أبو مسلم الخولاني الداراني الزاهد
م 4 : أبو مسلم الخولاني الداراني الزاهد ، سيد التابعين بالشام . اسمه عبد الله بن ثوب على الأصح ، وقيل : اسمه عبد الله بن عبد الله ، وقيل : ابن ثواب ، وقيل : ابن عبيد ، وقيل : ابن مسلم ، وقيل : اسمه يعقوب بن عوف . قدم من اليمن ، وقد أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقدم المدينة في خلافة أبي بكر .
وروى عن عمر ، ومعاذ ، وأبي عبيدة ، وأبي ذر ، وعبادة بن الصامت . روى عنه أبو إدريس عائذ الله الخولاني ، وأبو العالية الرياحي ، وجبير بن نفير ، وعطاء بن أبي رباح ، وشرحبيل بن مسلم ، وأبو قلابة الجرمي ، ومحمد بن زياد الألهاني ، وعمير بن هانئ ، وعطية بن قيس ، ويونس بن ميسرة ، وفي بعض هؤلاء من روايته عنه مرسلة . قال إسماعيل بن عياش : حدثنا شرحبيل بن مسلم ، قال : أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- واستخلف أبو بكر .
وقال إسماعيل : حدثنا شرحبيل ، أن الأسود تنبأ باليمن ، فبعث إلى أبي مسلم ، فأتاه بنار عظيمة ، ثم ألقى أبا مسلم فيها ، فلم تضره ، فقيل للأسود : إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك ، فأمره بالرحيل ، فقدم المدينة وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأناخ راحلته ودخل المسجد يصلي ، فبصر به عمر ، فقام إليه فقال : ممن الرجل ؟ قال : من اليمن ، فقال : ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار ؟ قال : ذاك عبد الله بن ثوب ، قال : فنشدتك بالله أنت هو - قال : اللهم نعم ، فاعتنقه عمر وبكى ، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق وقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من صنع به كما صنع بإبراهيم الخليل . رواه غير واحد ، عن عبد الوهاب بن نجدة ، وهو ثقة ، قال : حدثنا إسماعيل ، فذكره . ويروى عن مالك بن دينار أن كعبا رأى أبا مسلم الخولاني ، فقال : من هذا ؟ قالوا : أبو مسلم الخولاني .
قال : هذا حكيم هذه الأمة . وقال معمر ، عن الزهري ، قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك ، فكان يتناول عائشة رضي الله عنها ، فقلت : يا أمير المؤمنين ألا أحدثك عن رجل من أهل الشام كان قد أوتي حكمة ؟ قال : من هو ؟ قلت : أبو مسلم الخولاني ، سمع أهل الشام ينالون من عائشة فقال : ألا أخبركم بمثلي ومثل أمكم هذه ، كمثل عينين في رأس يؤذيان صاحبهما ، ولا يستطيع أن يعاقبهما إلا بالذي هو خير لهما ، فسكت . وقال الزهري : أخبرنيه أبو إدريس الخولاني ، عن أبي مسلم .
وقال عثمان بن أبي العاتكة : علق أبو مسلم سوطا في مسجده ، وكان يقول : أنا أولى بالسوط من البهائم ، فإذا دخلته فترة مشق ساقيه سوطا أو سوطين . قال : وكان يقول : لو رأيت الجنة عيانا والنار عيانا ما كان عندي مستزاد . وقال إسماعيل بن عياش ، عن شرحبيل : إن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله ، فلم يجداه ، فأتيا المسجد فوجداه يركع ، فانتظرا انصرافه ، وأحصيا ، فقال أحدهما : إنه ركع ثلاثمائة ركعة ، والآخر أربعمائة ركعة ، قبل أن ينصرف .
وقال الوليد بن مسلم : أخبرني عثمان بن أبي العاتكة أن أبا مسلم الخولاني سمع رجلا يقول : من سبق اليوم ؟ فقال : أنا السابق ، قالوا : وكيف يا أبا مسلم ؟ قال : أدلجت من داريا ، فكنت أول من دخل مسجدكم . وقال أبو بكر بن أبي مريم ، عن عطية بن قيس ، قال : دخل أناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غاز في أرض الروم ، وقد احتفر جورة في فسطاطه ، وجعل فيها نطعا ، وأفرغ فيه الماء ، وهو يتصلق فيه ، قالوا : ما حملك على الصيام وأنت مسافر ؟ قال : لو حضر قتال لأفطرت ولتهيأت له وتقويت ، إن الخيل لا تجري الغايات وهن بدن ، إنما تجري وهن ضمر ، ألا وإن أمامنا باقية جائية لها نعمل . وقال يزيد بن يزيد بن جابر : كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير ، حتى مع الصبيان ، ويقول : اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون .
وقال محمد بن زياد الألهاني ، عن أبي مسلم الخولاني - وأراه منقطعا - أنه كان إذا غزا أرض الروم ، فمروا بنهر قال : أجيزوا باسم الله ، ويمر بين أيديهم ، فيمرون بالنهر الغمر ، فربما لم يبلغ من الدواب إلا الركب ، فإذا جازوا قال : هل ذهب لكم شيء ، فألقى بعضهم مخلاته ، فلما جاوزوا قال : مخلاتي وقعت ، قال : اتبعني ، فاتبعته ، فإذا بها معلقة بعود في النهر ، فقال : خذها . وقال سليمان بن المغيرة ، عن حميد الطويل : إن أبا مسلم أتى على دجلة ، وهي ترمي بالخشب من مدها ، فوقف عليها ثم حمد الله وأثنى عليه ، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر ثم لهز دابته ، فخاضت الماء ، وتبعه الناس حتى قطعوا ، ثم قال : هل فقدتم شيئا ، فأدعوا الله أن يرده علي ؟ وقال عنبسة بن عبد الواحد : حدثنا عبد الملك بن عمير قال : كان أبو مسلم الخولاني إذا استسقى سقي . وقال بقية ، عن محمد بن زياد ، عن أبي مسلم الخولاني : إن امرأة خببت عليه امرأته ، فدعا عليها ، فذهب بصرها ، فأتته ، فاعترفت ، وقالت : إني لا أعود ، فقال : اللهم إن كانت صادقة فاردد بصرها ، فأبصرت .
وقال ضمرة بن ربيعة ، عن بلال بن كعب قال : قال الصبيان لأبي مسلم الخولاني : ادع الله أن يحبس علينا هذا الظبي فنأخذه ، فدعا الله فحبسه عليهم حتى أخذوه . وروى عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه : قالت امرأة أبي مسلم الخولاني : ليس لنا دقيق . فقال : هل عندك شيء ؟ قالت : درهم بعنا به غزلا ، قال : ابغنيه ، وهاتي الجراب ، فدخل السوق ، فأتاه سائل وألح ، فأعطاه الدرهم ، وملأ الجراب من نحاتة النجارة مع التراب ، وأتى وقلبه مرعوب منها ، فرمى الجراب وذهب ، ففتحته ، فإذا به دقيق حوارى فعجنت وخبزت ، فلما ذهب من الليل هوي جاء فنقر الباب ، فلما دخل وضعت بين يديه خوانا وأرغفة ، فقال : من أين هذا ؟ قالت : من الدقيق الذي جئت به ، فجعل يأكل ويبكي .
رواها ضمرة بن ربيعة ، عن عثمان . وقال أبو مسهر ، وغيره : حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، أن أبا مسلم استبطأ خبر جيش كان بأرض الروم ، فبينا هو على تلك الحال ، إذ دخل طائر فوقع وقال : أنا أربيابيل مسل الحزن من صدور المؤمنين ، فأخبره خبر ذلك الجيش ، فقال أبو مسلم : ما جئت حتى استبطأتك . وقال سعيد بن عبد العزيز : كان أبو مسلم الخولاني يرتجز يوم صفين ويقول : ما علتي ما علتي وقد لبست درعتي أموت عبد طاعتي وقال إسماعيل بن عياش : حدثنا هشام بن الغاز ، قال : حدثني يونس الهرم ، أن أبا مسلم الخولاني قام إلى معاوية وهو على المنبر ، فقال : يا معاوية ، إنما أنت قبر من القبور ، إن جئت بشيء كان لك شيء ، وإلا فلا شيء لك ، يا معاوية ، لا تحسب أن الخلافة جمع المال وتفرقته ، إنما الخلافة القول بالحق ، والعمل بالمعدلة ، وأخذ الناس في ذات الله ، يا معاوية ، إنا لا نبالي بكدر الأنهار إذا صفا لنا رأس عيننا ، إياك أن تميل على قبيلة ، فيذهب حيفك بعدلك ، ثم جلس .
فقال له معاوية : يرحمك الله يا أبا مسلم . وقال أبو بكر بن أبي مريم ، عن عطية بن قيس ، قال : دخل أبو مسلم على معاوية ، فقام بين السماطين فقال : السلام عليك أيها الأجير ، فقالوا : مه . قال : دعوه فهو أعرف بما يقول ، وعليك السلام يا أبا مسلم ، ثم وعظه وحثه على العدل .
وقال إسماعيل بن عياش : حدثنا شرحبيل بن مسلم ، عن أبي مسلم الخولاني ، أنه كان إذا دخل الروم لا يزال في المقدمة ، حتى يؤذن للناس ، فإذا أذن لهم كان في الساقة ، وكانت الولاة يتيمنون به ، فيؤمرونه على المقدمات . وقال سعيد بن عبد العزيز : توفي أبو مسلم بأرض الروم ، وكان قد شتى مع بسر بن أبي أرطاة ، فأدركه أجله ، فأتاه بسر في مرضه ، فقال له أبو مسلم : اعقد لي على من مات في هذه الغزاة من المسلمين ، فإني أرجو أن آتي بهم يوم القيامة على لوائهم . وقال الإمام أحمد : حدثت عن محمد بن شعيب ، عن بعض مشيخة دمشق ، قال : أقبلنا من أرض الروم ، فمررنا بالعمير ، على أربعة أميال من حمص في آخر الليل ، فاطلع الراهب من صومعة ، فقال : هل تعرفون أبا مسلم الخولاني ؟ قلنا : نعم .
قال : إذا أتيتموه فأقرئوه السلام ، فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم ، أما إنكم لا تجدونه حيا ، فلما أشرفنا على الغوطة بلغنا موته . قال الحافظ ابن عساكر : يعني سمعوا ذلك . وكانت وفاته بأرض الروم كما حكينا .
وقال ابن عياش ، عن شرحبيل بن مسلم ، عن سعيد بن هانئ ، قال : قال معاوية : إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني ، وكريب بن سيف الأنصاري . هذا حديث حسن الإسناد ، يعني أن أبا مسلم توفي قبل معاوية . وقد قال المفضل بن غسان : توفي علقمة وأبو مسلم الخولاني سنة اثنتين وستين .
أبو ميسرة الهمداني هو عمرو بن شرحبيل ، مر .