جرير ابن الخطفى
جرير ابن الخطفى ، وهو جرير بن عطية بن حذيفة بن بدر بن سلمة ، أبو حزرة التميمي البصري الشاعر المشهور . مدح يزيد بن معاوية ومن بعده من الأمويين ، وإليه المنتهى وإلى الفرزدق في حسن النظم ، فعن أبي عبيدة ، عن عثمان التيمي قال : رأيت جريراً وما يضم شفتيه من التسبيح ، فقلت : ما ينفعك هذا وأنت تقذف المحصنات ! فقال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وعد من الله حقٌ . وعن بشار قال : كان جرير يحسن ضروباً من الشعر لا يحسنها الفرزدق .
روى محمد بن سلام الجمحي ، عن يونس قال : كان الفرزدق يتضور ويجزع إذا أنشد لجرير ، وكان جرير أصبرهما . قال بشار بن برد : أجمع أهل الشام على جرير والفرزدق ، والأخطل دونهما ، وممن فضل جريراً على الفرزدق : ابن هرمة ، وعبيدة بن هلال . قال يونس بن حبيب : قال الفرزدق لامرأته النوار : أنا أشعر أم ابن المراغة ؟ قالت : غلبك على حلوه وشركك في مره .
وقال محمد بن سلام : ذاكرت مروان بن أبي حفصة ، فقال : ذهب الفرزدق بالفخار وإنما حلو القريض ومره لجرير هشام ابن الكلبي ، عن أبيه ، أن أعرابياً مدح عبد الملك بن مروان فأحسن ، فقال له عبد الملك : تعرف أهجى بيتٍ في الإسلام ؟ قال : نعم ، قول جرير : فغض الطرف إنك من نميرٍ فلا كعباً بلغت ولا كلاباً قال : أصبت ، فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام ؟ قال : نعم ، قول جرير : إن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا قال : أحسنت ، فهل تعرف جريراً ؟ قال : لا والله وإني إلى رؤيته لمشتاق ، قال : فهذا جرير ، وهذا الأخطل ، وهذا الفرزدق ، فأنشأ الأعرابي يقول : فحيا الإله أبا حزرة وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به ودق خياشمه الجندل فأنشأ الفرزدق يقول : بل أرغم الله أنفاً أنت حامله يا ذا الخنا ومقال الزور والخطل ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل . فغضب جرير وقال أبياتاً ، ثم وثب فقبل رأس الأعرابي وقال : يا أمير المؤمنين جائزتي له ، وكانت كل سنة خمسة عشر ألفاً ، فقال عبد الملك : وله مثلها مني . قال نفطويه : حدثني عبد الله بن أحمد المزني أن جارية قالت للحجاج : يدخل عليك جرير فيشبب بالحرم ، قال : ما علمته إلا عفيفاً ، قالت : فأخلني وإياه ، فأخلاهما ، فقالت : يا جرير ، فنكس رأسه ، وقال : هاأنذا ، قالت : بالله أنشدني قولك : أوانس أما من أردن عناءه فعانٍ ومن أطلقن فهو طليق دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأسهم أعداءٍ وهن صديق فقال : ما أعرف هذا ولكني القائل : ومن يأمن الحجاج أما نكاله فصعبٌ وأما عهده فوثيق يسر لك البغضاء كل منافقٍ كما كل ذي دينٍ عليك شفيق ولجرير : يا أم ناجية السلام عليكم قبل الرحيل وقبل يوم المعدل لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل توفي جرير سنة عشرٍ ومائة بعد الفرزدق بشهر .