عامر بن شراحيل الشّعبيّ
ع : عامر بن شراحيل الشّعبيّ ، شعب همدان ، أبو عمرو . علاّمة أهل الكوفة في زمانه ، ولد في وسط خلافة عمر . وروى عن : عليّ يسيراً ، وعن المغيرة بن شعبة ، وعمران بن حصين ، وعائشة ، وأبي هريرة ، وجرير البجلي ، وعدي بن حاتم ، وابن عباس ، ومسروق ، وخلق كثير ، وقرأ القرآن على علقمة ، وأبي عبد الرحمن السّلمي .
قرأ عليه : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وروى عنه : إسماعيل بن أبي خالد ، وداود بن أبي هند ، والأعمش ، وابن عون ، ومجالد ، وأبو حنيفة ، ويونس بن أبي إسحاق ، ومنصور بن عبد الرحمن ، وخلق كثير . قال أحمد بن عبد الله العجلي : مرسل الشّعبي صحيح ، لا يكاد يرسل إلا صحيحاً . قال الشّعبي : ولدت عام جلولاء ، قاله ابن عيينة ، عن السّريّ بن إسماعيل ، أحد الضعفاء ، وجلولاء كانت سنة سبع عشرة .
وقال عاصم الأحول : كان الشّعبيّ أكثر حديثاً من الحسن ، وأكبر منه بسنتين ، ولد لأربع بقين من خلافة عمر . وقال خليفة : ولد سنة إحدى وعشرين ، وقيل غير ذلك . شعبة ، عن منصور بن عبد الرحمن الغداني ، عن الشّعبيّ قال : أدركت خمس مائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أكثر .
وقال ابن شبرمة : سمعت الشّعبيّ يقول : ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا ، ولا حدّثني رجل بحديثٍ قطّ إلاّ حفظته ، ولا أحببت أن يعيده عليّ ، رواه محمد بن فضيل عنه . وقال ابن عيينة : حدثنا ابن شبرمة ، قال : سمعت الشّعبيّ يقول : ما سمعت منذ عشرين سنة رجلاً يحدّث بحديثٍ إلاّ وأنا أعلم به منه ، ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجلٌ لكان به عالماً . وقال نوح بن قيس الطّاحي ، عن يونس بن مسلم ، عن وادع الراسبيّ ، عن الشّعبيّ قال : ما أروي شيئاً أقلّ من الشعر ، ولو شئت لأنشدتكم شهراً لا أعيد ، رواه عبيد الله القواريريّ ، عن نوح أيضاً ، لكنّه قال : عن يونس ، ووادع ، كلاهما عن الشّعبيّ .
قال أبو أسامة : كان عمر في زمانه ، وكان بعده ابن عبّاس ، وكان بعده الشّعبيّ ، وكان بعده الثّوريّ في زمانه . قال محمود بن غيلان : وكان بعد الثّوري يحيى بن آدم . وقال شريك ، عن عبد الملك بن عمير قال : مرّ ابن عمر بالشّعبيّ وهو يقرأ المغازي ، فقال : كأنّه كان شاهداً معنا ، ولهو أحفظ لها منّي وأعلم .
وقال أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين قال : ما رأيت أفقه من الشّعبيّ ، قلت : ولا شريح ؟ قال : تريد أن تكذّبني . وقال أشعث بن سوار ، عن ابن سيرين ، قال : قدمت الكوفة وللشّعبيّ حلقةٌ عظيمة ، والصّحابة يومئذٍ كثير . وروى سليمان التّيمي ، عن أبي مجلز قال : ما رأيت فقيهاً أفقه من الشّعبي .
وقال مكحول : ما رأيت أعلم بسنّةٍ ماضيةٍ من الشّعبيّ . وقال عاصم الأحول : ما رأيت أحداً أعلم من الشّعبيّ . وقال داود بن أبي هند : ما جالست أحداً أعلم من الشّعبيّ .
وقال أبو معاوية : سمعت الأعمش يقول : قال الشّعبيّ : ألا تعجبون من هذا الأعور ، يأتيني باللّيل فيسألني ، ويفتي بالنّهار ، يعني : إبراهيم النّخعيّ . وروى أبو شهاب الخيّاط ، عن الصّلت بن بهرام قال : ما رأيت أحداً بلغ مبلغ الشّعبيّ أكثر منه ، يقول : لا أدري . وقال ابن عون : كان الشّعبيّ إذا جاءه شيءٌ اتّقاه ، وكان إبراهيم يقول ويقول ، وكان منقبضاً ، وكان الشّعبيّ منبسطاً ، إلا في الفتوى .
وقال محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى : كان الشّعبيّ صاحب آثار ، وكان إبراهيم النّخعيّ صاحب قياس . وقال سلمة بن كهيل : ما اجتمع الشّعبيّ وإبراهيم إلاّ سكت إبراهيم . وقال ابن شبرمة : سئل الشّعبيّ عن شيءٍ فلم يجب ، فقال رجلٌ عنده : أبو عمرو يقول فيه كذا ، فقال الشّعبيّ : هذا في المحيا ، فأنت في الممات أكذب عليّ ! قال ابن عائشة : وجّه عبد الملك بن مروان بالشّعبيّ إلى ملك الروم ، فلما رجع قال عبد الملك : تدري يا شعبيّ ما كتب به ملك الروم ؟ قلت : وما كتب ؟ قال : كتب : العجب لأهل دينك ، كيف لم يستخلفوا رسولك ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ؛ لأنّه رآني ولم ير أمير المؤمنين ، رواها الأصمعيّ ، وفيها : يا شعبيّ إنّما أراد أن يغريني بقتلك ، فبلغ ذلك ملك الروم ، فقال : والله ما أردت إلا ذلك .
جابر بن نوح الحماني : حدّثني مجالد ، عن الشّعبيّ قال : لما قدم الحجّاج العراق سألني عن أشياء من العلم فوجدني بها عارفاً ، فجعلني عريفاً على الشعبيّين ومنكباً على جميع همدان ، وفرض لي ، فلم أزل عنده بأشرف منزلةٍ ، حتى كان ابن الأشعث ، فأتاني قرّاء أهل الكوفة ، فقالوا : يا أبا عمرو إنّك زعيم القرّاء ، فلم يزالوا حتى خرجت معهم ، فقمت بين الصّفّين أذكر الحجّاج وأعيبه بأشياء ، فبلغني أنّ الحجّاج قال : ألا تعجبون من هذا الشّعبيّ الخبيث ، أما لئن أمكنني الله منه لأجعلنّ الدنيا عليه أضيق من مسك حمل ، قال : فما لبثنا أن هزمنا ، فجئت إلى بيتي وأغلقت عليّ ، فمكثت تسعة أشهر ، فندب النّاس لخراسان ، فقال قتيبة بن مسلم : أنا لها ، فولاّه خراسان ، ونادى مناديه : من لحق بقتيبة فهو آمنٌ ، فاشترى مولىً لي حماراً وزوّدني ، فخرجت ، فكنت في العسكر ، فلم أزل معه حتى أتينا فرغانة ، فجلس ذات يوم وقد برق ، فنظرت إليه فقلت : أيّها الأمير ، عندي علمٌ ، قال : ومن أنت ؟ قلت : أعيذك ، لا تسأل عن ذلك ، فعرف أنّي ممّن يختفي ، فدعا بكتابٍ وقال : اكتب نسخةً ، قلت : لست تحتاج إلى ذلك ، فجعلت أملّ عليه ، وهو ينظر ، حتى فرغ من كتاب الفتح ، قال : فحملني على بغلةٍ ، وبعث إليّ بسرقٍ من حرير ، وكنت عنده في أحسن منزلةٍ ، فإنّي ليلةً أتعشّى معه ، إذا أنا برسول الحجّاج بكتابٍ فيه : إذا نظرت في كتابي هذا ، فإنّ صاحب كتابك الشّعبيّ ، فإن فاتك قطعت يدك على رجلك وعزلتك ، قال : فالتفت إليّ وقال : ما عرفتك قبل السّاعة ، فاذهب حيث شئت من الأرض ، فوالله لأحلفنّ له بكلّ ممكن يمين ، فقلت : أيّها الأمير ، إنّ مثلي لا يخفى ، قال : فأنت أعلم ، وبعثني إليه وقال : إذا وصلتم إلى خضراء واسط فقيّدوه ، ثم أدخلوه على الحجّاج ، فلما دنوت من واسط استقبلني يزيد بن أبي مسلم ، فقال : يا أبا عمرو ، إنّي لأضنّ بك على القتل ، إذا دخلت فقل : كذا وكذا ، فلما أدخلت قال : لا مرحباً ولا أهلاً ، فعلت بك وفعلت ، ثم خرجت عليّ ! وأنا ساكت ، فقال : تكلّم ، قلت : أصلح الله الأمير ، كلّ ما قلته حقّ ، ولكنّا قد اكتحلنا بعدك السّهر وتحلّسنا الخوف ، ولم نكن مع ذلك بررةً أتقياء ، ولا فجرةً أقوياء ، وهذا أوان حقنت لي دمي ، واستقبلت بي التّوبة ، قال : قد فعلت ذلك . وقال الأصمعيّ : لما أدخل الشّعبيّ على الحجّاج قال : هيه يا شعبيّ ، فقال : أحزن بنا المنزل واكتحلنا السّهر ، واستحلسنا الخوف ، فلم نكن فيما فعلنا بررةً أتقياء ، ولا فجرةً أقوياء ، قال : لله درّك . وقال جهم بن واقد : رأيت الشّعبيّ يقضي في أيام عمر بن عبد العزيز .
مالك بن مغول ، عن الشّعبيّ قال : ما بكيت من زمانٍ إلا بكيت عليه . مجالد عن الشّعبيّ ، أنّ رجلاً لقيه وامرأة ، فقال : أيّكما الشّعبيّ ؟ فقلت : هذه . وقيل : كان الشّعبيّ ضئيلاً نحيفاً ، فقيل له في ذلك ، فقال : زوحمت في الرّحم ، وكان توأماً .
مجالد ، عن الشّعبيّ قال : فاخرت أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة ، والأحنف ساكت ، فلمّا رآني قد غلبتهم ، أرسل غلاماً له ، فجاءه بكتابٍ فقال لي : هاك اقرأ ، فقرأته ، فإذا فيه : من المختار إليه ، يذكر أنه نبيٌّ ، فقال الأحنف : أفيها مثل هذا ؟ رواها الفسويّ عن الحميدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن مجالد . وكان الشّعبيّ يذمّ الرأي ويفتي بالنّصّ ، قال مجالد : سمعت الشّعبيّ يقول : لعن الله أرأيت . وروى الثّوريّ ، عمّن سمع الشّعبيّ يقول : ليتني أنفلت من علمي كفافاً لا عليّ ولا لي .
قال محمد بن جحادة : سئل الشّعبيّ عن شيء لم يكن عنده فيه شيء ، فقيل له : قل فيه برأيك ، فقال : وما تصنع برأيي ، بُل على رأيي . روى سفيان ، عن عبد الله بن أبي السّفر ، عن الشّعبيّ قال : ما أنا بعالمٍ ، وما أترك عالماً . قال أبو يحيى الحماني : حدّثني أبو حنيفة قال : رأيت الشّعبي يلبس الخزّ ، ويجالس الشّعراء ، فسألته عن مسألة ، فقال : ما يقول فيها بنو استها ، يعني : الموالي .
وقال الحسن بن صالح بن حي ، عن أبيه ، قال : رأيت على الشّعبيّ عمامةً بيضاء ، قد أرخى طرفها ولم يردّها . وقال عبد الله بن إدريس : سمعت ليثاً يقول : رأيت الشّعبيّ وما أدري ملحفته أشدّ حمرةً أو لحيته . وقال أبو نعيم : حدثنا أبو أميّة الزيّات قال : رأيت على الشّعبيّ مطرف خزٍّ أصفر .
وقال روح ، عن ابن عون قال : رأيت على الشّعبيّ قلنسوة خزٍّ خضراء . وقال داود بن أبي هند : كان يلبس المعصفر . وقال عبيد بن عبد الملك : رأيت الشّعبيّ جالساً على جلد أسد .
وروى قيس بن الربيع ، عن مجالد قال : رأيت على الشّعبيّ قباء سمّور . جرير بن عبد الحميد ، عن عطاء بن السّائب ، عن الشّعبيّ قال : ما اختلفت أمّةٌ بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها . قتيبة : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن الحسن بن عبد الرحمن ، قال : رأيت الشّعبيّ يسلّم على موسى النّصرانيّ ، فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فكلّم في ذلك ، فقال : أوليس في رحمة الله ، لو لم يكن في رحمته هلك .
المدائني ، عن أبي بكر الهذلي قال : قال الشّعبيّ : أرأيتم لو قتل الأحنف بن قيس ، وقتل طفلٌ ، أكانت ديتهما سواءً ، أم يفضّل الأحنف لعقله وحلمه ؟ قلت : بل سواءً ، قال : فليس القياس بشيء . أبو يوسف القاضي : حدثنا مجالد ، عن الشّعبيّ قال : نعم الشيء الغوغاء يسدّون السّبل ، ويطفئون الحريق ، ويشغبون على ولاة السّوء . ابن شبرمة قال : ولّى ابن هبيرة الشّعبيّ القضاء ، وكلّفه أن يسامره ، فقال : لا أستطيع ، فأفردني بأحدهما .
إسحاق الأزرق ، عن الأعمش : سأل رجل الشّعبيّ ، فقال : ما اسم امرأة إبليس ؟ قال : ذاك عرسٌ ما شهدته . سلمة بن كهيل وغيره ، عن الشّعبيّ قال : شهدت عليّاً رضي الله عنه جلد شراحة يوم الخميس ، ورجمها من الغد ، وقال جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال إسماعيل بن مجالد : توفي الشّعبيّ سنة أربعٍ ومائة ، وله اثنتان وثمانون سنة .
وقال الواقديّ : سنة خمسٍ ومائة . وقال الفلاّس : مات في أول سنة ستٍّ ومائة ، وقيل غير ذلك . * - عامر بن واثلة أبو الطّفيل الكنانيّ .