : يا رسول الله أنا أفرس الناس . وضربت الفرس فوالله ما مشى بي إلا خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أعطيته أفرس منك وجوابي له . ولم يكن سلمة بن الأكوع يومئذ فارسا ، وكان أول من لحق القوم على رجليه .
وتلاحق الفرسان في طلب القوم . فأول من أدركهم محرز بن نضلة الأسدي . فأدركهم ووقف لهم بين أيديهم ثم قال : قفوا يا معشر بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المسلمين .
فحمل عليه رجل منهم فقتله . ولم يقتل من المسلمين سواه . قال عبد الملك بن هشام : وقتل يومئذ من المسلمين وقاص بن مجزز المدلجي .
وقال البكائي عن ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن مجززا إنما كان على فرس عكاشة يقال له الجناح ، فقتل مجزز واستلب الجناح . ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة بن ربعي حبيب بن عيينة بن حصن ، وغشاه ببرده ، ثم لحق بالناس . وأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمسلمين ، فاسترجعوا وقالوا : قتل أبو قتادة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل لأبي قتادة وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه .
وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار ، كلاهما على بعير ، فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا . واستنقذوا بعض اللقاح . وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل بالجبل من ذي قرد ، وتلاحق الناس ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به ، وأقام عليه يوما وليلة .
وقال سلمة : يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني : إنهم الآن ليغبقون في غطفان . فقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه ، في كل مائة رجل ، جزورا .
وأقاموا عليها ثم رجعوا إلى المدينة . قال : وانفلتت امرأة الغفاري على ناقة من إبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قدمت عليه ، وقالت : إني نذرت لله أن أنحرها إن نجاني الله عليها . قال : فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها ، إنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ، إنما هي ناقة من إبلي ، ارجعي على بركة الله .
قلت : هذه الغزوة تسمى غزوة الغابة ، وتسمى غزوة ذي قرد . وذكر ابن إسحاق وغيره : أنها كانت في سنة ست . وأخرج مسلم أنها كانت زمن الحديبية .
قال أبو النضر هاشم بن القاسم : حدثنا عكرمة بن عمار ، قال : حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه ، قال : قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجت أنا ورباح - غلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أنديه مع الإبل . فلما كان بغلس ، أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل . فقلت : يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة وأخبر رسول الله الخبر .
وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات : يا صباحاه . ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي ، فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر ، فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت ، فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به . فجعلت أرميهم وأقول : أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فألحق برجل منهم فأرميه وهو على راحلة رحله ، فيقع سهمي في الرحل حتى انتظمت كتفه ، فقلت : خذها وأنا ابن الأكوع .
وكنت إذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فردأتهم بالحجارة ، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم فأرتجز ، حتى ما خلق الله شيئا من سرح النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا خلفته ورائي واستنقذته من أيديهم . ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا مد الضحاء أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم ، وهم في ثنية ضيقة . ثم علوت الجبل ، فقال عيينة : ما هذا الذي أرى ؟ قالوا : لقينا من هذا البرح ، ما فارقنا بسحر حتى الآن ، وأخذ كل شيء كان في أيدينا وجعله وراء ظهره .
فقال عيينة : لولا أن هذا يرى أن وراءه مددا لقد ترككم ، ليقم إليه نفر منكم . فقام إلي أربعة فصعدوا في الجبل . فلما أسمعتهم الصوت قلت : أتعرفوني ؟ قالوا : ومن أنت ؟ قلت : أنا ابن الأكوع ، والذي كرم وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني .
قال رجل منهم : إني أظن - يعني كما قال - فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخللون الشجر ، وإذا أولهم الأخرم الأسدي ، وعلى إثره أبو قتادة ، وعلى إثره المقداد . فولى المشركون . فأنزل من الجبل فأعترض الأخرم فآخذ عنان فرسه فقلت : يا أخرم انذر القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقطعوك ، فاتئد حتى يلحق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فقال : إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل بيني وبين الشهادة ، قال : فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن ابن عيينة وطعنه عبد الرحمن فقتله .
وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم فيلحق أبو قتادة به ، فاختلفا طعنتين ، فعقر بأبي قتادة ، وقتله أبو قتادة ، وتحول على فرس الأخرم . ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحابي شيئا . ويعرضون قبل المغيب إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد ، فأرادوا أن يشربوا منه ، فأبصروني أعدو وراءهم ، فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ، ثنية ذي تير ، وغربت الشمس ، فألحق رجلا فأرميه فقلت : خذها وأنا ابن الأكوع .
قال : فقال : يا ثكل أمي ، أكوعي بكرة ؟ قلت : نعم يا عدو نفسه ، وكان الذي رميته بكرة ، فأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان . ويخلفون فرسين فجبذتهما أسوقهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على الماء الذي جليتهم عنه ذو قرد ، فإذا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في خمس مائة ، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت ، فهو يشوي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقلت : يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة واحدة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر قال : أكنت فاعلا يا سلمة ؟ قلت : نعم ، والذي أكرمك .
فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رأيت نواجذه في ضوء النار . ثم قال : إنهم يقرون الآن بأرض غطفان . فجاء رجل من غطفان فقال : مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا ، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة ، فتركوها وخرجوا هرابا .
فلما أصبحنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة . وأعطاني سهم الراجل والفارس جميعا . ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة .
فلما كان بيننا وبينها قريبا من ضحوة ، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق ، فجعل ينادي : هل من مسابق ؟ وكرر ذلك . فقلت له : أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا ؟ قال : لا ، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابقه .
قال : إن شئت . قلت : اذهب إليك . فطفر عن راحلته ، وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة .
ثم إني ربطت عليه شرفا أو شرفين - يعني استبقيت نفسي - ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي . قلت : سبقتك والله . فضحك وقال : إن أظن حتى قدمنا إلى المدينة .
أخرجه مسلم عن شيخ ، عن هاشم . قرأت على أبي الحسن علي بن عبد الغني الحراني بمصر ، وعلى أبي الحسن علي بن أحمد الهاشمي بالإسكندرية ، وعلى أبي سعيد سنقر بن عبد الله بحلب ، وعلى أحمد بن سليمان المقدسي بقاسيون ، وأخبرنا محمد بن عبد السلام الفقيه ، وأبو الغنائم بن محاسن ، وعمر بن إبراهيم الأديب ، قالوا : أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي بكر بن روزبة . ( ح ) وقرأت على أبي الحسين اليونيني ، ومحمد بن هاشم العباسي ، وإسماعيل بن عثمان الفقيه ، ومحمد بن حازم ، وعلي بن بقاء ، وأحمد بن عبد الله بن عزيز ، وخلق سواهم : أخبركم أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر ابن الزبيدي قالا : أخبرنا أبو الوقت السجزي ، قال : أخبرنا أبو الحسن الداودي ، قال أخبرنا أبو محمد بن حمويه ، قال : أخبرنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : حدثنا مكي بن إبراهيم ، قال : حدثنا يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة أنه أخبره قال : خرجت من المدينة ذاهبا نحو الغابة ، حتى إذا كنت بثنية الغابة لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف ، قلت : ويحك ما بك ؟ قال : أخذت لقاح النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قلت : من أخذها ؟ قال : غطفان وفزارة . فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها : يا صباحاه ، يا صباحاه . ثم اندفعت حتى ألقاهم وقد أخذوها ، فجعلت أرميهم وأقول : أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا .
فأقبلت بها أسوقها ، فلقيني النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : يا رسول الله إن القوم عطاش ، وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم ، فابعث في أثرهم فقال : يا ابن الأكوع ملكت فأسجح ، إن القوم يقرون في قومهم .