عكرمة البربري
ع : عكرمة البربري ، ثم المدني ، أبو عبد الله مولى ابن عباس . أحد العلماء الربّانيّين ، روى عن : ابن عبّاس ، وعائشة ، وعليّ بن أبي طالب ، وذلك في سنن النّسائيّ ، وعن أبي هريرة ، وعقبة بن عامر ، وعبد الله بن عمرو ، وأبي سعيد ، وابن عمر . وعنه : أيّوب السّختياني ، وثور بن يزيد ، وثور بن زيد الدّيلي ، وأبو بشر ، وخالد الحذّاء ، وداود بن أبي هند ، وعاصم الأحول ، وعباد بن منصور ، وعقيل بن خالد ، وعبد الرحمن بن الغسيل ، ويحيى بن أبي كثير ، وخلق كثير .
وأفتى في حياة مولاه ، وقال : طلبت العلم أربعين سنة ، ملكه ابن عباس ، إذ ولي البصرة لعلي بن أبي طالب ، فلا يبعد سماعه من علي . قال يزيد بن زريع : كان عكرمة بربرياً للحصين بن أبي الحرّ العنبريّ ، فوهبه لابن عباس حين ولي البصرة . ابن عيينة ، عن عمرو سمع أبا الشعثاء يقول : هذا عكرمة مولى ابن عباس ، هذا أعلم الناس .
ابن جريج : أخبرني عتبة بن محمد بن الحارث ، أن عكرمة مولى ابن عباس أخبره قال : وفد ابن عباس على معاوية ، فكانا يسمران إلى شطر الليل أو أكثر ، فرأيت معاوية أوتر بركعة . قال عبد الحميد بن بهرام : رأيت عكرمة أبيض اللحية ، عليه عمامة بيضاء ، طرفها بين كتفيه ، قد أدارها تحت حنكه ، وقميصه إلى الكعبين ، ورداؤه أبيض ، قدم على بلال بن مرداس الفزاريّ والي المدائن فأجازه بثلاثة آلاف . حمّاد بن زيد ، عن الزبير بن الخرّيت ، عن عكرمة قال : كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل على تعليم القرآن والفقه والسنن .
حماد بن سلمة ، عن داود ، عن عكرمة : قرأ ابن عبّاس : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ فقال : لم أدر ، أنجوا أم هلكوا ، فما زلت أبيّن له أبصّره حتى عرف أنهم قد نجوا ، فكساني حلة . أبو حمزة السّكّري ، عن يزيد النّحوي ، عن عكرمة ، قال ابن عباس : انطلق فأفت ، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته . ابن سعد : حدثنا محمد بن عمر ، عن أبي بكر بن أبي سبرة قال : باع علي بن عبد الله بن عباس عكرمة من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار ، فقال عكرمة : ما خير لك ، بعت علم أبيك ! فاستقال خالداً ، فأقاله وأعتق عكرمة .
روى أحمد بن أبي خيثمة ، عن مصعب الزّبيري مثله . وعن شهر بن حوشب قال : عكرمة حبر الأمة . وقال مغيرة : قيل لسعيد بن جبير : تعلم أحداً أعلم منك ؟ قال : نعم ، عكرمة .
وقال الشعبي : ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة . وقال قتادة : أعلم الناس بالتفسير عكرمة . وقال عمرو بن دينار : كنت إذا سمعت عكرمة يحدّث عنهم كأنه مشرفٌ عليهم ينظر إليهم .
قال أيوب السختياني : قال عكرمة : إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة ، فينفتح لي خمسون باباً من العلم . وقال لنا عكرمة مرة : أيحسن حسنكم مثل هذا ؟ قلت : وكان عكرمة كثير التّطواف ، كثير العلم ويأخذ جوائز الأمراء . قال شبابة : أخبرني موسى بن يسار قال : رأيت عكرمة قادماً من سمرقند وهو على حمار تحته جوالقان حرير ، أجازه بذلك عامل سمرقند ، فقيل له : ما جاء بك إلى هنا ؟ قال : الحاجة .
وقال عبد الرزاق : حدّثني أبي قال : قدم عكرمة الجند ، فحمله طاوس على نجيبٍ له ، فقال : إني ابتعت علمه بهذا الحمل . قال معمر : سمعت أيوب يقول : إني لفي سوق البصرة إذا رجل على حمار ، فقيل لي : هذا عكرمة ، واجتمع الناس ، فما قدرت على شيء أسأله ، فجعلوا يسألونه وأنا أحفظ ، قيل لأيّوب : كانوا يتّهمونه ؟ قال : أما أنّا فلم أكن أتهمه . ابن لهيعة : قال أبو الأسود : هيّجت عكرمة على السّير إلى إفريقية ، فلما قدمها اتّهموه ، قال : وكان قليل العقل خفيفاً ، كان قد سمع الحديث من ذا ومن ذا ، فيحدّث به مرّة عن هذا ومرة عن هذا ، فيقولون : ما أكذبه ، قال ابن لهيعة ، وكان يحدّث برأي نجدة الحروريّ ، أتاه فأقام عنده ستة أشهر ، ثم أتى ابن عباس فسلّم عليه ، فقال ابن عباس : قد جاء الخبيث .
القاسم بن الفضل الحدّاني : حدثنا زياد بن مخراق قال : كتب الحجّاج إلى عثمان بن حيّان المرّي : سل عكرمة عن يوم القيامة أمن الدنيا هو أو من الآخرة ؟ فسأله ، فقال : صدر ذلك اليوم من الدنيا ، وآخره من الآخرة . حماد بن زيد ، عن أيوب : سمعت رجلاً قال لعكرمة : فلانٌ سبّني في النّوم ، قال : اضرب ظلّه ثمانين . أيّوب : بلغني عن سعيد بن جبير قال : لو كفّ عكرمة عن بعض حديثه لشدّت إليه المطايا .
وقال طاوس : لو ترك من حديثه واتّقى الله لشدّت إليه الرحال . ومن كلامهم في عكرمة : وثّقه يحيى بن معين وغيره ، وكان أحمد بن حنبل والبخاري والجمهور يحتجّون به . قال أبو حاتم الرازي : يحتجّ به إذا كان عن ثقة ، أصحاب ابن عباس عيالٌ في التفسير على عكرمة .
وقال ابن عدي : إذا روى عنه ثقة فهو مستقيم الحديث ، ولا بأس به . روح بن عبادة : حدثنا عثمان بن مرة قال : قلت للقاسم بن محمد : كيف ترى في هذه الأوعية ، فإن عكرمة يحدث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم المّقير والدّبّاء والحنتم ؟ فقال : عكرمة كذّاب . ضمرة بن ربيعة ، عن أيّوب بن يزيد قال : قال ابن عمر لنافع : لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس .
هذا ضعيف السّند ، وقد رواه أبو خلف عبد الله بن عيسى ، عن يحيى البكّاء ، وهو ضعيف ، أنه سمع ابن عمر يقوله . أبو نعيم : حدثنا أيمن بن نابل ، قال : حدّثني رجل عن ابن المسيّب أنه قال لغلامه برد : لا تكذب علي كما كذب عبد ابن عباس ، رواه إبراهيم بن سعد عن أبيه ، عن ابن المسيّب أنه قال لبرد : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس . حماد بن زيد ، عن أيوب ، عمن مشى بين سعيد بن المسيّب وعكرمة في رجلٍ نذر نذراً في معصية الله ، فقال سعيد : يوفي به ، وقال عكرمة : لا يوفي به ، فأخبر الرجل سعيداً بقول عكرمة ، فقال سعيد : لا ينتهي عكرمة حتى يلقى في عنقه حبل ويطاف به ، فجاء الرجل إلى عكرمة فأبلغه ، فقال : أنت رجل سوء كما أبلغتني عنه ، فأبلغه عنّي ، قل له : هذا النذر لله أم للشيطان ، والله لئن قال : لله ، ليكذبنّ ، وإن قال : للشّيطان ، ليكفّرنّ ، ولئن زعم أنه لغير الله فما فيه وفاء .
هشام بن عمّار : حدثنا سعيد بن يحيى ، قال : حدثنا فطر بن خليفة : قلت لعطاء : إن عكرمة يقول : قال ابن عباس : سبق الكتاب المسح ، فقال : كذب عكرمة ، سمعت ابن عباس يقول : لا بأس بالمسح ، ثم قال عطاء : وإن كان بعضهم ليرى أنّ المسح على القدمين يجزئ ، رواه محمد بن فضيل ، عن فطر مثله . جرير بن عبد الحميد ، عن يزيد بن أبي زياد قال : دخلت على علي بن عبد الله بن عباس ، وعكرمة مقيد ، قلت : ما هذا ؟ قال : إنه يكذب على أبي . مسلم بن إبراهيم : حدثنا الصّلت أبو شعيب : سألت محمد بن سيرين ، عن عكرمة قال : ما يسوؤني أن يدخل الجنة ، ولكنه كذّاب .
قال أبو أحمد بن عدي : حدثنا ابن أبي عصمة ، قال : حدثنا أبو طالب أحمد بن حميد : سمعت أحمد بن حنبل يقول : كان عكرمة من أعلم الناس ، ولكنه يرى رأي الصّفريّة ، ولم يدع موضعاً إلا خرج إليه : خراسان ، والشام ، واليمن ، ومصر ، وإفريقية ، كان يأتي الأمراء فيطلب جوائزهم ، ويقال : إنما أخذ أهل إفريقية رأي الصّفريّة من عكرمة ، قال وهيب : شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري وأيّوب السّختياني فذكرا عكرمة ، فقال يحيى : كان كذّاباً ، وقال أيّوب : لا . إبراهيم بن المنذر : حدثني مطرف : سمعت مالكاً يكره أن يذكر عكرمة ، ولا يرى أن يروى عنه . قال أحمد بن حنبل : ما علمت أن مالكاً حدث فسمى عكرمة إلا في حديثٍ .
وقال الشافعي : قال مالك : لا أرى لأحدٍ أن يقبل حديث عكرمة . يحيى القطان : حدّثوني والله عن أيّوب أنّه ذكر له عكرمة ، وأنّه لا يحسن الصلاة ، فقال أيّوب : وكان يصلّي ؟ ! الفضل بن موسى السّيناني ، عن رشدين قال : رأيت عكرمة قد أقيم في لعب النّرد . قال يزيد بن هارون : قدم عكرمة ، فأتاه أيوب ، وسليمان التّيمي ، ويونس ، فبينا هو يحدّثهم ، إذ سمع صوت غناءٍ ، فقال : اسكتوا ، ثم قال : قاتله الله لقد أجاد ، فأمّا سليمان ويونس فما عادا إليه .
عمرو بن خالد الحرّاني : حدثنا خلاّد بن سليمان الحضرميّ ، عن خالد بن أبي عمران قال : كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم ، فقال عكرمة : وددت أن بيدي حربةٌ أعترض بها من شهد الموسم ، قال : فرفضه أهل إفريقية . علي ابن المديني ، عن يعقوب الحضرميّ ، عن جدّه قال : وقف عكرمة على باب المسجد ، فقال : ما فيه إلاّ كافر ، قال : وكان يرى رأي الإباضية ، قال ابن المديني : كان يرى رأي نجدة . وقال مصعب الزّبيريّ : كان يرى رأي الخوارج ، وادّعى على ابن عباس أنه كان يرى رأي الخوارج ، نقله أحمد بن أبي خيثمة ، عن مصعب .
وقال خالد بن نزار الأيلي : حدثنا عمر بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح أن عكرمة كان إباضيّاً . إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك ، عن أبيه قال : أتي بجنازة عكرمة وكثيّر عزّة بعد العصر ، فما علمت أحداً من أهل المسجد حلّ حبوته إليهما . قال الدراورديّ : ماتا في يومٍ واحد فما شهدهما إلاّ سودان المدينة .
قال جماعة : توفيا سنة خمسٍ ومائة ، وقال الهيثم بن عدي وغيره : سنة ستٍّ ومائة ، وقال أبو نعيم ، وأبو بكر بن أبي شيبة وجماعة : سنة سبعٍ . وقال يحيى بن معين والمدائني : سنة خمس عشرة ومائة ، وأظن هذا القول غلطاً ، لم يبق إلى هذا التاريخ قطّ .