مقتل الحسين
مقتل الحسين : واستشهد مع الحسين ستة عشر رجلا من أهل بيته . وكان من قصته أنه توجه من مكة طالبا الكوفة ليلي الخلافة ، فروى ذلك ابن سعد الكاتب من وجوه متعددة ، ثم قال بعد أن سرد عدة أسطر أسانيد : وغير هؤلاء حدثني في هذا الحديث بطائفة ، فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين رضي الله عنه ، قالوا : لما أخذ البيعة معاوية لابنه يزيد ، كان الحسين ممن لم يبايع ، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى الحسين يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية ، وهو يأبى ، فقدم منهم قوم إلى محمد ابن الحنفية ، فطلبوا إليه أن يخرج معهم ، فأبى ، وجاء إلى الحسين ، فأخبره بما عرضوا عليه ، وقال : إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ويشيطوا دماءنا ، فأقام الحسين على ما هو عليه مهموما ، يجمع الإقامة مرة ، ويريد أن يسير إليهم مرة ، فجاءه أبو سعيد الخدري فقال : يا أبا عبد الله إني لك ناصح ومشفق ، وقد بلغني أن قوما من شيعتكم كاتبوك ، فلا تخرج فإني سمعت أباك بالكوفة يقول : والله إني لقد مللتهم ، وأبغضوني وملوني ، وما بلوت منهم وفاء ، ومن فاز بهم ، فإنما فاز بالسهم الأخيب ، والله ما لهم ثبات ولا عزم ولا صبر على السيف . قال : وقدم المسيب بن نجبة الفزاري وعدة معه إلى الحسين ، بعد وفاة الحسن ، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا : قد علمنا رأيك ورأي أخيك ، فقال : إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيته ، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين .
وكتب مروان إلى معاوية : إني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة ، وأظن يومكم من حسين طويلا . فكتب معاوية إلى الحسين : إن من أعطى الله تعالى صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء ، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ، وأهل العراق من قد جربت ، قد أفسدوا على أبيك وأخيك ، فاتق الله واذكر الميثاق ، فإنك متى تكدني أكدك . فكتب إليه الحسين : أتاني كتابك ، وأنا بغير الذي بلغك عني جدير ، وما أردت لك محاربة ، ولا عليك خلافا ، وما أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك ، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة .
فقال معاوية : إن أثرنا بأبي عبد الله إلا أسدا . رواه بطوله الواقدي ، عن جماعة ، عن أشياخهم . وقال جويرية بن أسماء ، عن مسافع قال : لقي الحسين معاوية بمكة ، فأخذ بخطام راحلته ، فأناخ به ، ثم ساره طويلا وانصرف ، فزجر معاوية راحلته ، فقال له يزيد ابنه : لا يزال رجل قد عرض لك ، فأناخ بك ، فقال : دعه لعله يطلبها من غيري ، فلا يسوغه ، فيقتله .
رواه ابن سعد ، عن المدائني ، عن جويرية ، ثم قال : رجع الحديث إلى الأول . قالوا : ولما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه وقال : انظر حسين بن فاطمة ، فإنه أحب الناس إلى الناس ، فصل رحمه ، وارفق به ، فإن يك منه شيء ، فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه . ولما بويع يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة أمير المدينة : أن ادع الناس إلى البيعة ، وابدأ بوجوه قريش ، وليكن أول من تبدأ به الحسين ، وارفق به ، فبعث الوليد في الليل إلى الحسين وابن الزبير ، فأخبرهما بوفاة معاوية ، ودعاهما إلى البيعة ، فقالا : نصبح وننظر فيما يصنع الناس ، ووثبا فخرجا ، وأغلظ الوليد للحسين ، فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها ، فقال الوليد : إن هجنا بأبي عبد الله إلا أسدا ، فقيل للوليد : اقتله ، قال : إن ذلك لدم مصون .
وخرج الحسين وابن الزبير من وقتهما إلى مكة ، وطلبا فلم يقدر عليهما ، فنزل الحسين دار العباس . ولزم ابن الزبير الحجر ، ولبس المعافري ، وجعل يحرض على بني أمية ، وكان يتردد إلى الحسين ، ويشير عليه أن يقدم العراق ويقول له : هم شيعتكم ، وكان ابن عباس يقول له : لا تفعل . وقال له عبد الله بن مطيع : فداك أبي وأمي متعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق ، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذنا خولا وعبيدا .
وقد لقيهما عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بالأبواء ، منصرفين من العمرة ، فقال لهما ابن عمر : أذكركما الله إلا رجعتما ، فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس ، وتنظرا ، فإن أجمع على يزيد الناس لم تشذوا ، وإن افترقوا عليه كان الذي تريدان . وقال ابن عمر للحسين : لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ، وإنك بضعة منه ، ولا تنالها - يعني الدنيا - فاعتنقه وبكى ، وودعه ، فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بالخروج ، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة ، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش . وقال له ابن عباس : أين تريد يا ابن فاطمة ؟ قال : العراق وشيعتي ، قال : إني لكاره لوجهك هذا ، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك ، حتى تركهم سخطة وملهم ، أذكرك الله تغرر بنفسك ! .
الواقدي : حدثني عبد الله بن جعفر المخرمي ، عن أبي عون قال : خرج الحسين من المدينة ، فمر بابن مطيع وهو يحفر بئره ، فقال : إلى أين ، فداك أبي وأمي متعنا بنفسك ولا تسر ، فأبى الحسين ، قال : إن بئري هذه رشحتها ، وهذا اليوم ما خرج إلينا في الدلو ماء ، فلو دعوت لنا فيها بالبركة ، قال : هات من مائها ، فأتى بما في الدلو فشرب منه ، ثم مضمض ، ثم رده في البئر . وقال أبو سعيد : غلبني الحسين على الخروج ، وقد قلت له : اتق الله والزم بيتك ، ولا تخرج على إمامك ، وكلمه في ذلك جابر بن عبد الله ، وأبو واقد الليثي ، وغيرهما . وقال سعيد بن المسيب : لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له .
وقد كتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع ، وتأمره بلزوم الجماعة ، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه وتقول : أشهد لحدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يقتل حسين بأرض بابل . وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتابا يحذره أهل الكوفة ، ويناشده الله أن يشخص إليهم . فكتب إليه الحسين : إني رأيت رؤيا ورأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمرني بأمر أنا ماض له ، ولست بمخبر أحدا بها حتى ألاقي عملي .
ولم يقبل الحسين من أحد ، وصمم على المسير إلى العراق . فقال له ابن عباس : والله إني لأظنك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان ، وإني لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فقال : أبا العباس إنك شيخ قد كبرت ، فبكى ابن عباس وقال : أقررت عين ابن الزبير ، ولما رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير قال له : قد أتى ما أحببت ، هذا الحسين يخرج ويتركك والحجاز .
ثم تمثل : يا لك من قنبرة بمعمر خلا لك البر فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري وبعث الحسين إلى أهل المدينة ، فسار إليه من خف معه من بني عبد المطلب ، وهم تسعة عشر رجلا ، ونساء وصبيان ، وتبعهم محمد ابن الحنفية فأدرك أخاه الحسين بمكة ، وأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا ، فأبى الحسين عليه ، فحبس محمد ولده ، فوجد عليه الحسين وقال : ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه ؟! . وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل ، والكتب يدعونه إليهم ، فخرج من مكة متوجها إلى العراق ، في عشر ذي الحجة ، فكتب مروان إلى عبيد الله بن زياد أمير الكوفة : أما بعد فإن الحسين قد توجه إليك ، وبالله ما أحد أحب إلينا يسلمه الله من الحسين ، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء . وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص : أما بعد ، قد توجه إليك الحسين ، وفي مثلها تعتق أو تسترق كما تسترق العبيد .
وقال جرير بن حازم : بلغ عبيد الله بن زياد مسير الحسين وهو بالبصرة ، فخرج على بغاله هو واثنا عشر رجلا حتى قدموا الكوفة ، فاعتقد أهل الكوفة أنه الحسين وهو متلثم ، فجعلوا يقولون : مرحبا بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسار الحسين حتى نزل نهري كربلاء ، وبعث عبيد الله عمر بن سعد على جيش . قال : وبعث شمر بن ذي الجوشن فقال : إن قتله وإلا فاقتله وأنت على الناس . وقال محمد بن الضحاك الحزامي ، عن أبيه : خرج الحسين إلى الكوفة ، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد : إن حسينا صائر إلى الكوفة ، وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان ، وبلدك من بين البلدان ، وأنت من بين العمال ، وعندها تعتق أو تعود عبدا .
فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه . وقال الزبير بن الخريت : سمعت الفرزدق يقول : لقيت الحسين بذات عرق وهو يريد الكوفة ، فقال لي : ما ترى أهل الكوفة صانعين معي حمل بعير من كتبهم ؟ قلت : لا شيء ، يخذلونك ، لا تذهب إليهم . فلم يطعني .
وقال ابن عيينة : حدثني بجير ، من أهل الثعلبية ، قلت له : ابن كم كنت حين مر الحسين ؟ قال : غلام قد أيفعت ، قال : كان في قلة من الناس ، وكان أخي أسن مني ، فقال له : يا ابن بنت رسول الله ، أراك في قلة من الناس . فقال بالسوط ، وأشار إلى حقيبة الرحل : هذه مملوءة كتبا . قال ابن عيينة : وحدثني شهاب بن خراش ، عن رجل من قومه قال : كنت في الجيش الذين بعثهم عبيد الله بن زياد إلى الحسين ، وكانوا أربعة آلاف يريدون الديلم ، فصرفهم عبيد الله إلى الحسين ، فلقيت حسينا ، فرأيته أسود الرأس واللحية ، فقلت له : السلام عليك يا أبا عبد الله ، فقال : وعليك السلام ، وكانت فيه غنة .
قال شهاب : فحدثت به زيد بن علي ، فأعجبه قوله وكانت فيه غنة . ابن سعد ، عن الواقدي ، وغيره ، بإسنادهم ، أن عمر بن سعد بن أبي وقاص أرسل رجلا على ناقة إلى الحسين ، يخبره بقتل مسلم بن عقيل ، وكان قد بعثه الحسين إلى الكوفة كما مر في سنة ستين ، فقال للحسين ولده علي الأكبر : يا أبة ارجع ، فإنهم أهل العراق وغدرهم ، وقلة وفائهم ، ولا يفون لك بشيء ، فقالت بنو عقيل : ليس هذا حين رجوع ، وحرضوه على المضي . وقال الحسين لأصحابه : قد ترون ما يأتينا ، وما أرى القوم إلا سيخذلوننا ، فمن أحب أن يرجع فليرجع ، فانصرف عنه جماعة ، وبقي فيمن خرج معه من مكة ، فكانت خيلهم اثنين وثلاثين فرسا ، وأما ابن زياد فجمع المقاتلة وأمر لهم بالعطاء .
وقال يزيد الرشك : حدثني من شافه الحسين ، قال : رأيت أبنية مضروبة بالفلاة للحسين ، فأتيته ، فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خذيه ، فقلت : بأبي وأمي يا ابن رسول الله ، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد ؟ قال : هذه كتب أهل الكوفة إلي ، ولا أراهم إلا قاتلي ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها ، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة ، يعني مقنعتها . قلت : ندب ابن زياد لقتال الحسين ، عمر بن سعد بن أبي وقاص ؛ فروى الزبير بن بكار ، عن محمد بن حسن ، قال : لما نزل عمر بن سعد بالحسين أيقن أنهم قاتلوه ، فقام في أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : قد نزل بنا ما ترون ، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت ، وأدبر معروفها ، واستمرت حتى لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، وإلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون الحق لا يعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله ، وإني لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا ندما . وقال خالد الحذاء ، عن الجريري ، عن عبد ربه أو غيره : إن الحسين لما أرهقه السلاح قال : ألا تقبلون مني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل من المشركين ؟ قيل : وما كان يقبل منهم ؟ قال : كان إذا جنح أحدهم قبل منه ، قالوا : لا ، قال : فدعوني أرجع ، قالوا : لا ، قال : فدعوني آتي أمير المؤمنين يزيد .
فأخذ له رجل السلاح ، فقال له : أبشر بالنار ، فقال : بل إن شاء الله برحمة ربي وشفاعة نبيي ، قال : فقتل وجيء برأسه حتى وضع في طست بين يدي ابن زياد ، فنكته بقضيبه وقال : لقد كان غلاما صبيحا ، ثم قال : أيكم قاتله ؟ فقام الرجل ، فقال : ما قال لك ؟ فأعاد الحديث ، فاسود وجهه . وروى ابن سعد في الطبقات بأسانيده ، قالوا : وأخذ الحسين طرق العذيب ، حتى نزل قصر أبي مقاتل ، فخفق خفقة ، ثم انتبه يسترجع وقال : رأيت كأن فارسا يسايرنا ويقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمت أنه نعى إلينا أنفسنا ، ثم سار فنزل بكربلاء ، فسار إليه عمر بن سعد في أربعة آلاف كالمكره ، واستعفى عبيد الله فلم يعفه ، ومع الحسين خمسون رجلا ، وتحول إليه من الجيش عشرون رجلا ، وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلا ، وقتل عامة أصحابه حوله ، وذلك في يوم الجمعة يوم عاشوراء ، وبقي عامة نهاره لا يقدم عليه أحد ، وأحاطت به الرجالة ، فكان يشد عليهم فيهزمهم ، وهم يتدافعونه ، يكرهون الإقدام عليه ، فصاح بهم شمر : ثكلتكم أمهاتكم ، ماذا تنتظرون به ؟ فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته ، ثم انتزع الرمح وطعن في بواني صدره ، فخر رضي الله عنه صريعا ، واحتز رأسه خولي الأصبحي لا رحمه الله ولا رضي عنه . وقال أبو معشر نجيح ، عن بعض مشيخته : إن الحسين قال حين نزلوا كربلاء : ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا : كربلاء ، قال : كرب وبلاء ، قال : وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم ، فقال الحسين : يا عمر ، اختر مني إحدى ثلاث ؛ إما تتركني أن أرجع ، أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم في ما رأى ، فإن أبيت فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت .
فأرسل عمر إلى ابن زياد بذلك ، فهم أن يسيره إلى يزيد ، فقال له شمر بن جوشن - كذا قال ، والأصح : شمر بن ذي الجوشن : لا أيها الأمير ، إلا أن ينزل على حكمك ، فأرسل إليه بذلك ، فقال الحسين : والله لا أفعل . وأبطأ عمر بن سعد عن قتاله ، فأرسل إليه ابن زياد شمر المذكور ، فقال : إن تقدم عمر وقاتل وإلا فاقتله وكن مكانه ، وكان مع عمر ثلاثون رجلا من أهل الكوفة ، فقالوا : يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال ، فلا تقبلون منها شيئا ؟! وتحولوا مع الحسين فقاتلوا . وقال عباد بن العوام ، عن حصين ، عن سعد بن عبيدة قال : رأيت الحسين وعليه جبة برود ، ورماه رجل يقال له : عمرو بن خالد الطهوي بسهم ، فنظرت إلى السهم معلقا بجنبه .
وقال ابن عيينة ، عن أبي موسى ، عن الحسن قال : قتل مع الحسين رضي الله عنه ستة عشر رجلا من أهل بيته . وعن غير واحد قالوا : قاتل يومئذ الحسين - وكان بطلا شجاعا - إلى أن أصابه سهم في حنكه ، فسقط عن فرسه ، فنزل شمر - وقيل غيره - فاحتز رأسه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وروى شريك عن مغيرة قال : قالت مرجانة لابنها عبيد الله : يا خبيث ، قتلت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا ترى الجنة أبدا .
وقال عباد بن العوام ، عن حصين : حدثني سعد بن عبيدة قال : إنا لمستنقعين في الفرات مع عمر بن سعد ، إذ أتاه رجل فساره ، فقال : قد بعث إليك عبيد الله جويرة بن بدر التميمي ، وأمره إن أنت لم تقاتل أن يضرب عنقك ، قال : فوثب على فرسه ، ودعا بسلاحه وعلا فرسه ، ثم سار إليهم ، فقاتلهم حتى قتلهم ، قال سعد : وإني لأنظر إليهم ، وإنهم لقريب مائة رجل ، ففيه من صلب علي رضي الله عنه خمسة أو سبعة ، وعشرة من الهاشميين ، ورجل من بني سليم ، وآخر من بني كنانة . وروى أبو شيبة العبسي عن عيسى بن الحارث الكندي قال : لما قتل الحسين مكثنا أياما سبعة ، إذا صلينا العصر نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان ، كأنها الملاحف المعصفرة ، وبصرنا إلى الكواكب ، يضرب بعضها بعضا . وقال المدائني ، عن علي بن مدرك ، عن جده الأسود بن قيس قال : احمرت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر ، يرى فيها كالدم ، فحدثت بذلك شريكا ، فقال لي : ما أنت من الأسود ؟ قلت : هو جدي أبو أمي ، فقال : أما والله إن كان لصدوق الحديث .
وقال هشام بن حسان ، عن ابن سيرين قال : تعلم هذه الحمرة في الأفق مم ؟ هو من يوم قتل الحسين . رواه سليمان بن حرب ، عن حماد ، عنه . وقال جرير بن عبد الحميد ، عن يزيد بن أبي زياد قال : قتل الحسين ولي أربعة عشرة سنة ، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا ، واحمرت آفاق السماء ، ونحروا ناقة في عسكرهم ، وكانوا يرون في لحمها النيران .
وقال ابن عيينة : حدثتني جدتي قالت : لقد رأيت الورس عاد رمادا ، ولقد رأيت اللحم كأن فيه النار حين قتل الحسين . وقال حماد بن زيد : حدثني جميل بن مرة قال : أصابوا إبلا في عسكر الحسين يوم قتل ، فنحروها وطبخوها ، فصارت مثل العلقم . وقال قرة بن خالد : حدثنا أبو رجاء العطاردي قال : كان لنا جار من بلهجيم ، فقدم الكوفة فقال : ما ترون هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله - يعني الحسين ، قال أبو رجاء : فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره ، وأنا رأيته .
وقال معمر بن راشد : أول ما عرف الزهري أنه تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك ، فقال الوليد : تعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين ؟ فقال الزهري : بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط . وروى الواقدي عن عمر بن محمد بن عمر بن علي ، عن أبيه قال : أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت فقال : هل كان في قتل الحسين علامة ؟ قال : ما كشف يومئذ حجر إلا وجد تحته دم عبيط . وقال جعفر بن سليمان : حدثتني أم سالم خالتي قالت : لما قتل الحسين مطرنا مطرا كالدم على البيوت والجدر .
وقال علي بن زيد بن جدعان ، عن أنس قال : لما قتل الحسين جيء برأسه إلى عبيد الله بن زياد ، فجعل ينكت بقضيب على ثناياه ، وقال : إن كان لحسن الثغر ، فقلت : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل موضع قضيبك من فيه . وقال حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم بنصف النهار ، أشعث أغبر ، وبيده قارورة فيها دم ، فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله ، ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل منذ اليوم ألتقطه ، فأحصي ذلك اليوم ، فوجدوه قتل يومئذ . وعن سلمى أنها دخلت على أم سلمة وهي تبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، وعلى رأسه ولحيته التراب ، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟ قال : شهدت قتل الحسين آنفا .
أخرجه الترمذي من حديث أبي خالد الأحمر قال : حدثنا رزين قال : حدثتني سلمى . قلت : رزين هو ابن حبيب ، كوفي . قال الترمذي : هذا حديث غريب .
وقال حماد بن سلمة ، عن عمار : سمعت أم سلمة قالت : سمعت الجن تبكي على حسين وتنوح عليه . وروي عن أم سلمة نحوه من وجه آخر . وروى عطاء بن مسلم عن أبي جناب الكلبي قال : أتيت كربلاء ، فقلت لرجل من أشراف العرب بها : بلغني أنكم تسمعون نوح الجن ، فقال : ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك ، قلت : فأخبرني ما سمعت أنت ، قال : سمعتهم يقولون : مسح الرسول جبينه فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريـ ـش وجده خير الجدود رواه ثعلب في أماليه ، قال : حدثنا عمر بن شبة قال : حدثنا عبيد بن جناد قال : حدثنا عطاء ، فذكره .
وقال الزبير بن بكار : حدثني محمد بن حسن المخزومي قال : لما أدخل ثقل الحسين على يزيد ووضع رأسه بين يديه بكى يزيد ، وقال : نفلق هاما من رجال أحبة إلينا وهم كانوا أعق وأظلما أما والله لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك أبدا . فقال علي بن الحسين : ليس هكذا ، قال : فكيف يا ابن أم ؟ قال : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا وعنده عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان ، فقال : لهام بجنب الطف أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصى وبنت رسول الله ليس لها نسل فضرب يزيد صدره ، وقال : اسكت . قال يحيى بن بكير : حدثني الليث بن سعد قال : أبى الحسين أن يستأسر ، فقاتلوه ، فقتل ، وقتل ابنه وأصحابه بالطف ، وانطلق ببنيه علي وفاطمة وسكينة إلى عبيد الله بن زياد ، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية ، فجعل سكينة خلف سريره ، لئلا ترى رأس أبيها ، وعلي بن الحسين في غل ، فضرب يزيد على ثنيتي الحسين وقال : نفلق هاما من أناس أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال علي : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا فثقل على يزيد أن تمثل ببيت ، وتلا علي آية ، فقال : بل فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ فقال علي : أما والله لو رآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مغلولين ، لأحب أن يخلينا من الغل ، قال : صدقت ، خلوهم .
قال : ولو وقفنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعد لأحب أن يقربنا ، قال : صدقت ، قربوهم . فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان ليريا رأس أبيهما ، وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستره عنهما ، ثم أمر بهم فجهزوا ، وأصلح آلتهم وأخرجوا إلى المدينة . كثير بن هشام ، قال : حدثنا جعفر بن برقان ، عن يزيد بن أبي زياد قال : لما أتي يزيد بن معاوية برأس الحسين جعل ينكت بمخصرة معه سنة ، يقول : ما كنت أظن أبا عبد الله بلغ هذا السن ، وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الأسود .
وقال ابن سعد ، عن الواقدي والمدائني ، عن رجالهما : إن محفز بن ثعلبة العائذي - عائذة قريش - قدم برأس الحسين على يزيد ، فقال : أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم ، فقال يزيد : ما ولدت أم محفز أحمق وألأم ، لكن الرجل لم يقرأ كتاب الله : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ الآية . ثم بعث يزيد برأس الحسين إلى عامله على المدينة ، فقال : وددت أنه لم يبعث به إلي ، ثم أمر به فدفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة . وقال عبد الصمد بن سعيد القاضي : حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني قال : سمعت أبا أمية الكلاعي قال : سمعت أبا كرب قال : كنت في القوم الذين توثبوا على الوليد بن يزيد ، وكنت فيمن نهب خزائنهم بدمشق ، فأخذت سفطا وقلت : فيه غنائي ، فركبت فرسي وجعلته بين يدي ، وخرجت من باب توما ففتحته ، فإذا بحريرة فيها رأس مكتوب عليه : هذا رأس الحسين ، فحفرت له بسيفي ودفنته .
وقال ابن جرير الطبري : حدثت عن أبي عبيدة أن يونس بن حبيب حدثه قال : لما قتل الحسين وبنو أبيه ، بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد ، فسر بقتلهم أولا ، ثم ندم ، فكان يقول : وما علي لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي ، وحكمته فيما يريد ، وإن كان علي في ذلك وهن في سلطاني حفظا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورعاية لحقه وقرابته ، لعن الله ابن مرجانة - يريد عبيد الله - فإنه أخرجه واضطره ، وقد كان سأل أن يخلي سبيله ، ويرجع من حيث أقبل ، أو يأتيني فيضع يده في يدي ، أو يلحق بثغر من الثغور ، فأبى ذلك ورده عليه ، فأبغضني بقتله المسلمون . وقال المدائني ، عن إبراهيم بن محمد ، عن عمرو بن دينار : حدثني محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه قال : لما قتل الحسين دخلنا الكوفة ، فلقينا رجل ، فدخلنا منزله فألحفنا ، فنمت ، فلم أستيقظ إلا بحس الخيل في الأزقة ، فحملنا إلى يزيد ، فدمعت عينه حين رآنا ، وأعطانا ما شئنا ، وقال لي : إنه سيكون في قومك أمور ، فلا تدخل معهم في شيء ، فلما كان من أهل المدينة ما كان ، كتب مع مسلم بن عقبة كتابا فيه أماني ، فلما فرغ مسلم من الحرة بعث إلي ، فجئته وقد كتبت وصيتي ، فرمى إلي بالكتاب ، فإذا فيه : استوص بعلي بن الحسين خيرا ، وإن دخل معهم في أمرهم فأمنه واعف عنه ، وإن لم يكن معهم فقد أصاب وأحسن . وقال غير واحد : قتل مع الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، وقد كان في آخر سنة ستين ، قتله ابن زياد صبرا ، وكان الحسين قد قدمه إلى الكوفة ليخبر من بها من شيعته بقدومه ، فنزل على هانئ بن عروة المرادي ، فأحس به عبيد الله بن زياد ، فقتل مسلما وهانئا .
وممن قتل مع الحسين يوم عاشوراء إخوته بنو أبيه ؛ جعفر ، وعتيق ، ومحمد ، والعباس الأكبر بنو علي ، وابنه الأكبر علي - وهو غير علي زين العابدين - وابنه عبد الله بن الحسين ، وابن أخيه القاسم بن الحسن ، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وأخوه عون ، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا مسلم بن عقيل ، رضي الله عنهم . وفيها ظنا وتخمينا ، قدم على ابن الزبير وهو بمكة المختار بن أبي عبيد الثقفي من الطائف ، وكان قد طرد إلى الطائف ، وكان قوي النفس ، شديد البأس ، يظهر المناصحة والدهاء ، وكان يختلف إلى محمد ابن الحنفية ، فيسمعون منه كلاما ينكرونه ، فلما مات يزيد استأذن ابن الزبير في المضي إلى العراق ، فأذن له وركن إليه ، وكتب إلى عامله على العراق عبد الله بن مطيع يوصيه به ، فكان يختلف إلى ابن مطيع ، ثم أخذ يعيب في الباطن ابن الزبير ويثني على ابن الحنفية ، ويدعو إليه ، ويحرض أهل الكوفة على ابن مطيع ، ويكذب وينافق ، فراج أمره واستغوى طائفة ، وصار له شيعة ، إلى أن خافه ابن مطيع ، وهرب منه ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى .