معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي
ع : معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، أبو عبد الرحمن القرشي الأموي ، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف . أسلم قبل أبيه في عمرة القضاء ، وبقي يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، من أبيه . روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر ، وأخته أم المؤمنين أم حبيبة .
وعنه ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وأبو صالح السمان ، والأعرج ، وسعيد بن أبي سعيد ، ومحمد بن سيرين ، وهمام بن منبه ، وعبد الله بن عامر اليحصبي ، والقاسم أبو عبد الرحمن ، وشعيب بن محمد والد عمرو بن شعيب ، وطائفة سواهم . وأظهر إسلامه يوم الفتح . وكان رجلا طويلا ، أبيض ، جميلا مهيبا ، إذا ضحك انقلبت شفته العليا ، وكان يخضب بالصفرة .
قال أبو عبد رب الدمشقي : رأيت معاوية يصفر لحيته كأنها الذهب . وعن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ ، قال : سمعت معاوية على منبر المدينة يقول : أين فقهاؤكم يا أهل المدينة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن هذه القصة ، ثم وضعها على رأسه أو خده ، فلم أر على عروس ولا على غيرها أجمل منها على معاوية . وذكر المفضل الغلابي أن زيد بن ثابت كان كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان معاوية كاتبه فيما بينه وبين العرب .
كذا قال . وقد صح عن ابن عباس ، قال : كنت ألعب ، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ادع لي معاوية ، وكان يكتب الوحي . وقال معاوية بن صالح ، عن يونس بن سيف ، عن الحارث بن زياد ، عن أبي رهم السماعي ، عن العرباض بن سارية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعونا إلى السحور : هلم إلى الغداء المبارك .
ثم سمعته يقول : اللهم علم معاوية الكتاب والحساب ، وقه العذاب . رواه أحمد في مسنده وقد وهم فيه قتيبة ، وأسقط منه أبا رهم والعرباض . وقال أبو مسهر : حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية : اللهم علمه الكتاب والحساب ، وقه العذاب .
هذا الحديث رواته ثقات ، لكن اختلفوا في صحبة عبد الرحمن ، والأظهر أنه صحابي ، وروي نحوه من وجوه أخر . وقال مروان الطاطري : حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، قال : حدثني ربيعة بن يزيد ، قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي عميرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا ، واهده واهد به . رواه الوليد بن مسلم ، وأبو مسهر ، عن سعيد ، نحوه ، رواه الترمذي ، عن الذهلي ، عن أبي مسهر ، وقال : حسن غريب .
وقال نعيم بن حماد : حدثنا محمد بن شعيب بن شابور ، قال : حدثنا مروان بن جناح ، عن يونس بن ميسرة ، عن عبد الله بن بسر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن أبا بكر وعمر في أمر فقال : أشيروا ، فقالا : الله ورسوله أعلم ، فقال : ادعوا معاوية ، أحضروه أمركم ، وأشهدوه فإنه قوي أمين . وقد رووه عن ابن شعيب مرسلا . قلت : هذا من مناكير نعيم ، وهو صاحب أوابد .
وقال أبو مسهر ، ومحمد بن عائذ ، عن صدقة بن خالد ، عن وحشي بن حرب بن وحشي ، عن أبيه ، عن جده ، قال : أردف النبي صلى الله عليه وسلم معاوية بن أبي سفيان خلفه ، فقال : ما يليني منك ؟ قال : بطني ، قال : اللهم املأه علما زاد أبو مسهر : وحلما . قال صالح جزرة : لا يشتغل بوحشي ولا بأبيه . وقال خليفة : جمع عمر لمعاوية الشام كله ، ثم أقره عثمان .
وعن إسماعيل بن أمية أن عمر أفرد معاوية بالشام ، ورزقه في كل شهر ثمانين دينارا . والمحفوظ أن الذي جمع الشام لمعاوية عثمان . قال الزهري : استخلف عثمان ، فنزع عمير بن سعد ، وجمع الشام لمعاوية .
وقال مسلم بن جندب ، عن أسلم مولى عمر ، قال : قدم علينا معاوية ، وهو أبض الناس وأجملهم ، فحج مع عمر ، وكان عمر ينظر إليه ، فيعجب له ، ثم يضع إصبعه على متنه ويرفعها ، عن مثل الشراك . ويقول : بخ بخ ، نحن إذا خير الناس ، أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة ، فقال معاوية : يا أمير المؤمنين سأحدثك : إنا بأرض الحمامات والريف ، فقال عمر : سأحدثك ، ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام ، وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك ، وذوو الحاجات وراء الباب ، قال : فلما جئنا ذا طوى ، أخرج معاوية حلة ، فلبسها ، فوجد عمر منها ريحا طيبة ، فقال : يعمد أحدكم يخرج حاجا تفلا ، حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فيلبسهما ، فقال : إنما لبستهما لأدخل فيهما على عشيرتي ، والله لقد بلغني أذاك ها هنا وبالشام ، والله يعلم إني لقد عرفت الحياء فيه ، ونزع معاوية الثوبين ، ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما . وقال أبو الحسن المدائني : كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال : هذا كسرى العرب .
وروى ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، قال : تعجبون من دهاء هرقل وكسرى ، وتدعون معاوية ! . وقال مجالد ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي قال : لا تكرهوا إمرة معاوية ، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها . وروى علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، قالت : قدم معاوية المدينة ، فأرسل إلى عائشة : أرسلي إلي بأنبجانية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعره ، فأرسلت بذلك معي أحمله ، فأخذ الأنبجانية ، فلبسها ، وغسل الشعر بماء ، فشرب منه ، وأفاض على جلده .
وروى أبو بكر الهذلي ، عن الشعبي ، قال : لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة ، تلقته رجال قريش فقالوا : الحمد لله الذي أعز نصرك وأعلى أمرك ، فما رد عليهم جوابا ، حتى دخل المدينة ، فعلا المنبر ، ثم حمد الله . وقال : أما بعد ، فإني ، والله ، ما وليت أمركم حين وليته ، إلا وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ، ولا تحبونها ، وإني لعالم بما في نفوسكم ، ولكن خالستكم بسيفي هذا مخالسة ، ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي قحافة ، فلم أجدها تقوم بذلك ، وأردتها على عمل عمر ، فكانت عنه أشد نفورا ، وحاولتها على مثل سنيات عثمان فأبت علي ، فأين مثل هؤلاء ، هيهات أن يدرك فضلهم أحد من بعدهم ، غير أني قد سلكت بها طريقا لي فيه منفعة ، ولكم فيه مثل ذلك ، ولكل فيه مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة ما استقامت السيرة ، وحسنت الطاعة ، فإن لم تجدوني خيركم ، فأنا خير لكم ، والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه ، ومهما تقدم مما علمتموه ، فقد جعلته دبر أذني ، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله ، فارضوا مني ببعضه ، فإنها ليست بقائبة قوبها ، وإن السيل إذا جاء تترى ، وإن قل أغنى ، وإياكم والفتنة ، فلا تهموا بها ، فإنها تفسد المعيشة ، وتكدر النعمة ، وتورث الاستئصال ، وأستغفر الله لي ولكم ، ثم نزل . وقال جندل بن والق وغيره : حدثنا محمد بن بشر ، قال : حدثنا مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه .
مجالد ضعيف . وقد رواه الناس عن علي بن زيد بن جدعان ، وليس بالقوي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، فذكره . ويروى عن أبي بكر بن أبي داود ، قال : هو معاوية بن تابوه رأس المنافقين ، حلف أن يتغوط فوق المنبر .
وقال بسر بن سعيد ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : ما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب ، يعني معاوية . وقال أبو بكر بن أبي مريم ، عن ثابت مولى أبي سفيان : إنه سمع معاوية يخطب ويقول : إني لست بخيركم ، وإن فيكم من هو خير مني ؛ عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهما من الأفاضل ، ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم ، وأنعمكم لكم ولاية ، وأحسنكم خلقا . وقال همام بن منبه : سمعت ابن عباس يقول : ما رأيت رجلا كان أخلق للملك من معاوية ، كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب ، لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب .
يعني ابن الزبير . وقال جبلة بن سحيم ، عن ابن عمر : ما رأيت أحدا أسود من معاوية ، قلت : ولا عمر ؟ قال : كان عمر خيرا منه ، وكان معاوية أسود منه . وقال أيوب ، عن أبي قلابة : إن كعب الأحبار ، قال : لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية .
قلت : توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية ، وصدق كعب فيما نقله ، فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة ، لا ينازعه أحد الأمر في الأرض ، بخلاف خلافة عبد الملك بن مروان ، وأبي جعفر المنصور ، وهارون الرشيد ، وغيرهم ، فإنهم كان لهم مخالف ، وخرج عن أمرهم بعض الممالك . قال سويد بن سعيد : حدثنا ضمام بن إسماعيل بالإسكندرية : سمعت أبا قبيل حيي بن هانئ يخبر عن معاوية ، وصعد المنبر يوم الجمعة ، فقال عند خطبته : أيها الناس ، إن المال مالنا ، والفيء فيئنا ، من شئنا أعطينا ، ومن شئنا منعنا ، فلم يجبه أحد ، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل ذلك ، فلم يجبه أحد ، فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته ، فقام إليه رجل فقال : كلا ، إنما المال مالنا ، والفيء فيئنا ، من حال بيننا وبينه حكمناه إلى الله بأسيافنا . فنزل معاوية ، فأرسل إلى الرجل ، فأدخل عليه ، فقال القوم : هلك ، ففتح معاوية الأبواب ، ودخل الناس ، فوجدوا الرجل معه على السرير ، فقال : إن هذا أحياني أحياه الله ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ستكون أئمة من بعدي .
يقولون فلا يرد عليهم قولهم ، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ، وإني تكلمت فلم يرد علي أحد ، فخشيت أن أكون منهم ، ثم تكلمت الثانية ، فلم يرد علي أحد ، فقلت في نفسي : إني من القوم ، ثم تكلمت الجمعة الثالثة ، فقام هذا فرد علي فأحياني أحياه الله ، فرجوت أن يخرجني الله منهم ، فأعطاه وأجازه . هذا حديث حسن . محمد بن مصفى : حدثنا بقية ، عن بحير بن سعيد ، عن خالد بن معدان قال : وفد المقدام بن معدي كرب ، وعمرو بن الأسود ، ورجل من الأسد له صحبة إلى معاوية ، فقال معاوية للمقدام : توفي الحسن ، فاسترجع ، فقال : أتراها مصيبة ؟ قال : ولم لا ، وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره وقال : هذا مني وحسين من علي .
فقال للأسدي : ما تقول أنت ؟ قال : جمرة أطفئت ، فقال المقدام : أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس الذهب والحرير ، وعن جلود السباع والركوب عليها ؟ قال : نعم ، قال : فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك ، فقال معاوية : عرفت أني لا أنجو منك . قلت : وكان يضرب المثل بحلم معاوية ، وقد أفرد ابن أبي الدنيا ، وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية . قال ابن عون : كان الرجل يقول لمعاوية : والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنقومنك ، فيقول : بماذا ؟ فيقولون : بالخشب ، فيقول : إذا نستقيم .
وعن قبيصة بن جابر قال : صحبت معاوية ، فما رأيت رجلا أثقل حلما ، ولا أبطأ جهلا ، ولا أبعد أناة منه . وقال جرير ، عن مغيرة ، قال : أرسل الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه ، فبعث إليهما بمائة ألف ، فبلغ عليا رضي الله عنه ، فقال لهما : ألا تستحيان ، رجل نطعن فيه غدوة وعشية ، تسألانه المال ! قالا : لأنك حرمتنا وجاد لنا . وقال مالك : إن معاوية نتف الشيب كذا وكذا سنة ، وكان يخرج إلى الصلاة ورداؤه يحمل ، فإذا دخل مصلاه جعل عليه ، وذلك من الكبر .
وذكر غيره : إن معاوية أصابته اللقوة قبل أن يموت ، وكان اطلع في بئر عادية بالأبواء لما حج ، فأصابته لقوة ، يعني بطل نصفه . المدائني : عن أبي عبيد الله ، عن عبادة بن نسي ، قال : خطب معاوية فقال : إني من زرع ، قد استحصد ، وقد طالت إمرتي عليكم ، حتى مللتكم ومللتموني ، ولا يأتيكم بعدي خير مني كما أن من كان قبلي خير مني ، اللهم قد أحببت لقاءك ، فأحبب لقائي . الواقدي : حدثنا ابن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى قال : قال معاوية ليزيد وهو يوصيه : اتق الله ، فقد وطأت لك الأمر ، ووليت من ذلك ما وليت ، فإن يك خيرا ، فأنا أسعد به ، وإن كان غير ذلك ، شقيت به ، فارفق بالناس ، وإياك وجبه أهل الشرف والتكبر عليهم .
في كلام طويل ، أورده ابن سعد . وروى يحيى بن معين ، عن عباس بن الوليد النرسي ، وهو من أقرانه ، عن رجل ، أن معاوية قال ليزيد : إن أخوف ما أخاف شيئا عملته في أمرك ، شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلم يوما أظفاره ، وأخذ من شعره ، فجمعت ذلك ، فإذا مت فاحش به فمي وأنفي . وروى عبد الأعلى بن ميمون بن مهران ، عن أبيه : أن معاوية قال في مرضه : كنت أوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فنزع قميصه وكسانيه ، فرفعته ، وخبأت قلامة أظفاره في قارورة ، فإذا مت فاجعلوا القميص على جلدي ، واسحقوا تلك القلامة واجعلوها في عيني ، فعسى .
حميد بن هلال ، عن أبي بردة بن أبي موسى قال : دخلت على معاوية حين أصابته قرحته فقال : هلم ابن أخي ، تحول فانظر ، فنظرت ، فإذا هي قد سرت . وعن الشعبي قال : أول من خطب الناس قاعدا معاوية ، وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه . وعن ابن سيرين قال : أخذت معاوية قرة ، فاتخذ لحفا خفافا تلقى عليه ، فلا يلبث أن يتأذى بها ، فإذا أخذت عنه ، سأل أن ترد عليه ، فقال : قبحك الله من دار ، مكثت فيك عشرين سنة أميرا ، وعشرين سنة خليفة ، ثم صرت إلى ما أرى ! .
وقال أبو عمرو بن العلاء : لما حضرت معاوية الوفاة قيل له : ألا توصي ؟ فقال : هو الموت لا منجى من الموت والذي نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع اللهم أقل العثرة ، واعف عن الزلة ، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك ، فما وراءك مذهب . وقال أبو مسهر : صلى الضحاك بن قيس الفهري على معاوية ، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير فيما بلغني . وقال أبو معشر وغيره : مات معاوية في رجب سنة ستين ، وقيل : إنه عاش سبعا وسبعين سنة .