الهرمزان صاحب تستر
الهرمزان صاحب تستر قد مر من شأنه في سنة عشرين ، وهو من جملة الملوك الذين تحت يد يزدجرد . قال ابن سعد : بعثه أبو موسى الأشعري إلى عمر ومعه اثنا عشر نفسا من العجم ، عليهم ثياب الديباج ومناطق الذهب وأساورة الذهب ، فقدموا بهم المدينة ، فعجب الناس من هيئتهم ، فدخلوا فوجدوا عمر في المسجد نائما متوسدا رداءه ، فقال الهرمزان : هذا ملككم ؟ قالوا : نعم ، قال : أما له حاجب ولا حارس ؟! قالوا : الله حارسه حتى يأتيه أجله ، قال : هذا الملك الهني . فقال عمر : الحمد لله الذي أذل هذا وشيعته بالإسلام ، ثم قال للوفد : تكلموا ، فقال أنس بن مالك : الحمد لله الذي أنجز وعده ، وأعز دينه ، وخذل من حاده ، وأورثنا أرضهم وديارهم ، وأفاء علينا أبناءهم وأموالهم .
فبكى عمر ثم قال للهرمزان : كيف رأيت صنيع الله بكم ؟ فلم يجبه ، قال : مالك لا تتكلم ؟ قال : أكلام حي أم كلام ميت ؟ قال : أولست حيا ! فاستسقى الهرمزان ، فقال عمر : لا يجمع عليك القتل والعطش ، فأتوه بماء فأمسكه ، فقال عمر : اشرب لا بأس عليك ، فرمى بالإناء وقال : يا معشر العرب كنتم وأنتم على غير دين نتعبدكم ونقتلكم وكنتم أسوأ الأمم عندنا حالا ، فلما كان الله معكم لم يكن لأحد بالله طاقة ، فأمر عمر بقتله ، فقال : أولم تؤمني ! قال : كيف ؟ قال : قلت لي : تكلم لا بأس عليك ، وقلت : اشرب لا أقتلك حتى تشربه ، فقال الزبير وأنس : صدق ، فقال عمر : قاتله الله أخذ أمانا وأنا لا أشعر ، فنزع ما كان عليه ، فقال عمر لسراقة بن مالك بن جعشم وكان أسود نحيفا : البس سواري الهرمزان ، فلبسهما ولبس كسوته . فقال عمر : الحمد لله الذي سلب كسرى وقومه حليهم وكسوتهم وألبسها سراقة ، ثم دعا الهرمزان إلى الإسلام فأبى ، فقال علي بن أبي طالب : يا أمير المؤمنين ، فرق بين هؤلاء ، فحمل عمر الهرمزان وجفينة وغيرهما في البحر وقال : اللهم اكسر بهم ، وأراد أن يسير بهم إلى الشام فكسر بهم ولم يغرقوا فرجعوا فأسلموا ، وفرض لهم عمر في ألفين ألفين ، وسمى الهرمزان عرفطة . قال المسور بن مخرمة : رأيت الهرمزان بالروحاء مهلا بالحج مع عمر .
وروى إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده قال : رأيت الهرمزان مهلا بالحج مع عمر ، وعليه حلة حبرة . وقال علي بن زيد بن جدعان ، عن أنس قال : ما رأيت رجلا أخمص بطنا ولا أبعد ما بين المنكبين من الهرمزان . عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري : أخبرني سعيد بن المسيب ، أن عبد الرحمن بن أبي بكر - ولم تجرب عليه كذبة قط - قال : انتهيت إلى الهرمزان وجفينة وأبي لؤلؤة وهم نجي فبغتهم ، وسقط من بينهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه ، فقال عبد الرحمن : فانظروا بم قتل عمر ، فنظروا بم قتل عمر ، فنظروا فوجدوه خنجرا على تلك الصفة ، فخرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب مشتملا على السيف حتى أتى الهرمزان ، فقال : اصحبني ننظر فرسا لي - وكان بصيرا بالخيل - فخرج يمشي بين يديه فعلاه عبيد الله بالسيف ، فلما وجد حد السيف قال : لا إله إلا الله فقتله .
ثم أتى جفينة وكان نصرانيا ، فلما أشرف له علاه بالسيف فصلب بين عينيه . ثم أتى بنت أبي لؤلؤة جارية صغيرة تدعي الإسلام فقتلها ، وأظلمت الأرض يومئذ على أهلها ، ثم أقبل بالسيف صلتا في يده وهو يقول : والله لا أترك في المدينة سبيا إلا قتلته وغيرهم ، كأنه يعرض بناس من المهاجرين ، فجعلوا يقولون له : ألق السيف ، فأبى ، ويهابونه أن يقربوا منه ، حتى أتاه عمرو بن العاص فقال : أعطني السيف يا ابن أخي . فأعطاه إياه .
ثم ثار إليه عثمان فأخذ برأسه فتناصيا حتى حجز الناس بينهما . فلما ولي عثمان ، قال : أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق ، فأشار المهاجرون بقتله ، وقال جماعة الناس : قتل عمر بالأمس ويتبعونه ابنه اليوم ! أبعد الله الهرمزان وجفينة ، فقال عمرو : إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر في ولايتك فاصفح عنه ، فتفرق الناس على قول عمرو ، وودى عثمان الرجلين والجارية . رواه ابن سعد عن الواقدي عن معمر ، وزاد فيه : كان جفينة من نصارى الحيرة وكان ظئرا لسعد بن أبي وقاص يعلم الناس الخط بالمدينة ، وقال فيه : وما أحسب عمرا كان يومئذ بالمدينة بل بمصر إلا أن يكون قد حج ، قال : وأظلمت الأرض فعظم ذلك في النفوس ، وأشفقوا أن تكون عقوبة .
وعن أبي وجزة ، عن أبيه قال : رأيت عبيد الله يومئذ وإنه ليناصي عثمان ، وعثمان يقول له : قاتلك الله قتلت رجلا يصلي وصبية صغيرة وآخر له ذمة ، ما في الحق تركك . وبقي عبيد الله بن عمر وقتل يوم صفين مع معاوية . معمر ، عن الزهري : أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر ، أن أباه قال : يرحم الله حفصة ، إن كانت لمن شيع عبيد الله على قتل الهرمزان وجفينة .
قال معمر : بلغنا أن عثمان قال : أنا ولي الهرمزان وجفينة والجارية ، وإني قد جعلتها دية . وذكر محمد بن جرير الطبري بإسناد له أن عثمان أقاد ولد الهرمزان من عبيدالله ، فعفا ولد الهرمزان عنه .