عمار بن ياسر بن عامر بن مالك
ع : عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين المذحجي العنسي أبو اليقظان مولى بني مخزوم . من نجباء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، شهد بدرا والمشاهد كلها ، وعاش ثلاثا وتسعين سنة ، وكان من السابقين إلى الإسلام ، وممن عذب في الله في أول الإسلام . وأمه سمية أول شهيدة في الإسلام ، طعنها أبو جهل في قبلها بحربة فقتلها .
له نحو ثلاثين حديثا ؛ روى عنه ابن عباس ، وجابر ، ومحمد ابن الحنفية ، وزر بن حبيش ، وهمام بن الحارث ، وآخرون . قدم ياسر بن عامر وأخواه من اليمن إلى مكة يطلبون أخا لهم ، فرجع أخواه وحالف ياسر أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، فزوجه أمة اسمها سمية ، فولدت له عمارا ، فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسلم عمار وأبواه وأخوه عبد الله ، وقتل أخوهما حريث في الجاهلية . وعن عمار قال : لقيت صهيبا على باب دار الأرقم ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ، فدخلنا فأسلمنا .
وعن عمر بن الحكم قال : كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكذا صهيب ، وعامر بن فهيرة . وفيهم نزلت وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وقال أبو بلج عن عمرو بن ميمون قال : أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار ، فكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يمر به ويمر يده على رأسه فيقول : يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم . تقتلك الفئة الباغية .
رواه ابن سعد ، عن يحيى بن حماد قال : أخبرنا أبو عوانة ، عنه . وقال القاسم بن الفضل : حدثنا عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن عثمان بن عفان قال : أقبلت أنا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخذ بيدي نتماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمار ، وعمار ، وأمه ، وهم يعذبون ، فقال ياسر : الدهر هكذا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اصبر ، اللهم اغفر لآل ياسر ، وقد فعلت . كذا رواه مسلم بن إبراهيم ، وموسى بن إسماعيل ، وأبو قطن عمرو بن الهيثم ، عن القاسم ، وهو الحداني ، ورواه معتمر بن سليمان ، عن القاسم الحداني ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن سلمان الفارسي .
وقال هشام الدستوائي : حدثنا أبو الزبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بآل عمار وهم يعذبون ، فقال : أبشروا آل عمار ، فإن موعدكم الجنة . مرسل . وقال ابن سيرين : لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - عمارا وهو يبكي ، فجعل يمسح عن عينيه ويقول : أخذك الكفار فغطوك في الماء ، فقلت كذا وكذا ، فإن عادوا فقل ذاك لهم .
قلت : حتى تكلم يعني بالكفر ، فرخص له في ذلك لأنه مكره . وقال المسعودي ، عن القاسم بن عبد الرحمن : أول من بنى مسجدا يصلى فيه عمار . وقال ابن سعد : قالوا : وهاجر عمار إلى الحبشة الهجرة الثانية .
وقال فطر بن خليفة وغيره ، عن كثير النواء ، سمع عبد الله بن مليل قال : سمعت عليا يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه لم يكن نبي قط إلا وقد أعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء ، وإني أعطيت أربعة عشر : حمزة ، وأبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وجعفر ، وحسن ، وحسين ، وابن مسعود ، وأبو ذر ، والمقداد ، وحذيفة ، وعمار ، وبلال ، وسلمان . وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن هانئ بن هانئ ، عن علي قال : استأذن عمار على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : مرحبا بالطيب المطيب . صححه الترمذي .
وقال الأعمش ، عن أبي عمار الهمداني ، عن عمرو بن شرحبيل قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عمار ملئ إيمانا إلى مشاشه . وقال عبد الملك بن عمير ، عن مولى لربعي ، عن ربعي ، عن حذيفة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار ، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد . حسنه الترمذي .
وقال ابن عون ، عن الحسن ، قال : قال عمرو بن العاص : كنا نرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب رجلا ، قالوا : من هو ؟ قال : عمار بن ياسر ، قالوا : فذاك قتيلكم يوم صفين ، قال : قد والله قتلناه . رواه جرير بن حازم ، عن الحسن . وقال سلمة بن كهيل ، عن علقمة ، عن خالد بن الوليد قال : كان بيني وبين عمار كلام ، فأغلظت له ، فشكاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : من عادى عمارا عاداه الله ، ومن أبغض عمارا أبغضه الله .
رواه أحمد في مسنده ، عن يزيد بن هارون ، قال : حدثنا العوام عنه . وأخرجه النسائي - لكن له علة - وهو ما رواه عمرو بن مرزوق ، عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبيه ، عن الأشتر قال : كان بين عمار وخالد كلام ، فذكر الحديث . روى أبو ربيعة الإيادي ، عن الحسن ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي ، وعمار ، وسلمان .
حسنه الترمذي . وعن علي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دم عمار ولحمه حرام على النار . وقال عمار الدهني ، عن سالم بن أبي الجعد قال : جاء رجل إلى ابن مسعود فقال : أرأيت إن أدركت فتنة ، قال : عليك بكتاب الله ، قال : أرأيت إن كان كلهم يدعو إلى كتاب الله ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق .
فيه انقطاع . وعن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار أرشدهما . أخرجه النسائي والترمذي ، وإسناده صحيح .
وقال أبو نعيم : حدثنا سعد بن أوس ، عن بلال بن يحيى ، أن حذيفة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أبو اليقظان على الفطرة ، لن يدعها حتى يموت ، أو يلبسه الهرم هذا منكر ، وسعد ضعيف . ويروى عن عائشة ، وعن سعد : إن عمارا يموت على الفطرة إلا أن تدركه هفوة من كبر . وقال علقمة : سمعت أبا الدرداء يقول : أليس فيكم صاحب السواك والوساد ؟ يعني - ابن مسعود - ، أليس فيكم الذي أعاذه الله على لسان نبيه من الشيطان - يعني عمارا - ، أليس فيكم صاحب السر حذيفة .
أخرجه البخاري . وقال داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد ، فجعل ينقل عمار لبنتين لبنتين ، فترب رأسه ، فحدثني أصحابي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل ينفض رأسه ويقول : ويحك يا ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية . روى آخره شعبة ، عن أبي مسلمة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : حدثني من هو خير مني أبو قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله .
وقال شعبة : أخبرني عمرو بن دينار ، قال : سمعت أبا هشام يحدث عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمار : تقتلك الفئة الباغية . وقال أحمد بن المقدام العجلي ، عن عبد الله بن جعفر ، حدثني العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، نحوه . وقال عبد العزيز الدراوردي ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية .
قال الترمذي : صحيح غريب من حديث العلاء . وقال خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال لي ولابنه علي : انطلقا إلى أبي سعيد الخدري واسمعا من حديثه ، فانطلقنا ، فإذا هو في حائط له ، فحدثنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ، فجعل عمار يقول : أعوذ بالله من الفتن . أخرجه البخاري .
وروى ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن زياد مولى عمرو بن العاص ، عن مولاه ، سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تقتل عمارا الفئة الباغية . رواه شعبة عن عمرو بن دينار ، فقال ، عن رجل ، عن عمرو بن العاص . وقال الأعمش ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن الحارث قال : إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين ، بينه وبين عمرو ، فقال عبد الله بن عمرو : يا أبه ، أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لعمار : ويحك يا ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية ؟ قال : فقال عمرو لمعاوية : ألا تسمع ما يقول هذا ؟! فقال : لا تزال تأتينا بهنة ، ما نحن قتلناه ، إنما قتله الذين جاءوا به .
وقال جماعة عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار : تقتلك الفئة الباغية . وقال عبد الله بن طاووس ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، قال : لما قتل عمار دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص ، فقال : قتل عمار ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تقتله الفئة الباغية ، فدخل عمرو بن العاص على معاوية ، فقال : قتل عمار ، قال معاوية : فماذا ! قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تقتله الفئة الباغية . قال : دحضت في بولك أو نحن قتلناه ، إنما قتله علي وأصحابه .
وعن عثمان بن عفان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تقتل عمارا الفئة الباغية . رواه أبو عوانة في مسنده . وقال عبد الله بن أبي الهذيل وغيره ، عن عمار ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تقتلك الفئة الباغية .
وله طرق عن عمار . ويروى هذا الحديث عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وأبي رافع ، وابن أبي أوفى ، وجابر بن سمرة ، وأبي اليسر السلمي ، وكعب بن مالك ، وأنس ، وجابر ، وغيرهم ، وهو متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال أحمد بن حنبل : في هذا غير حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قتلته الفئة الباغية . وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي ليلى الكندي قال : جاء خباب ، فقال عمر : ادن ، فما أحد أحق بهذا المجلس منك ، إلا عمار .
وقال حارثة بن مضرب : قرئ علينا كتاب عمر : إني بعثت إليكم - يعني إلى الكوفة - عمار بن ياسر أميرا ، وابن مسعود معلما ووزيرا ، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، من أهل بدر ، فاسمعوا لهما ، واقتدوا بهما ، وقد آثرتكم بهما على نفسي . وعن سالم بن أبي الجعد ، أن عمر جعل عطاء عمار ستة آلاف . وعن ابن عمر قال : رأيت عمارا يوم اليمامة على صخرة ، وقد أشرف يصيح : يا معشر المسلمين ، أمن الجنة تفرون ، أنا عمار بن ياسر ، هلموا إلي ، وأنا أنظر إلى أذنه وقد قطعت ، فهي تذبذب ، وهو يقاتل أشد القتال .
وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال : رأيت عمار بن ياسر اشترى قتا بدرهم ، فاستزاد حبلا ، فأبى ، فجاذبه حتى قاسمه نصفين ، وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة . وقد روي أنهم قالوا لعمر : إن عمارا غير عالم بالسياسة ، فعزله . قال الشعبي : قال عمر لعمار : أساءك عزلنا إياك ؟ قال : لئن قلت ذاك ، لقد ساءني حين استعملتني ، وساءني حين عزلتني .
وقال نوفل بن أبي عقرب : كان عمار قليل الكلام ، طويل السكوت ، وكان عامة أن يقول : عائذ بالرحمن من فتنة ، عائذ بالرحمن من فتنة ، قال : فعرضت له فتنة عظيمة . يعني مبالغته في القيام في أمر عثمان وبعده . وعن ابن عمر قال : ما أعلم أحدا خرج في الفتنة يريد الله إلا عمار بن ياسر ، وما أدري ما صنع .
وعن عمار أنه قال وهو يسير إلى صفين : اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل لفعلت ، وإني لا أقاتل إلا أريد وجهك . وقال حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي البختري قال : قال عمار يوم صفين : ائتوني بشربة لبن ، قال : فشرب ، ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل . وقال سعد بن إبراهيم ، عن رجل ، سمع عمارا بصفين ينادي : أزفت الجنان ، وزوجت الحور العين ، اليوم نلقى حبيبنا - صلى الله عليه وسلم - .
وقال حماد بن سلمة : حدثنا أبو حفص ، وكلثوم بن جبر ، عن أبي غادية الجهني ، قال : سمعت عمار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة ، فتوعدته بالقتل ، فلما كان يوم صفين جعل يحمل على الناس ، فحملت عليه وطعنته في ركبته فوقع ، فقتلته . تمام الحديث ، فقيل : قتل عمار . وأخبر عمرو بن العاص فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : قاتل عمار وسالبه في النار .
وقال أيوب ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قاتل عمار وسالبه في النار . وقال الواقدي وغيره : استلحمت الحرب بصفين ، وكادوا يتفانون ، فقال معاوية : هذا يوم تفانى فيه العرب إلا أن تدركهم خفة العبد ، يعني عمارا ، وكان القتال الشديد ثلاثة أيام ولياليهن آخرهن ليلة الهرير ، فلما كان اليوم الثالث ، قال عمار لهاشم بن عتبة ومعه اللواء : احمل فداك أبي وأمي ، فقال هاشم : يا عمار إنك رجل تستخفك الحرب ، وإني إنما أزحف باللواء رجاء أن أبلغ بذلك بعض ما أريد . وقال قيس بن أبي حازم : قال عمار : ادفنوني في ثيابي ، فإني رجل مخاصم .
قال أبو عاصم النبيل : توفي عن ثلاث وتسعين سنة . وكان لا يركب على سرج ، وكان يركب راحتله من الكبر . وفيها غزا الحارث بن مرة العبدي أرض الهند ، إلى أن جاوز مكران ، وبلاد قندابيل ، ووغل في جبل القيقان ، فآب بسبي وغنائم ، فأخذوا عليه بمضيق فقتل هو وعامة من معه في سبيل الله تعالى .