عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق
ع : عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق ، التيمية أم عبد الله ، فقيهة نساء الأمة . دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم في شوال بعد بدر ، ولها من العمر تسع سنين . روى عنها جماعة من الصحابة ، والأسود ، ومسروق ، وابن المسيب ، وعروة ، والقاسم ، والشعبي ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطاء بن أبي رباح ، وابن أبي مليكة ، ومعاذة العدوية ، وعمرة الأنصارية ، ونافع مولى ابن عمر ، وخلق كثير .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فضل عائشة على النساء ، كفضل الثريد على سائر الطعام . وقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما : يا عائشة ، هذا جبريل يقرئك السلام . فقلت : عليه السلام ورحمة الله وبركاته ، ترى ما لا أرى .
وعن عائشة : أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذه زوجتك في الدنيا والآخرة . رواه الترمذي وحسنه . وقال عبد العزيز بن المختار : حدثنا خالد الحذاء ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عمرو بن العاص ، قلت : يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة ، قلت : ومن الرجال ؟ قال : أبوها .
وهذا صحيح صححه الترمذي . وروي بإسناد صحيح من حديث أنس نحوه . وقال زياد بن أيوب : حدثنا مصعب بن سلام ، قال : حدثنا محمد بن سوقة ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، قال : انتهينا إلى علي ، فذكر عائشة فقال : خليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قلت : هذا حديث حسن ، فإن مصعبا لا بأس به إن شاء الله . ومن عجيب ما ورد أن أبا محمد بن حزم ، مع كونه أعلم أهل زمانه ، ذهب إلى أن عائشة أفضل من أبيها ، وهذا مما خرق به الإجماع . قال ابن علية ، عن أبي سفيان بن العلاء المازني ، عن ابن أبي عتيق قال : قالت عائشة : إذا مر ابن عمر فأرونيه ، فلما مر قيل لها : هذا ابن عمر ، قالت : يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري ؟ قال : رأيت رجلا قد غلب عليك وظننت أنك لا تخالفينه - يعني ابن الزبير - قالت : أما إنك لو نهيتني ما خرجت - تعني مسيرها في فتنة يوم الجمل .
أخبرنا عبد الخالق بن عبد السلام الشافعي ، قال : أخبرنا ابن قدامة سنة إحدى عشرة وست مائة ، قال : أخبرنا محمد هو ابن البطي ، قال : أخبرنا أحمد بن الحسن ، قال : أخبرنا أبو القاسم بن بشران ، قال : أخبرنا أبو الفضل بن خزيمة ، قال : حدثنا محمد بن أبي العوام ، قال : حدثنا موسى بن داود ، قال : حدثنا أبو مسعود الجرار ، عن علي بن الأقمر ، فقال : كان مسروق إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها قال : حدثتني الصديقة بنت الصديق ، حبيبة حبيب الله ، المبرأة من فوق سبع سماوات ، فلم أكذبها . وقال أبو بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، قال : ما أشكل علينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حديث قط ، فسألنا عنه عائشة ، إلا وجدنا عندها منه علما . وقال مسروق : رأيت مشيخة الصحابة يسألونها عن الفرائض .
وقال عطاء بن أبي رباح : كانت عائشة أفقه الناس ، وأحسن الناس رأيا في العامة . وقال الزهري : لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل . وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن غالب : إن رجلا نال من عائشة رضي الله عنها ، عند عمار بن ياسر ، فقال : أغرب مقبوحا منبوحا ، أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
صححه الترمذي . وقال عمار أيضا : هي زوجته في الدنيا والآخرة . قال الترمذي : حسن صحيح .
وقال عروة : كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة . وقال الزهري ، عن القاسم بن محمد : إن معاوية لما قدم المدينة حاجا ، دخل على عائشة ، فلم يشهد كلامهما إلا ذكوان مولى عائشة فقالت له : أمنت أن أخبئ لك رجلا يقتلك بأخي محمد ! قال : صدقت ، ثم إنها وعظته وحضته على الاتباع ، فلما خرج اتكأ على ذكوان وقال : والله ما سمعت خطيبا ، ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبلغ من عائشة . وقال سعيد بن عبد العزيز : قضى معاوية عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار .
وقال عروة بن الزبير : بعث معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف ، فوالله ما أمست حتى فرقتها ، فقالت لها مولاتها : لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهم لحما ! فقالت : ألا قلت لي . وقال عروة : ما رأيت أعلم بالطب من عائشة ، فقلت : يا خالة من أين تعلمت الطب ؟ قالت : كنت أسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه . وعن عروة قال : ما رأيت أعلم بالشعر منها .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة ، فإنه والله ما نزل علي الوحي ، وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها . وقال القاسم بن محمد : اشتكت عائشة ، فجاء ابن عباس فقال : يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق أبي بكر رضي الله عنه . ولو لم يكن إلا ما في القرآن من البراءة لكفى بذلك شرفا .
ولها حظ وافر من الفصاحة والبلاغة ، مع ما لها من المناقب رضي الله عنها . توفيت على الصحيح سنة سبع وخمسين بالمدينة ؛ قاله هشام بن عروة ، وأحمد بن حنبل ، وشباب . وقال أبو عبيد وغيره : في رمضان سنة ثمان .
وقال الواقدي : في ليلة سابع عشر رمضان . ودفنت بالبقيع ليلا ، فاجتمع الناس وحضروا ، فلم تر ليلة أكثر ناسا منها ، وصلى عليها أبو هريرة ، ولها ست وستون سنة ، وذلك في سنة ثمان . ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني ابن أبي سبرة عن عثمان بن أبي عتيق ، عن أبيه ، قال : رأيت ليلة ماتت عائشة حمل معها جريد في الخرق والزيت فيه نار ليلا ، ورأيت النساء بالبقيع كأنه عيد .
قال محمد بن عمر : حدثني ابن جريج ، عن نافع : شهدت أبا هريرة صلى على عائشة بالبقيع ، وكان خليفة مروان على المدينة ، وقد اعتمر تلك الأيام . وقال هشام بن عروة ، عن أبيه : إن عائشة دفنت ليلا . قال حفص بن غياث : حدثنا إسماعيل ، عن أبي إسحاق ، قال : قال مسروق : لولا بعض الأمر ، لأقمت المناحة على أم المؤمنين .
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قال : أما إنه لا يحزن عليها إلا من كانت أمه . وخرج البخاري في تفسير النور من حديث ابن أبي مليكة : أن ابن عباس استأذن عليها وهي مغلوبة ، فقالت : أخشى أن يثني علي ، فقيل : ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن وجوه المسلمين ، قالت : ائذنوا له ، فقال : كيف تجدينك ؟ قالت : بخير إن اتقيت ، قال : فأنت بخير إن شاء الله ، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يتزوج بكرا غيرك ، ونزل عذرك من السماء ، فلما جاء ابن الزبير قالت : جاء ابن عباس ، وأثنى علي ، ووددت أني كنت نسيا منسيا . أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة ، رأيتها تصدق بسبعين ألفا ، وإنها لترقع جانب درعها .
أبو معاوية : حدثنا هشام بن عروة ، عن ابن المنكدر ، عن أم ذرة ، قالت : بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين ، يكون مائة ألف ، فدعت بطبق ، فجعلت تقسم في الناس ، فلما أمست قالت : يا جارية هاتي فطري ، فقالت أم ذرة : يا أم المؤمنين ، أما استطعت أن تشتري بدرهم لحما مما أنفقت ! فقالت : لا تعنفيني ، لو أذكرتيني لفعلت . القاسم بن عبد الواحد بن أيمن : حدثنا عمر بن عبد الله بن عروة ، عن جده ، عن عائشة قالت : فخرت بمال أبي في الجاهلية ، وكان ألف ألف أوقية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا عائشة كنت لك كأبي زرع لأم زرع . أخرجه النسائي .
مطرف بن طريف ، عن أبي إسحاق ، عن مصعب بن سعد قال : فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف ، عشرة آلاف ، وزاد عائشة ألفين ، وقال : إنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . شعبة : أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه : أن عائشة كانت تصوم الدهر . حجاج الأعور ، عن ابن جريج ، عن عطاء : كنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير ، وهي مجاورة في جوف ثبير ، في قبة لها تركية ، عليها غشاؤها ، ولكن قد رأيت عليها درعا معصفرا ، وأنا صبي .
ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يخفى علي حين ترضين وحين تغضبين ، في الرضا تحلفين : لا ورب محمد ، وفي الغضب تحلفين : لا ورب إبراهيم ، فقلت : صدقت يا رسول الله . رواه أبو أسامة ، عن هشام ، وفي آخره فقلت : والله ما أهجر إلا اسمك . الواقدي ، عن عبد الحكيم بن أبي فروة ، عن الأعرج ، قال : أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بخيبر ثمانين وسقا تمرا وعشرين وسقا شعيرا .
سليمان بن بلال : عن عمرو بن أبي عمرو ، قال : سمعت القاسم يقول : كانت عائشة تلبس الأحمرين الذهب والمعصفر وهي محرمة . وقال ابن أبي مليكة : رأيت عليها درعا مضرجا . معلى بن أسد : حدثنا المعلى بن زياد : حدثنا بكرة بنت عقبة ، أنها دخلت على عائشة وهي جالسة في معصفرة ، فسألتها عن الحناء فقالت : شجرة طيبة ، وماء طهور ، وسألتها عن الحفاف فقالت لها : إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك ، فتصنعيهما أحسن مما هما فافعلي .
المعليان ثقتان . وعن معاذة ، قالت : رأيت على عائشة ملحفة صفراء . الواقدي : قال ابن أبي الزناد ، عن هشام ، عن أبيه ، قال : ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتا وأكثر .
هشام بن عروة : عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : وددت أني إذا مت كنت نسيا منسيا . مسعر : عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : قالت عائشة : يا ليتني كنت ورقة من هذه الشجرة . ابن أبي مليكة : إن ابن عباس دخل على عائشة ، وهي تموت ، فأثنى عليها ، فقالت : دعني منك ، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسيا منسيا .
وعن عمارة بن عمير ، عمن سمع عائشة إذا قرأت : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بكت حتى تبل خمارها رضي الله عنها .