أنس بن مالك بن النضر
ع : أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي ، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر أصحابه موتا . روى عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا كثيرا ، وعن : أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وأسيد بن الحضير ، وأبي طلحة ، وعبادة بن الصامت ، وأمه أم سليم ، وخالته أم حرام ، وابن مسعود ، ومعاذ ، وأبي ذر ، وطائفة . روى عنه : الحسن ، وابن سيرين ، والشعبي ، ومكحول ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبو قلابة ، وطائفة من هذه الطائفة ، ثم إسماعيل بن عبيد الله ، وقتادة ، وثابت ، والزهري ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، وابن المنكدر ، وخلقٌ كثير من هذه الطبقة ، وحميد الطويل ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وسليمان التيمي ، وآخرون من هذه الطبقة الثالثة ، وعمر بن شاكر ، وكثير بن سليم ، وناس قليل من هذه الطبقة التي انقرضت بعد السبعين ومائة ، لكن ليس فيها من يحتج به .
وروى عنه بعدهم ناس متهمون بالكذب كخراش ، وإبراهيم بن هدبة ، ودينار أبو مكيس ، حدثوا في حدود المائتين . قلت : أسماء الرواة عنه التهذيب ثمانون سطرا ، فعن أنس قال : كناني النبي صلى الله عليه وسلم ببقلة اجتنيتها ، يعني : حمزة . وفي الصحيح ، عن أنس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر ، وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته .
وقال علي بن زيد بن جدعان ، وليس بالقوي ، عن سعيد بن المسيب ، عن أنس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن ثمان سنين ، فأخذت أمي بيدي ، فانطلقت بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله إنه لم يبق رجلٌ ولا امرأةٌ من الأنصار إلا وقد أتحفك بتحفة ، وإني لا أقدر على ما أتحفك به ، إلا ابني هذا ، فخذه فليخدمك ما بدا لك ، فخدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما ضربني ولا سبني سبة ، ولا عبس في وجهي . رواه الترمذي بأطول من هذا . وقال عكرمة بن عمار : حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال : حدثني أنس قال : جاءت بي أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أزرتني بنصف خمارها وردتني ببعضه ، فقالت : هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك ، فادع الله له ، فقال : اللهم أكثر ماله وولده .
قال أنس : فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو من مائة اليوم . وروى نحوه جعفر بن سليمان ، عن ثابت . وقال شعبة ، عن قتادة ، عن أنس : إن أم سليم قالت : يا رسول الله ، أنس خادمك ، ادع الله له ، فقال : اللهم أكثر ماله وولده ، فأخبرني بعض ولدي أنه دفن من ولدي وولد ولدي أكثر من مائة .
وقال الحسين بن واقد : حدثني ثابت ، عن أنس ، قال : دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم أكثر ماله وولده وأطل حياته ، فالله أكثر مالي حتى إن كرما لي لتحمل في السنة مرتين ، وولد لصلبي مائة وستة . أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن سنة اثنتين وتسعين وست مائة ، قال : أخبرنا محمد بن خلف سنة ست عشرة قال : أخبرنا أبو طاهر السلفي ، قال : أخبرنا أحمد ومحمد ابنا عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني ، قالا : أخبرنا علي بن محمد الفرضي ، قال : حدثنا أبو عمرو بن حكيم ، قال : حدثنا أبو حاتم الرازي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : حدثني حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم ، فأتته بتمر وسمن ، فقال : أعيدوا تمركم في وعائكم وسمنكم في سقائكم فإني صائم ، ثم قام في ناحية البيت ، فصلى بنا صلاة غير مكتوبة ، فدعا لأم سليم ولأهل بيتها ، فقالت أم سليم : يا رسول الله إن لي خويصة ، قال : وما هي ؟ قالت : خادمك أنس ، فما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا لي به ، ثم قال : اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه ، فإني لمن أكثر الأنصار مالا . وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن من صلبي إلى مقدم الحجاج البصرة تسعةٌ وعشرون ومائة .
وقال الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثنا أبو داود ، عن أبي خلدة قال : قلت لأبي العالية : سمع أنس من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : خدمه عشر سنين ، ودعا له ، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين ، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك . أبو خلدة احتج به البخاري . وقال ابن سعد : حدثنا الأنصاري ، عن أبيه ، عن مولى لأنس أنه قال له : شهدت بدرا ؟ فقال : لا أم لك ، وأين غبت عن بدرٍ ؟ ! قال الأنصاري : خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وهو غلام يخدمه ، وقد رواه عمر بن شبة ، عن الأنصاري ، عن أبيه ، عن ثمامة ، قال : قيل لأنس ، فذكر مثله .
قلت : لم أر أحدا من أصحاب المغازي قال هذا . وعن موسى بن أنس قال : غزا أنس ثمان غزوات . وقال ثابت البناني : قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم ، يعني : أنسا .
وقال أنس بن سيرين : كان أنس أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر . وقال الأنصاري : حدثني أبي ، عن ثمامة ، قال : كان أنس يصلي حتى تقطر قدماه دما مما يطيل القيام . وقال جعفر بن سليمان : حدثنا ثابت قال : جاء قيم أرض أنس ، فقال : عطشت أرضوك ، فتردى أنس ، ثم خرج إلى البرية ، ثم صلى ودعا ، فثارت سحابةٌ وغشت أرضه ومطرت حتى ملأت صهرية له ، وذلك في الصيف ، فأرسل بعض أهله فقال : انظر أين بلغت ، فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرا .
روى نحوه الأنصاري ، عن أبيه ، عن ثمامة . وقال همام بن يحيى ، حدثني من صحب أنسا قال : لما أحرم لم أقدر أن أكلمه حتى حل من شدة اتقائه على إحرامه . وقال ابن عون ، عن موسى بن أنس : إن أبا بكر بعث إلى أنس بن مالك ليوجهه على البحرين ساعيا ، فدخل عليه عمر فقال : إني أردت أن أبعث هذا على البحرين ، وهو فتى شاب ، فقال له عمر : ابعثه ، فإنه لبيبٌ كاتبٌ ، فبعثه ، فلما قبض أبو بكر قدم على عمر ، فقال : هات ما جئت به ، قال : يا أمير المؤمنين ، البيعة أولا ، فبسط يده .
وقال حماد بن سلمة : أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس ، قال : استعملني أبو بكر على الصدقة ، فقدمت وقد مات ، فقال عمر : يا أنس ، أجئتنا بظهرٍ ؟ قلت : نعم . قال : جئنا بالظهر ، والمال لك . قلت : هو أكثر من ذلك .
قال : وإن كان ، فهو لك . وكان أربعة آلاف . وقال ثابت ، عن أنس قال : صحبت جرير بن عبد الله ، فكان يخدمني ، وقال : إني رأيت الأنصار يصنعون برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، لا أرى أحدا منهم إلا خدمته .
قال خليفة بن خياط : كتب ابن الزبير بعد موت يزيد بن معاوية إلى أنس ، فصلى بالناس بالبصرة أربعين يوما . وقال الأعمش : كتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان - يعني : لما آذاه الحجاج - : إني خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ، والله لو أن النصارى أدركوا رجلا خدم نبيهم لأكرموه . وقال جعفر بن سليمان : حدثنا علي بن زيد ، قال : كنت بالقصر ، والحجاج يعرض الناس ليالي ابن الأشعث ، فجاء أنس بن مالك ، فقال : يا خبيث جوالٌ في الفتن ، مرة مع علي ، ومرة مع ابن الزبير ، ومرة مع ابن الأشعث ، أما والذي نفسي بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة ، ولأجردنك كما يجرد الضب .
قال : يقول : أنس : من يعني الأمير ؟ قال : إياك أعني ، أصم الله سمعك ، فاسترجع أنس ، وشغل الحجاج ، وخرج أنسٌ ، فتبعناه إلى الرحبة ، فقال : لولا أني ذكرت ولدي وخشيته عليهم بعدي لكلمته بكلامٍ لا يستحييني بعده أبدا . وقال عبد الله بن سالم الأشعري ، عن أزهر بن عبد الله ، قال : كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك ، وكان فيمن يؤلب على الحجاج ، وكان مع عبد الرحمن بن الأشعث ، فأتوا به الحجاج ، فوسم في يده : عتيق الحجاج . وقال الأعمش : كتب أنس إلى عبد الملك : قد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ، وإن الحجاج يعرض بي حوكة البصرة ، فقال : يا غلام ، اكتب إليه : ويلك قد خشيت أن لا يصلح على يدي أحدٌ ، فإذا جاءك كتابي هذا ، فقم إلى أنس حتى تعتذر إليه ، قال الرسول : فلما جئته قرأ الكتاب ، ثم قال : أمير المؤمنين كتب بما هنا ؟ قلت : إي والله ، وما كان في وجهه أشد من هذا ، قال : سمعٌ وطاعة ، فأراد أن ينهض إليه ، فقلت : إن شئت أعلمته ، فأتيت أنسا ، فقلت : ألا ترى قد خافك ، وأراد أن يقوم إليك ، فقم إليه ، فأقبل يمشي حتى دنا منه ، فقال : يا أبا حمزة غضبت ؟ قال : أغضب ؟ تعرضني بحوكة البصرة ؟ قال : إنما مثلي ومثلك كقول الذي قال : إياك أعني واسمعي يا جارة ، أردت أن لا يكون لأحدٍ علي منطق .
وقال عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر ، قال : رأيت أنس بن مالك أبرص ، وبه وضحٌ شديدٌ ، ورأيته يأكل ، فيلقم لقما كبارا . وقال عفان : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : حدثنا حميد ، عن أنس قال : يقولون : لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب مؤمن ، وقد جمع الله حبهما في قلوبنا . وقال يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أمه أنها رأت أنسا متخلقا بالخلوق ، وكان به برصٌ ، فسمعني وأنا أقول لأهله : لهذا أجلد من سهل بن سعد ، وهو أكبر من سهل ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لي .
وقال خليفة : قال أبو اليقظان : مات لأنس في طاعون الجارف ثمانون ابنا ، ويقال : سبعون في سنة تسعٍ وستين . وقال معاذ بن معاذ : حدثنا عمران ، عن أيوب قال : ضعف أنس عن الصوم ، فصنع جفنة من ثريد ، ودعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم . قلت : أنس رضي الله عنه ، ممن استكمل مائة سنة بيقينٍ ، فإنه قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر .
وقد قال شعيب بن الحبحاب : توفي سنة تسعين . وقال أحمد بن حنبل : حدثنا معتمر ، عن حميد : أن أنسا مات سنة إحدى وتسعين ، وكذا قال قتادة ، والهيثم بن عدي ، وسعيد بن عفير ، وأبو عبيدة . وقال الواقدي : سنة اثنتين وتسعين ، تابعه معن بن عيسى ، عن ابنٍ لأنس بن مالك .
وقال سعيد بن عامر ، وإسماعيل بن علية ، وأبو نعيم ، والمدائني ، والفلاس ، وخليفة ، وقعنب ، وغيرهم : سنة ثلاث . وقال محمد بن عبد الله الأنصاري : اختلف علينا مشيختنا في سن أنس ، فقال بعضهم : بلغ مائة وثلاث سنين . وقال بعضهم : بلغ مائة وسبع سنين .
وقال يحيى بن بكير : توفي أنس وهو ابن مائة وسنة . قلت : وفي الصحابة :