المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن قصي بن كلاب
المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن قصي بن كلاب ، أبو عبد الرحمن ، ويقال : أبو عثمان الزهري ، ابن عاتكة أخت عبد الرحمن بن عوف . له صحبة ورواية ، وروى أيضا عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وخاله . روى عنه علي بن الحسين ، وعروة ، وسليمان بن يسار ، وابن أبي مليكة ، وولداه عبد الرحمن ، وأم بكر ، وعبد الله بن حنين ، وعمرو بن دينار .
وقدم بريدا لدمشق من عثمان إلى معاوية أيام حصر عثمان ، ووفد على معاوية في خلافته ، وكان ممن يلزم عمر ويحفظ عنه ، وانحاز إلى مكة كابن الزبير ، وكره إمرة يزيد ، وأصابه حجر منجنيق لما حاصر الحصين بن نمير ابن الزبير . قال الزبير بن بكار : وكانت الخوارج تغشاه وتعظمه وينتحلون رأيه ، حتى قتل تلك الأيام . وقال أبو عامر العقدي : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، عن أم بكر : أن أباها احتكر طعاما ، فرأى سحابا من سحاب الخريف فكرهه ، فلما أصبح جاء إلى السوق فقال : من جاءني وليته ، فبلغ ذلك عمر ، فأتاه بالسوق فقال : أجننت يا مسور ؟ قال : لا والله ، ولكني رأيت سحابا من سحاب الخريف ، فكرهته ، فكرهت أن أربح فيه ، وأردت أن لا أربح فيه ، فقال عمر : جزاك الله خيرا .
وقال إسحاق الكوسج : قال ابن معين : مسور بن مخرمة ثقة . إنما كتبت هذا للتعجب ، فإنهم متفقون على صحبة المسور ، وأنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم . وقال ابن وهب : حدثنا حيوة ، قال : حدثنا عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة : أن المسور أخبره : أنه قدم على معاوية ، فقضى حاجته ، ثم خلا به ، فقال : يا مسور ، ما فعل طعنك على الأئمة ؟ قال : دعنا من هذا ، وأحسن فيما قدمنا له ، قال معاوية : والله لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي ، قال : فلم أترك شيئا أعيبه عليه إلا بينته له ، فقال : لا أبرأ من الذنب ، فهل تعد لنا يا مسور مما نلي من الإصلاح في أمر العامة ، فإن الحسنة بعشر أمثالها ، أم تعد الذنوب وتترك الإحسان ؟ قلت : لا والله ما نذكر إلا ما نرى من الذنوب ، فقال : فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه ، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفر الله لك ؟ قال : نعم ، قال : فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني ، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي ، ولكن والله لا أخير بين أمرين ، بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه ، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ، ويجزى فيه بالحسنات ، ويجزى فيه بالذنوب ، إلا أن يعفو الله عنها ، وإني أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها من الأجر ، وألي أمورا عظاما من إقامة الصلاة ، والجهاد ، والحكم بما أنزل الله .
قال : فعرفت أنه قد خصمني لما ذكر ذلك . قال عروة : فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه . وعن أم بكر بنت المسور أن المسور كان يصوم الدهر ، وكان إذا قدم مكة طاف لكل يوم غاب عنها سبعا ، وصلى ركعتين .
وقال الواقدي : حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن عمته أم بكر بنت المسور ، عن أبيها ، أنه وجد يوم القادسية إبريق ذهب عليه الياقوت والزبرجد ، فلم يدر ما هو ، فلقيه فارسي فقال : آخذه بعشرة آلاف ، فعرف أنه شيء ، فبعث به إلى سعد بن أبي وقاص ، فنفله إياه ، وقال : لا تبعه بعشرة آلاف ، فباعه له سعد بمائة ألف ، ودفعها إلى المسور ، ولم يخمسها . وعن عطاء بن يزيد الليثي قال : لحق المسور بابن الزبير بمكة ، فكان ابن الزبير لا يقطع أمرا دونه . قال الواقدي : وحدثني شرحبيل بن أبي عون .
عن أبيه قال : لما دنا الحصين بن نمير أخرج المسور سلاحا قد حمله من المدينة ودروعا ، ففرقها في موال له كهول فرس جلد ، فدعاني ، ثم قال لي : يا مولى عبد الرحمن بن مسور ، قلت : لبيك ، قال : اختر درعا ، فاخترت درعا وما يصلحها ، وأنا يومئذ غلام حدث ، فرأيت أولئك الفرس غضبوا وقالوا : تخيره علينا ؟ والله لو جد الجد تركك ، فقال : لتجدن عنده حزما ، فلما كان القتال أحدقوا به ، ثم انكشفوا عنه ، واختلط الناس ، والمسور يضرب بسيفه ، وابن الزبير في الرعيل الأول يرتجز قدما ، ومعه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف يفعلان الأفاعيل ، إلى أن أحدقت جماعة منهم بالمسور ، فقام دونه مواليه ، فذبوا عنه كل الذب ، وجعل يصيح بهم ، فما خلص إليه ، ولقد قتلوا من أهل الشام يومئذ نفرا . قال : وحدثني عبد الله بن جعفر ، عن أم بكر ، وأبي عون قالا : أصاب المسور حجر المنجنيق ، ضرب البيت فانفلق منه فلقة ، فأصابت خد المسور وهو قائم يصلي ، فمرض منها أياما ، ثم مات في اليوم الذي جاء فيه نعي يزيد ، وابن الزبير يومئذ لا يسمى بالخلافة ، بل الأمر شورى . زادت أم بكر : كنت أرى العظام تنزع من صفحته ، وما مكث إلا خمسة أيام ومات .
فذكرته لشرحبيل بن أبي عون فقال : حدثني أبي قال : قال لي المسور : هات درعي ، فلبسها ، وأبى أن يلبس المغفر ، قال : وتقبل ثلاثة أحجار ، فيضرب الأول الركن الذي يلي الحجر فخرق الكعبة حتى تغيب ، ثم اتبعه الثاني في موضعه ، ثم الثالث فينا ، وتكسر منه كسرة ، فضربت خد المسور وصدغه الأيسر ، فهشمته هشما ، فغشي عليه ، واحتملته أنا ومولى له ، وجاء الخبر ابن الزبير ، فأقبل يعدو ، فكان فيمن حمله ، وأدركنا مصعب بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير ، فمكث يومه لا يتكلم ، فأفاق من الليل ، وعهد ببعض ما يريد ، وجعل عبيد بن عمير يقول : يا أبا عبد الرحمن كيف ترى في قتال هؤلاء ؟ فقال : على ذلك قتلنا ، فكان ابن الزبير لا يفارقه بمرضه حتى مات ، فولي ابن الزبير غسله ، وحمله فيمن حمله إلى الحجون ، وإنا لنطأ به القتلى ونمشي بين أهل الشام ، فصلوا معنا عليه . قلت : لأنهم علموا يومئذ بموت يزيد ، وكلم حصين بن نمير عبد الله بن الزبير في أن يبايعه بالخلافة ، وبطل القتال بينهم . وعن أم بكر قالت : ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين ، وبها توفي لهلال ربيع الآخر سنة أربع وستين .
وقال الهيثم : توفي سنة سبعين ، وهو غلط منه . وقال المدائني : مات سنة ثلاث وسبعين من حجر المنجنيق ، فوهم أيضا ، اشتبه عليه بالحصار الأخير . وتابعه يحيى بن معين .
وعلى القول الأول جماعة منهم : يحيى بن بكير ، وأبو عبيد ، والفلاس ، وغيرهم .