وفي رجب غزوة تبوك
وفي رجب غزوة تبوك قال ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلما كان يخرج في غزوة إلا أظهر أنه يريد غيرها ، إلا غزوة تبوك فإنه قال : أيها الناس ، إني أريد الروم . فأعلمهم . وذلك في شدة الحر وجدب من البلاد .
وحين طابت الثمار؛ والناس يحبون المقام في ثمارهم . فبينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم في جهازه ، إذ قال للجد بن قيس : يا جد ، هل لك في بنات بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله ، لقد علم قومي أنه ليس أحد أشد عجبا بالنساء مني . وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتنني ، فائذن لي يا رسول الله .
فأعرض عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : قد أذنت لك . فنزلت وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا قال : وقال رجل من المنافقين : لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ فنزلت : قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ولم ينفق أحد أعظم من نفقة عثمان ، وحمل على مائتي بعير . قال عمرو بن مرزوق : حدثنا السكن بن أبي كريمة ، عن الوليد بن أبي هشام ، عن فرقد أبي طلحة ، عن عبد الرحمن بن خباب ، قال : شهدت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحث على جيش العسرة ، قال : فقام عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقال : يا رسول الله ، علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله .
قال : ثم حث ثانية ، فقام عثمان فقال : يا رسول الله ، علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله . ثم حض - أو قال : حث - الثالثة ، فقام عثمان فقال : يا رسول الله ، علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله . قال عبد الرحمن : أنا شهدت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقول على المنبر : ما على عثمان ما عمل بعد اليوم .
أو قال : بعدها . رواه أبو داود الطيالسي وغيره ، عن السكن بن المغيرة . وقال ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن عبد الله بن القاسم ، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة ، عن مولاه ، قال : جاء عثمان إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بألف دينار حين جهز جيش العسرة ، ففرغها في حجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فجعل يقلبها ويقول : ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم .
قالها مرارا . وقال بريد عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ : أَرْسَلَنِى أَصْحَابِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْأَلُهُ لهم الْحُمْلاَنَ ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِى جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَهْىَ غَزْوَةُ تَبُوكَ . . وذكر الحديث .
متفق عليه . وقال : وروى عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس في غزوة تبوك قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالصدقة والنفقة في سبيل الله فأنفقوا احتسابا . وأنفق رجال غير محتسبين .
وحمل رجال من فقراء المسلمين وبقي أناس . وأفضل ما تصدق به يومئذ أحد عبد الرحمن بن عوف ؛ تصدق بمائتي أوقية ، وتصدق عمر بمائة أوقية ، وتصدق عاصم الأنصاري بتسعين وسقا من تمر . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعبد الرحمن : هل تركت لأهلك شيئا ؟ قال : نعم أكثر مما أنفقت وأطيب .
قال : كم ؟ قال : ما وعد الله ورسوله من الرزق والخير . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وقال ابن إسحاق : ثم إن رجالا أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم البكاؤون ، وهم سبعة منهم من الأنصار : سالم بن عمير ، وعلبة بن زيد ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ، وعمرو بن الحمام بن الجموح ، وعبد الله بن المغفل؛ وبعضهم يقول : عبد الله بن عمرو المزني؛ وهرم بن عبد الله ، والعرباض بن سارية الفزاري .
فاستحملوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكانوا أهل حاجة ، فقال : لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ فبلغني أن يامين بن عمرو لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال : ما يبكيكما ؟ فقالا : جئنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليحملنا ، فلم نجد عنده ما يحملنا ، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج . فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من لبن . وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى ما شاء الله ، ثم بكى وقال : اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه ، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به ، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه ، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض .
ثم أصبح مع الناس فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أين المتصدق هذه الليلة ؟ فلم يقم أحد . ثم قال : أين المتصدق ؟ فليقم . فقام إليه فأخبره .
فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أبشر ، فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة . وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ فاعتذروا فلم يعذرهم الله . فذكر أنهم نفر من بني غفار .
قال : وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حتى تخلفوا عن غير شك ولا ارتياب ، منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة ، ومرارة بن الربيع أحد بني عمرو بن عوف ، وهلال بن أمية أخو بني واقف ، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف . وكانوا رهط صدق . ثم خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الخميس ، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري .
فلما خرج ضرب عسكره على ثنية الوداع ، ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس . وضرب عبد الله بن أبي ابن سلول عسكره على ذي حدة عسكره أسفل منه ، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين . فلما سار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تخلف عنه ابن سلول فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب .
وخلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب على أهله ، وأمره بالإقامة فيهم ، فأرجف به المنافقون وقالوا : ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه . فلما قال ذلك المنافقون ، أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو نازل بالجرف ، فقال : يا رسول الله ، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني تستثقلني وتخفف مني . قال : كذبوا ، ولكن خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي .
فرجع إلى المدينة . وأخرجا في الصحيحين من حديث الحكم بن عتيبة ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه ، قال : خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليا في غزوة تبوك . فقال : يا رسول الله ، أتخلفني في النساء والصبيان ؟ قال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي .
ورواه عامر ، وإبراهيم ابنا سعد بن أبي وقاص ، عن أبيهما . قال ابن إسحاق : حدثني بريدة بن سفيان ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : لما سار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تبوك ، جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون : يا رسول الله ، تخلف فلان . فيقول : دعوه ، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه .
حتى قيل : يا رسول الله ، تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره ، فقال : دعوه ، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه . فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ، ثم خرج يتبع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماشيا . ونزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض منازله ، ونظر ناظر من المسلمين فقال : يا رسول الله ، إن هذا لرجل يمشي على الطريق .
فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كن أبا ذر . فلما تأمله القوم قالوا : هو والله أبو ذر . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يرحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده .
فضرب الدهر من ضربه ، وسير أبو ذر إلى الربذة ، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه : إذا مت فاغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق ، فأول ركب يمرون بكم فقولوا : هذا أبو ذر . فلما مات فعلوا به ذلك . فاطلع ركب ، فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ سريره ، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة .
فقال : ما هذا ؟ فقيل : جنازة أبي ذر . فاستهل ابن مسعود يبكي ، فقال : صدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يرحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده . فنزل ، فوليه بنفسه حتى أجنه .
وقال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، أن أبا خيثمة ، أحد بني سالم ، رجع - بعد مسير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أياما - إلى أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها ، وبردت له فيه ماء ، وهيأت له فيه طعاما . فلما دخل قام على باب العريش فقال : رسول الله في الضح والريح والحر ، وأنا في ظل بارد وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ، في مالي مقيم ؟ ما هذا بالنصف . ثم قال : لا ، والله ، لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فهيئا لي زادا .
ففعلتا . ثم قدم ناضحه فارتحله . ثم خرج في طلب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حتى أدركه بتبوك حين نزلها .
وقد كان أدركه عمير بن وهب في الطريق فترافقا ، حتى إذا دنوا من تبوك ، قال أبو خيثمة لعمير : إن لي ذنبا ، تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففعل . فسار حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا خيثمة . فقالوا : هو والله أبو خيثمة ، فأقبل وسلم ، فقال له : أولى لك أبا خيثمة . ثم أخبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبر ، فقال له خيرا .
وقال ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة . وقاله موسى بن عقبة . فذكرا نحوا من سياق ابن إسحاق .
وقال معمر ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل : في قوله تعالى اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ قال : خرجوا في غزوة تبوك ، الرجلان والثلاثة على بعير ، وخرجوا في حر شديد ، فأصابهم يوما عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها . وقال مالك بن مغول ، عن طلحة بن مصرف ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : كنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسير ، فنفدت أزواد القوم ، حتى هم أحدهم بنحر بعض حمائلهم . . الحديث .
رواه مسلم . وقال الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أو عن أبي سعيد؛ شك الأعمش؛ قال : لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة ، فقالوا : يا رسول الله ، لو أذنت لنا فننحر نواضحنا ، فأكلنا وادهنا . فقال : أفعل .
فجاء عمر فقال : يا رسول الله ، إن فعلت قل الظهر ، ولكن ادع بفضل أزوادهم ، وادع الله لهم فيها بالبركة . فقال : نعم . فدعا بنطع فبسطه ، ثم دعا بفضل أزوداهم .
فجعل الرجل يأتي بكف ذرة ، ويجيء الآخر بكف تمر ، ويجيء الآخر بكسرة ، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير . فدعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبركة ، ثم قال لهم : خذوا في أوعيتكم . حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه ، وأكلوا حتى شبعوا ، وفضلت فضلة ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله؛ لا يلقى الله بها عبد غير شاك ، فيحجب عن الجنة .
أخرجه مسلم . وقال عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عتبة بن أبي عتبة ، عن نافع بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه قيل لعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حدثنا من شأن العسرة . فقال : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل ، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده .
فقال أبو بكر : يا رسول الله ، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا . قال : أتحب ذلك ؟ قال : نعم . فرفع يديه ، فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت ، فملؤوا ما معهم .
ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر . حديث حسن قوي . وقال مالك ، وغيره ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأصحابه : لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم ، لا يصيبكم مثل ما أصابهم ؛ يعني أصحاب الحجر .
وقال سليمان بن بلال : حدثنا عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : لما نزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحجر ، أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ، ولا يستقوا منها . فقالوا : قد عجنا منها واستقينا . فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويريقوا ذلك الماء .
أخرجهما البخاري . ولمسلم مثل الأول منهما . وقال عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله : أن الناس نزلوا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحجر ، فاستقوا من آبارها وعجنوا به .
فأمرهم أن يهريقوا الماء ، ويعلفوا الإبل العجين ، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت الناقة ترده . أخرجه مسلم . وقال مالك ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام تبوك ، فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء .
قال : فأخر الصلاة يوما ، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا . ثم قال : إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي . قال : فجئناها وقد سبق إليها رجلان ، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء .
فسألهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هل مسستما من مائها شيئا ؟ قالا : نعم . فسبهما ، وقال لهما ما شاء الله أن يقول . ثم غرفوا من العين قليلا قليلا ، حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه وجهه ، ثم أعاده فيها .
فجرت العين بماء كثير ، فاستقى الناس . ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يوشك يا معاذ ، إن طالت بك حياة ، أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا . أخرجه مسلم .
وقال سليمان بن بلال ، عن عمرو بن يحيى ، عن عباس بن سهل ، عن أبي حميد ، قال : خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى ، على حديقة لامرأة . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخرصوها . فخرصناها وخرصها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرة أوسق .
وقال : احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله . فانطلقنا حتى قدمنا تبوك ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ستهب عليكم الليلة ريح شديدة ، فلا يقم فيها أحد منكم ، فمن كان له بعير فليشد عقاله . فهبت ريح شديدة ، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ .
وجاء ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكتاب ، وأهدى له بغلة بيضاء . فكتب إليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأهدى له بردا . ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى ، فسأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها ، فقالت : بلغ عشرة أوسق .
فقال : إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع . فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة . فقال : هذه طابة ، وهذا أحد ، وهو جبل يحبنا ونحبه .
أخرجه مسلم أطول منه؛ وللبخاري نحوه . وقال ابن إسحاق : حدثني عبد لله بن أبي بكر ، عن عباس بن سهل : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين مر بالحجر استقوا من بئرها . فلما راحوا قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تشربوا من مائها ، ولا توضؤوا منه ، وما كان من عجين عجنتموه منه فاعلفوه الإبل ، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له .
ففعل الناس ما أمرهم ، إلا رجلين من بني ساعدة؛ خرج أحدهما لحاجته والآخر لطلب بعير له . فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه ، وأما الآخر فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيئ . فأخبر بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : ألم أنهكم ؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي .
وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قدم من تبوك . هذا مرسل منكر . وقال ابن وهب : أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان ، عن أبيه : أنه نزل بتبوك وهو حاج ، فإذا رجل مقعد ، فسألته عن أمره ، فقال : سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل بتبوك إلى نخلة ، فقال : هذه قبلتنا .
ثم صلى إليها . فأقبلت ، وأنا غلام ، أسعى حتى مررت بينه وبينها ، فقال : قطع صلاتنا ، قطع الله أثره . قال : فما قمت عليها إلى يومي هذا .
وقال سعيد بن عبد العزيز ، عن مولى ليزيد بن نمران ، عن يزيد بن نمران ، قال : رأيت مقعدا بتبوك . فقال : مررت بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على حمار وهو يصلي . فقال : اللهم اقطع أثره .
فما مشيت عليهما بعد . أخرجهما أبو داود . وقال يزيد بن هارون : أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي ، قال : سمعت أنس بن مالك ، قال : كنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتبوك ، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى .
فأتى جبريل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : يا جبريل ، ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى ؟ فقال : ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم ، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه . قال : وفيم ذاك ؟ قال : كان يكثر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾بالليل والنهار ، وفي ممشاه وقيامه وقعوده ، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه ؟ قال : نعم قال : فصلى عليه ، ثم رجع . العلاء منكر الحديث واه ، ورواه الحسن الزعفراني ، عن يزيد .
وقال يونس بن محمد : حدثنا صدقة بن أبي سهل ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، أن معاوية بن معاوية المزني توفي والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك ، فأتاه جبريل فقال : هل لك في جنازة معاوية المزني ؟ قال : نعم . فقال : هكذا؛ ففرج له عن الجبال والآكام . فقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشي ومعه جبريل في سبعين ألف ملك ، فصلى عليه .
فقال : يا جبريل ، بم بلغ هذا ؟ قال : بكثرة قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾كان يقرؤها قائما وقاعدا وراكبا وماشيا . مرسل . وقال ابن جوصا ، وعلي بن سعيد الرازي ، وأبو الدحداح أحمد بن محمد - واللفظ له – قالوا : حدثنا نوح بن عمرو بن حوي السكسكي ، قال : حدثنا بقية ، قال : حدثنا محمد بن زياد الألهاني ، عن أبي أمامة ، قال : نزل جبريل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بتبوك فقال : احضر جنازة معاوية بن معاوية المزني .
فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهبط جبريل في سبعين ألفا من الملائكة ، فوضع جناحه على الجبال فتواضعت حتى نظروا إلى مكة والمدينة .
فصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجبريل والملائكة . فلما قضى صلاته قال : يا جبريل ، بم أدرك معاوية بن معاوية هذه المنزلة من الله ؟ قال : بقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾قائما وقاعدا وراكبا وماشيا . قلت : ما علمت في نوح جرحا ، ولكن الحديث منكر جدا ، ما أعلم أحدا تابعه عليه أصلا عن بقية .
وقد أورد ابن حبان حديث العلاء ، وقال : حديث منكر لا يتابع عليه . قال : ولا أحفظ في الصحابة من يقال له معاوية بن معاوية . وقد سرق هذا الحديث شيخ من أهل الشام ، ورواه عن بقية ، عن محمد بن زياد ، عن أبي أمامة الباهلي .
وقال عثمان بن الهيثم المؤذن : حدثنا محبوب بن هلال ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أنس ، قال : جاء جبريل فقال : يا محمد ، مات معاوية بن معاوية المزني ، أفتحب أن تصلي عليه ؟ قال : نعم . فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له .
فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة ، في كل صف سبعون ألف ملك . قلت : يا جبريل ، بم نال هذا ؟ قال : بحبه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾يقرؤها قائما وقاعدا وذاهبا وجائيا ، وعلى كل حال . محبوب مجهول ، لا يتابع على هذا .
قال البكائي : قال ابن إسحاق : فلما أصبح الناس ، يعني من يوم الحجر ، ولا ماء معهم ، دعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأرسل الله سحابة ، فأمطرت حتى ارتوى الناس . فحدثني عاصم ، قال : قلت لمحمود بن لبيد : هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم ؟ قال : نعم والله ، لقد أخبرني رجال من قومي ، عن رجل من المنافقين؛ لما كان من أمر الحجر ما كان؛ ودعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين دعا فأرسل الله السحابة ، فأمطرت . قالوا : أقبلنا عليه نقول : ويحك ، هل بعد هذا شيء ؟ قال : سحابة سائرة .
قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سار ، فضلت ناقته ، فخرج أصحابه في طلبها . وعند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم ، وكان عقبيا بدريا . وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي وكان منافقا .
فقال زيد ، وهو في رحل عمارة : أليس يزعم محمد أنه نبي ، ويخبركم عن خبر السماء ، وهو لا يدري أين ناقته ؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعمارة عنده : إن رجلا قال كذا وكذا . وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله . وقد دلني الله عليها ، وهي في هذا الوادي في شعب كذا ، وقد حبستها شجرة بزمامها .
فذهبوا فجاؤوا بها . فذهب عمارة إلى رحله فقال : والله عجب من شيء حدثناه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آنفا ، من مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا ، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ، ولم يحضر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد ، والله ، قال هذه المقالة قبل أن تأتي . فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ، ويقول : أي عباد الله ، إن في رحلي لداهية وما أشعر .
اخرج أي عدو الله من رحلي . فزعم بعضهم أن زيدا تاب بعد ذلك . قال ابن إسحاق : وقد كان رهط ، منهم وديعة بن ثابت ، ومخشن بن حمير؛ يشيرون إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو منطلق إلى تبوك ، فقال بعضهم لبعض : أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا ؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال؛ إرجافا وترهيبا للمؤمنين .
فقال مخشن بن حمير : والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل منا مائة جلدة ، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه . وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فيما بلغني ، لعمار بن ياسر : أدرك القوم ، فإنهم قد احترقوا ، فسلهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل : بلى ، قلتم كذا وكذا . فانطلق إليهم عمار ، فقال ذلك لهم .
فأتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتذرون . فقال وديعة بن ثابت : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب . فنزلت : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾فقال مخشن بن حمير : يا رسول الله ، قعد بي اسمي واسم أبي .
فكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن؛ يعني إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ فتسمى عبد الرحمن ، فسأل الله أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه . فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر . ولما انتهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تبوك ، أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة ، فصالح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية .
وكتب لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتابا ، فهو عندهم . وقال موسى بن عقبة : قال ابن شهاب : بلغ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوته تلك تبوكا ولم يتجاوزها . وأقام بضع عشرة ليلة .
يعني بتبوك . وقال يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر ، قال : أقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة . أخرجه أبو داود .
وإسناده صحيح . فائدة : قال ابن إسحاق : أعطى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل أيلة بردة مع كتابه ، فاشتراها منهم أبو العباس عبد الله بن محمد - يعني السفاح - بثلاثمائة دينار . وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، ويزيد بن رومان : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك؛ رجل من كندة ، وكان ملكا على دومة وكان نصرانيا .
فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخالد : إنك ستجده يصيد البقر . فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه منظر العين في ليلة مقمرة صافية ، وهو على سطح ومعه امرأته ، فأتت البقر تحك بقرونها باب القصر . فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال : لا والله .
قالت : فمن يترك مثل هذا ؟ قال : لا أحد . فنزل فأمر بفرسه فأسرج ، وركب معه نفر من أهل بيته ، فيهم أخوه حسان . فتلقتهم خيل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذته وقتلوا أخاه .
وقدموا به على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فحقن دمه وصالحه على الجزية ، وأطلقه . فائدة : قال عبيد الله بن إياد بن لقيط ، عن أبيه ، عن قيس بن النعمان السكوني قال : خرجت خيل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمع بها أكيدر ، فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : بلغنا أن خيلك انطلقت فخفت على أرضي ، فاكتب لي كتابا فإني مقر بالذي علي . فكتب له .
فأخرج قباء من ديباج مما كان كسرى يكسوهم ، فقال : يا محمد اقبل عني هذا هدية . قال : ارجع بقبائك فإنه ليس يلبس هذا أحد إلا حرمه في الآخرة . فشق عليه أن رده .
قال : فادفعه إلى عمر . فأتى عمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : يا رسول الله ، أحدث في أمر ؟ فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى وضع يده أو ثوبه على فيه ، ثم قال : ما بعثت به إليك لتلبسه ، ولكن تبيعه وتستعين بثمنه . وقال ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة قال : ولما توجه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قافلا إلى المدينة ، بعث خالدا في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة الجندل ، فلما عهد إليه عهده ، قال خالد : يا رسول الله ، كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر ، وإنما نأتيها في عصابة من المسلمين ؟ فقال : لعل الله يكفيكه .
فسار خالد ، حتى إذا دنا من دومة نزل في أدبارها . فبينما هو وأصحابه في منزلهم ليلا ، إذ أقبلت البقر حتى جعلت تحتك بباب الحصن ، وأكيدر يشرب ويتغنى بين امرأتيه . فاطلعت إحداهما فرأت البقر ، فقالت : لم أر كالليلة في اللحم .
فثار وركب فرسه ، وركب غلمته وأهله ، فطلبها . حتى مر بخالد وأصحابه فأخذوه ومن معه فأوثقوهم . ثم قال خالد لأكيدر : أرأيت إن أجرتك تفتح لي دومة ؟ قال : نعم .
فانطلق حتى دنا منها ، فثار أهلها وأرادوا أن يفتحوا له ، فأبى عليهم أخوه . فلما رأى ذلك ، قال لخالد : أيها الرجل ، حلني ، فلك الله لأفتحنها لك ، إن أخي لا يفتحها ما علم أني في وثاقك . فأطلقه خالد .
فلما دخل أوثق أخاه وفتحها لخالد ، ثم قال : اصنع ما شئت ، فدخل خالد وأصحابه ثم قال :يا خالد إن شئت حكمتك وإن شئت حكمتني . فقال خالد : بل نقبل منك ما أعطيت . فأعطاهم ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح .
وأقبل خالد بأكيدر إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأقبل معه يحنة بن رؤبة عظيم أيلة . فقدم على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأشفق أن يبعث إليه كما بعث إلى أكيدر . فاجتمعا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقاضاهما على قضيته؛ على دومة وعلى تبوك وعلى أيلة وعلى تيماء ، وكتب لهم به كتابا .
ورجع قافلا إلى المدينة . ثم ذكر عروة قصة في شأن جماعة من المنافقين هموا بأذية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأطلعه الله على كيدهم . وذكر بناء مسجد الضرار .
وذكر ابن إسحاق ، عن ثقة من بني عمرو بن عوف : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقبل من تبوك حتى نزل بذي أوان؛ بينه وبين المدينة ساعة من نهار . وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه ، وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ، وإنا نحب أن تأتي فتصلي لنا فيه . فقال : إني على جناح سفر ، فلو رجعنا إن شاء الله أتيناكم .
فلما نزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذي أوان ، أتاه خبر السماء ، فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه . فخرجا سريعين حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه . ونزل فيه من القرآن ما نزل .
وقال أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى الحراني : حدثنا محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن حذيفة ، قال : كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقود به ، وعمار يسوقه؛ أو قال : عمار يقوده وأنا أسوقه؛ حتى إذا كنا بالعقبة ، فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها ، فأنبهت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فصرخ بهم فولوا مدبرين . فقال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هل عرفتم القوم ؟ قلنا : لا ، قد كانوا ملثمين . قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة ، أرادوا أن يزحموني في العقبة لأقع .
قلنا : يا رسول الله ، أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال : لا ، أكره أن يتحدث العرب أن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم . ثم قال : اللهم ارمهم بالدبيلة . قلنا : يا رسول الله ، وما الدبيلة ؟ قال : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك .
وقال قتادة ، عن أبي نضرة ، عن قيس بن عباد ، في حديث ذكره عن عمار بن ياسر ، أن حذيفة حدثه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : في أصحابي اثنا عشر منافقا ، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط . أخرجه مسلم . وقال عبد الله بن صالح المصري : حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا قال : أناس بنوا مسجدا ، فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح ، فإني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند من الروم ، فأخرج محمدا وأصحابه .
فلما فرغوا من مسجدهم أموا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالوا : نحب أن تصلي فيه . فنزلت لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا الآيات . وقال ابن عيينة ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : أذكر أنا حين قدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غزوة تبوك ، خرجنا مع الصبيان نتلقاه إلى ثنية الوداع .
أخرجه البخاري . وقال غير واحد ، عن حميد ، عن أنس : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال : إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد ، إلا كانوا معكم فيه . قالوا : يا رسول الله ، وهم بالمدينة ؟ قال : نعم ، حبسهم العذر .
أخرجه البخاري .