المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي
ع : المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي ، أبو عيسى ، ويقال : أبو عبد الله ، ويقال : أبو محمد . صحابي مشهور ، كان رجلا طوالا ، ذهبت عينه يوم اليرموك ، وقيل : يوم القادسية . وروى المغيرة بن الريان ، عن الزهري ، قال : قالت عائشة : كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام المغيرة بن شعبة ينظر إليها ، فذهبت عينه .
وقال ابن سعد : كان المغيرة أصهب الشعر جدا ، يفرق رأسه فروقا أربعة ، أقلص الشفتين ، مهتوما ، ضخم الهامة ، عبل الذراعين ، بعيد ما بين المنكبين . قال : وكان داهية ، يقال له : مغيرة الرأي . وعن الشعبي : أن المغيرة سار من دمشق إلى الكوفة خمسا .
وقال الواقدي : حدثني محمد بن سعيد الثقفي وجماعة ، قالوا : قال المغيرة : كنا قوما متمسكين بديننا ، ونحن سدنة اللات ، فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتهم ، فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس ، وإهداء هدايا له ، فأجمعت الخروج معهم ، فاستشرت عمي عروة بن مسعود ، فنهاني وقال : ليس معك من بني أبيك أحد ، فأبيت وخرجت معهم ، وما معهم من الأحلاف غيري ، حتى دخلنا الإسكندرية ، فإذا المقوقس في مجلس مطل على البحر ، فركبت زورقا حتى حاذيت مجلسه ، فنظر إلي فأنكرني ، وأمر من يسألني ، فأخبرته بأمرنا وقدومنا ، فأمر أن ننزل في الكنيسة ، وأجرى علينا ضيافة ، ثم أدخلنا عليه ، فنظر إلى رأس بني مالك ، فأدناه وأجلسه معه ، ثم سأله عن القوم : أكلهم من بني مالك ؟ قال : نعم ، إلا هذا ، قال : فكنت أهون القوم عليه ، وسر بهداياهم ، وأعطاهم الجوائز ، وأعطاني شيئا يسيرا ، وخرجنا ، فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم وهم مسرورون ، لم يعرض علي رجل منهم مواساة ، وخرجوا وحملوا معهم الخمر ، فكانوا يشربون وأشرب معهم وتأبى نفسي أن تدعني ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا ، ويخبرون قومي بكرامتهم على الملك ، وتقصيره بي وازدرائه إياي ، فأجمعت على قتلهم ، فتمارضت وعصبت رأسي ، فوضعوا شرابهم ، فقلت : رأسي يصدع ، ولكني أجلس وأسقيكم ، فجعلت أصرف لهم ، يعني لا أمزج ، وأترع الكأس ، فيشربون ولا يدرون ، حتى ناموا سكرا ، ما يعقلون ، فوثبت وقتلتهم جميعا ، وأخذت ما معهم ، فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأجده جالسا في المسجد ، وعلي ثياب سفري ، فسلمت ، فعرفني أبو بكر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي هداك للإسلام ، فقال أبو بكر : أمن مصر أقبلتم ؟ قلت : نعم ، قال : فما فعل المالكيون ؟ قلت : قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ليخمسها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إسلامك فنقبله ، وأما أموالهم فلا آخذ منها شيئا ، هذا غدر ، ولا خير في الغدر ، قال : فأخذني ما قرب وما بعد ، وقلت : يا رسول الله إنما قتلتهم وأنا على دين قومي ، ثم أسلمت حيث دخلت عليك الساعة ، قال : فإن الإسلام يجب ما قبله . قال : وكان قد قتل ثلاثة عشر نفسا ، فبلغ ذلك أهل الطائف ، فتداعوا للقتال ، ثم اصطلحوا ، على أن تحمل عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية . قال المغيرة : وأقمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كانت الحديبية سنة ست ، فخرجت معه ، وكنت أكون مع أبي بكر ، وألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن يلزمه ، فبعثت قريش عروة بن مسعود في الصلح ، فأتاه فكلمه ، وجعل يمس لحيته ، وأنا قائم على رأسه مقنع في الحديد ، فقلت لعروة : كف يدك قبل أن لا تصل إليك ، فقال : من هذا يا محمد ، فما أفظه وأغلظه ؟! فقال : هذا ابن أخيك المغيرة ، فقال : يا غدر والله ما غسلت عني سوءتك إلا بالأمس .
روى عنه بنوه : عروة ، وحمزة ، وعقار ، والمسور بن مخرمة ، وأبو أمامة ، وقيس بن أبي حازم ، ومسروق ، وأبو وائل ، والشعبي ، وعروة بن الزبير ، وزياد بن علاقة ، وغيرهم . وروى الشعبي ، عن المغيرة ، قال : أنا آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما دفن خرج علي من القبر ، ألقيت خاتمي وقلت : يا أبا حسن خاتمي ، قال : انزل فخذه ، قال : فنزلت فمسحت يدي على الكفن ، ثم خرجت . وقال زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن عمر استعمل المغيرة بن شعبة على البحرين ، فأبغضوه ، فعزله ، فخافوا أن يرده ، فقال دهقانهم : إن فعلتم ما آمركم لم يرده علينا ، قالوا : مرنا ، قال : تجمعون مائة ألف درهم ، فأذهب بها إلى عمر فأقول : هذا اختان هذا المال فدفعه إلي ، فجمعوا له مائة ألف وأتى بها عمر ، فدعا المغيرة فقال : ما هذا ؟ قال : كذب ، أصلحك الله إنما كانت مائتي ألف ، قال : فما حملك على ذلك ؟ قال : العيال والحاجة ، فقال عمر للدهقان : ما تقول ؟ قال : لا والله لأصدقنك : والله ما دفع إلي شيئا ، وقص له أمره .
قد ذكرنا أن المغيرة ولي البصرة وغيرها لعمر ، وكان ممن قعد عن علي ومعاوية . وقال ابن أبي عروة ، عن قتادة : إن أبا بكرة ، وشبل بن معبد ، وزيادا ، ونافع بن عبد الحارث شهدوا على المغيرة ، سوى زياد ، أنهم رأوه يولجه ويخرجه ، يعني يزني بامرأة ، فقال عمر : - وأشار إلى زياد - : إني أرى غلاما لسنا لا يقول إلا حقا ، ولم يكن ليكتمني شيئا ، فقال زياد : لم أر ما قال هؤلاء ، ولكني قد رأيت ريبة وسمعت نفسا عاليا ، قال : فجلد عمر الثلاثة . وعن ابن سيرين قال : كان يقول الرجل للرجل : غضب عليك الله كما غضب عمر على المغيرة ، عزله عن البصرة فولاه الكوفة .
قلت : وقد غزا المغيرة بالجيوش غير مرة في إمرته ، وحج بالناس سنة أربعين . وقال جرير ، عن مغيرة ، قال : قال المغيرة بن شعبة لعلي : ابعث إلى معاوية عهده ، ثم بعد ذلك اخلعه ، فلم يفعل فاعتزله المغيرة باليمن ، فلما اشتغل علي ومعاوية ، فلم يبعثوا إلى الموسم أحدا ، جاء المغيرة فصلى بالناس ودعا لمعاوية . قال الليث بن سعد : حج سنة أربعين ، لأنه كان معتزلا بالطائف ، فافتعل كتابا عام الجماعة بإمرة الموسم ، فقدم الحج يوما خشية أن يجيء أمير ، فتخلف عنه ابن عمر ، وصار معظم الناس مع ابن عمر .
قال الليث : قال نافع : لقد رأيتنا ونحن غادون من منى ، واستقبلونا مفيضين من جمع ، فأقمنا بعدهم ليلة . وقال الزهري : دعا معاوية عمرو بن العاص ، وهما بالكوفة ، فقال : يا أبا عبد الله أعني على الكوفة ، قال : فكيف بمصر ؟ قال : استعمل عليها ابنك عبد الله ، قال : فنعم إذن ، فبينا هم على ذلك طرقهم المغيرة بن شعبة ، وكان معتزلا بالطائف ، فناجاه معاوية ، فقال المغيرة له : تؤمر عمرا على الكوفة وابنه على مصر ، وتكون كقاعد بين لحيي الأسد ! قال : فما ترى ؟ قال : أنا أكفيك الكوفة ، قال : فافعل ، فقال معاوية لعمرو حين أصبح : يا أبا عبد الله إني قد رأيت أن أفعل بك واستوحشنا إليك ، ففهمها عمرو فقال : ألا أدلك على أمير الكوفة ؟ قال : بلى ، قال : المغيرة بن شعبة ، واستعن برأيه وقوته على المكيدة ، واعزل عنه المال ، كان من قبلك عمر وعثمان قد فعلا ذلك ، قال : نعم ما رأيت ، فدخل عليه المغيرة فقال : إني كنت أمرتك على الجند والأرض ، ثم ذكرت سنة عمر وعثمان قبلي ، قال : قد قبلت ، فلما خرج قال : قد عزلت الأرض عن صاحبكم . وقال عبد الله بن شوذب : إن المغيرة أحصن أربعة من بنات أبي سفيان بن حرب .
وعن الشعبي قال : دهاة العرب : معاوية ، والمغيرة ، وعمرو بن العاص ، وزياد . وقال المغيرة : تزوجت سبعين امرأة . وقال مالك : كان المغيرة بن شعبة نكاحا للنساء ، ويقول : صاحب المرأة إن مرضت مرض ، وإن حاضت حاض ، وصاحب المرأتين بين نارين تشتعلان ، وكان ينكح أربعا ، ثم يطلقهن جميعا .
وقال ابن المبارك : كان تحت المغيرة أربع نسوة ، فصفهن بين يديه وقال : أنتن حسان الأخلاق ، طويلات الأعناق ، ولكني رجل مطلاق ، فأنتن الطلاق . المحاربي : حدثني عبد الملك بن عمير قال : رأيت المغيرة بن شعبة يخطب في العيد على بعير ، ورأيته يخضب بالصفرة . محمد بن معاوية النيسابوري : حدثنا داود بن خالد ، عن عباس بن عبد الله بن معبد بن عباس ، قال : أول من خضب بالسواد المغيرة بن شعبة .
أبو عوانة ، ومسعر ، عن زياد بن علاقة : سمعت جرير بن عبد الله حين مات المغيرة يقول : استغفروا لأميركم ، فإنه كان يحب العافية . وقال عبد الملك بن عمير : رأيت زيادا واقفا على قبر المغيرة ، وهو يقول : إن تحت الأحجار حزما وعزما وخصيما ألد ذا معلاق حية في الوجار أربد لا تنـ ـفع منه السليم نفثة راق قالوا : توفي المغيرة بالكوفة أميرا عليها سنة خمسين ، زاد بعضهم : في شعبان .