عمر بن عبد العزيز بن مروان
ع : عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمسٍ بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب ، أمير المؤمنين أبو حفصٍ القرشيّ الأمويّ رضي الله عنه وأرضاه . ولد بالمدينة سنة ستّين ، عام توفي معاوية أو بعده بسنة ، وأمّه هي أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب . روى عن : أبيه ، وأنس ، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وابن قارظ ، وأرسل عن عقبة بن عامر ، وخولة بنت حكيم ، وروى أيضاً عن عامر بن سعد ، ويوسف بن عبد الله بن سلاّم ، وسعيد بن المسيّب ، وعروة بن الزّبير ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، والربيع بن سبرة ، وطائفة .
وعنه : أبو سلمة بن عبد الرحمن أحد شيوخه ، ومحمد بن المنكدر ، والزّهري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ومسلمة بن عبد الملك ، ورجاء بن حيوة ، وعبد الله بن العلاء بن زيد ، ويعقوب بن عتبة ، وولداه : عبد الله ، وعبد العزيز ، وخلق كثير . وكانت خلافته تسعةً وعشرين شهراً ، كأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه . قال الخريبي : ولد عام قتل الحسين رضي الله عنه .
وقال إسماعيل الخطبيّ : رأيت صفته في كتابٍ : أبيض ، رقيق الوجه ، جميلاً ، نحيف الجسم ، حسن اللحية ، غائر العينين ، بجبهته أثر حافر دابة ، فلذلك سمي أشجّ بني أمية ، وقد وخطه الشّيب . قال ثروان مولى عمر بن عبد العزيز : إنّه دخل إلى إصطبل أبيه وهو غلام ، فضربه فرسه فشجّه ، فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول : إن كنت أشجّ بني أميّة إنّك لسعيد ، رواه ضمرة عنه . نعيم بن حماد ، عن ضمام بن إسماعيل ، عن أبي قبيل ، أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام ، فقالت أمّه : ما يبكيك : قال : ذكرت الموت ، وكان قد جمع القرآن وهو غلامٌ صغير ، فبكت أمه .
سعيد بن عفير ، عن يعقوب ، عن أبيه ، أن عبد العزيز بن مروان أمير مصر بعث ابنه عمر إلى المدينة يتأدّب بها ، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده ، وكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم ، فبلغه أن عمر ينتقص عليّاً ، فقال له : متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ! ففهم ، وقال : معذرة إلى الله وإليك لا أعود . وقال غيره : لما توفي عبد العزيز ، طلب عبد الملك عمر بن عبد العزيز إلى دمشق ، فزوّجوه بابنته فاطمة ، وكان الذين يعيبون عمر من حسّاده لا يعيبونه إلاّ بالإفراط في التّنعّم والاختيال في المشية ، هذا قبل الإمرة ، فلمّا ولي الوليد الخلافة ، أمّر عمر على المدينة ، فوليها من سنة ستٍّ وثمانين ، إلى سنة ثلاثٍ وتسعين ، وعزل ، فقدم الشام ، ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد وأن يجعل ولي عهده ولده عبد العزيز بن الوليد ، فأطاعه كثيرٌ من الأشراف طوعاً وكرهاً ، وصمّم عمر بن عبد العزيز ، وامتنع ، فطيّن عليه الوليد ، كما ذكرنا في ترجمة عبد العزيز . قال أبو زرعة عبد الأحد بن الليث القتباني : سمعت مالكاً يقول : أتى فتيان إلى عمر بن عبد العزيز فقالوا : إن أبانا توفي وترك مالاً عند عمّنا حميد الأمجي ، فأحضره عمر ، وقال له : أنت القائل : حميد الذي أمجٌ داره أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع أتاه المشيب على شربها فكان كريماً فلم ينزع قال : نعم ، قال : ما أراني إلا حادّك ، أقررت بشربها ، وأنك لن تنزع عنها ، قال : أين يذهب بك ؟ ألم تسمع الله يقول : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ٢٢٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ٢٢٥ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ﴾قال : أولى لك يا حميد ، ما أراك إلا قد أفلت ، ويحك يا حميد ، كان أبوك رجلاً صالحاً وأنت رجل سوءٍ ، قال : أصلحك الله ، وأيّنا يشبه أباه ، كان أبوك رجل سوءٍ ، وأنت رجلٌ صالحٌ ، قال : إن هؤلاء زعموا أن أباهم توفي وترك مالاً عندك ، قال : صدقوا ، وأحضره بختم أبيهم ، ثم قال : إن أباهم مات منذ كذا وكذا ، وكنت أنفق عليهم من مالي ، وهذا مالهم ، قال : ما أحدٌ أحق أن يكون عنده منك ، فامتنع .
وقال زيد بن أسلم : قال أنس رضي الله عنه : ما صلّيت وراء إمامٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاةً برسول الله من هذا الفتى ، يعني عمر بن عبد العزيز ، وكان عمر أميراً على المدينة ، قال زيد بن أسلم : فكان يتمّ الركوع والسجود ، ويخفّف القيام والقعود ، رواه العطّاف بن خالد ، عن زيد بن أسلم . قال عمر بن قيس الملائي : سئل محمد بن علي بن الحسين ، عن عمر بن عبد العزيز ، فقال : هو نجيب بني أمية ، وإنه يبعث يوم القيامة أمّةً وحده . قال سفيان الثوري ، عن عمرو بن ميمون بن مهران ، عن أبيه قال : كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذةً .
أبو مصعب ، عن مالك : بلغني أن عمر بن عبد العزيز حين خرج من المدينة ، التفت إليها وبكى ، ثم قال : يا مزاحم أتخشى أن نكون ممّن نفته المدينة ؟ معمر ، عن الزّهري قال : سمرت مع عمر بن عبد العزيز ليلةً فقال : كل ما حدّثت الليلة قد سمعته ، ولكنك حفظت ونسيت . قال عبد العزيز بن الماجشون : حدثنا عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : يا آل عمر ، كنّا نتحدّث ، وفي لفظ : يزعم الناس ، أنّ الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجلٌ من آل عمر ، يعمل مثل عمل عمر ، قال : فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة ، وكانوا يرون أنه هو ، حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز ، أمّه بنت عاصم بن عمر . قال التّرمذيّ في تاريخه : حدثنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق ، عن جويرية ، عن نافع : بلغنا أن عمر قال : إن من ولدي رجلاً بوجهه شينٌ يلي ، فيملأ الأرض عدلاً ، قال نافع : فلا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز .
مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع قال : كان ابن عمر يقول : ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامةٌ ، يملأ الأرض عدلاً . أيوب بن محمد بن الوزّان ، ومحمد بن عبد العزيز قالا : حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن السّريّ بن يحيى ، عن رياح بن عبيدة قال : خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة ، وشيخٌ متوكّئ على يده ، فقلت في نفسي : إن هذا الشيخٌ جافٍ ، فلما صلى ودخل لحقته ، فقلت : أصلح الله الأمير ، من الشيخ الذي كان يتّكئ على يدك ؟ قال : يا رياح رأيته ؟ قلت : نعم ، قال : ما أحسبك إلا رجلاً صالحاً ، ذاك أخي الخضر ، أتاني فأعلمني أنّي سألي أمر هذه الأمة ، وأنّي سأعدل فيها ، رواته ثقات . جرير بن حازم ، عن هزّان بن سعيد قال : حدثني رجاء بن حيوة قال : لما ثقل سليمان بن عبد الملك ، رآني عمر بن عبد العزيز في الدار فقال : يا رجاء ، أذكّرك الله أن تذكّرني أو تشير بي ، فوالله ما أقدر على هذا الأمر ، فانتهرته وقلت : إنّك لحريصٌ على الخلافة ، أتطمع أن أشير عليه بك ، فاستحيا ، ودخلت ، فقال لي سليمان : يا رجاء ، من ترى لهذا الأمر ؟ قلت : اتّق الله ، فإنك قادمٌ على ربك وسائلك عن هذا الأمر ، وما صنعت فيه ، قال : فمن ترى ؟ قلت : عمر بن عبد العزيز ، قال : كيف أصنع بعهد عبد الملك إليّ ، وإلى الوليد في ابني عاتكة ، أيّهما بقي ؟ قلت تجعله من بعده ، قال : أصبت ، هات صحيفةً ، فكتب عهد عمر ، ويزيد بن عبد الملك من بعده ، ثم دعوت رجالاً فدخلوا عليه ، فقال : عهدي في هذه الصحيفة مع رجاء ، اشهدوا واختموا الصحيفة ، فما لبث أن مات ، فكففت النساء عن الصياح ، وخرجت إلى الناس ، فقالوا : كيف أمير المؤمنين ؟ قلت : لم يكن منذ اشتكى أسكن منه الساعة ، قالوا لله الحمد .
الوليد بن المسلم ، عن عبد الرحمن بن حسّان الكنانيّ قال : لما مرض سليمان بدابق ، قال لرجاء بن حيوة : من للأمر بعدي ، أستخلف ابني ؟ قال : ابنك غائب ، قال : فالآخر ، قال : صغير ، قال : فمن ترى ؟ قال : أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز ، قال : أتخوف بني عبد الملك ، قال : ولّ عمر ، ومن بعده يزيد ، واختم الكتاب ، وتدعوهم إلى بيعته مختوماً ، قال : لقد رأيت ، ائتني بقرطاس ، فدعا بقرطاسٍ ، وكتب العهد ، ودفعه إلى رجاء ، وقال : اخرج إلى الناس فليبايعوا على ما فيه مختوماً ، فخرج إليهم ، فامتنعوا ، فقال : انطلق إلى صاحب الحرس والشّرط فاجمع الناس ومرهم بالبيعة ، فمن أبى فاضرب عنقه ، ففعل ، فبايعوا على ما في الكتاب ، قال رجاء : فبينا أنا راجع إذا بموكب هشام ، فقال : تعلم موقعك منّا ، وإنّ أمير المؤمنين قد صنع شيئاً ما أدري ما هو ، وأنا أتخوّف أن يكون قد أزالها عنّي ، فإن يكن عدلها عنّي فأعلمني ما دام في الأمر نفسٌ ، قلت : سبحان الله ، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه ، لا يكون ذا أبداً ، فأدارني وألاصني ، فأبيت عليه ، فانصرف ، فبينا أنا أسير ، إذ سمعت جلبةً خلفي ، فإذا عمر بن عبد العزيز ، فقال لي : يا رجاء إنه قد وقع في نفسي أمرٌ كبير أتخوف أن يكون هذا الرجل قد جعلها إلي ، ولست أقوم بهذا الشأن ، فأعلمني ما دام في الأمر نفسٌ ، لعلي أتخلص منه ما دام حياً ، قلت : سبحان الله ، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه ! فأدارني وألاصني ، فأبيت عليه ، وثقل سليمان ، وحجب الناس ، فلما مات أجلسته وسندته وهيأته ، وخرجت إلى الناس ، فقالوا : كيف أصبح أمير المؤمنين ؟ قلت : أصبح ساكناً ، وقد أحب أن تسلموا عليه وتبايعوا بين يديه ، وأذنت للناس ، فدخلوا ، وقمت عنده ، فقلت إن أمير المؤمنين يأمركم بالوقوف ، ثم أخذت الكتاب من عنده ، وتقدمت إليهم ، وقلت : إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا على ما في هذا الكتاب ، فبايعوا وبسطوا أيديهم ، فلما بايعهم وفرغت ، قلت لهم : آجركم الله في أمير المؤمنين ، قالوا : فمن ؟ ففتحت الكتاب ، فإذا عمر بن عبد العزيز ، فتغيرت وجوه بني عبد الملك ، فلما قرأوا : بعده يزيد ، فكأنهم تراجعوا ، فقالوا : أين عمر ؟ فطلبوه ، فإذا هو في المسجد ، فأتوا فسلموا عليه بالخلافة ، فعقر به فلم يستطع النهوض ، حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه المنبر ، فجلس طويلاً لا يتكلم ، فلما رآهم رجاء جالسين ، قال : ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعونه فنهضوا إليه فبايعوه رجلاً رجلاً ، ومد يده إليهم ، فصعد إليه هشام ، فلما مد يده إليه قال : يقول هشام : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال عمر : إنا لله حين صار يلي هذا الأمر أنا وأنت ، ثم قام فحمد الله ، ثم قال : أيها الناس إني لست بقاضٍ ولكني منفذ ، ولست بمبتدعٍ ، ولكني متبعٌ ، وإن من حولكم من الأمصار إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم ، وإن أبوا فلست لكم بوالٍ ، ثم نزل يمشي ، فأتاه صاحب المراكب ، فقال : ما هذا ؟ قال مركب الخلافة ، قال : لا ائتوني بدابتي ، ثم إنه كتب إلى العمال في الأمصار ، قال رجاء : كنت أظن أنه سيضعف ، فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوى . قال عمر بن مهاجر : صلى عمر بن عبد العزيز المغرب ، ثم صلى على سليمان بن عبد الملك . قال ابن إسحاق ، وغيره : وذلك يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسعٍ وتسعين .
قلت : وكان عمر في خلافة سليمان كالوزير له . أحمد بن حنبل : حدثنا سفيان ، قال : حدثني من شهد دابق ، وكان مجتمع غزو الناس : فمات سليمان ، وكان رجاء صاحب أمره ومشورته ، فأعلم الناس بموته ، وصعد المنبر ، وقال : إن أمير المؤمنين كتب كتاباً وعهد عهداً ومات ، أفسامعون أنتم مطيعون ؟ قالوا : نعم ، وقال هشام بن عبد الملك : نسمع ونطيع إن كان فيه استخلاف رجلٍ من بني عبد الملك ، قال : فجذبه الناس حتى سقط وقالوا : سمعنا وأطعنا ، فقال رجاء : قم يا عمر ، فقال عمر : والله إن هذا لأمر ما سألته الله قط . وعن الضحاك بن عثمان قال : لما انصرف عمر عن قبر سليمان ، قدموا له مراكب سليمان ، فقال : فلولا التقى ثم النهى خشية الردى لعاصيت في حب الصبى كل زاجر قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى له صبوةٌ أخرى الليالي الغوابر لا قوة إلا بالله ، قدموا بغلتي .
خالد بن مرداس : حدثنا الحكم بن عمر قال : شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمها ، قال : ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يزيد ، واجعل أثمانها في مال الله ، تكفيني بغلتي هذه الشهباء . سفيان بن وكيع : حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن ذر أن مولى عمر بن عبد العزيز قال له إذ رجع من جنازة سليمان : ما لي أراك مغتماً ؟ قال : لمثل ما أنا فيه فليغتم ، ليس أحدٌ من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتبٍ إلي فيه ، ولا طالبه مني . إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن مهاجر ، أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف قام في الناس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، ألا وإني لست بقاضٍ ، ولكني منفذ ، ولست بمبتدع ، ولكني متبعٌ ، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالمٍ ، ألا لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق .
رواه معتمر بن سليمان ، عن عبيد الله بن عمر ، وزاد فيه : لست بخيرٍ من أحدٍ منكم ، ولكني أثقلكم حملاً . أيوب بن سويد الرملي : حدثنا يونس ، عن الزهري قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله ، يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات ، فكتب إليه بالذي سأل ، وكتب إليه : إنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك ، كنت عند الله خيراً من عمر . حماد بن زيد ، عن أبي هاشم أن رجلاً جاء إلى عمر بن عبد العزيز ، فقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، وأبو بكر عن يمينه ، وعمر عن شماله ، فإذا رجلان يختصمان ، وأنت بين يديه جالس ، فقال لك : يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين ، لأبي بكر وعمر ، فاستحلفه عمر بالله لرأيت هذا ؟ فحلف له ، فبكى .
ورويت من وجهٍ آخر ، وأن الرائي عمر نفسه . قال ميمون بن مهران : إن الله كان يتعاهد الناس بنبيٍ بعد نبي ، إن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز . حماد بن سلمة ، عن حماد ، أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف بكى ، فقال : يا أبا فلان أتخشى علي ؟ قال : كيف حبك للدرهم ؟ قال : لا أحبه ، قال : لا تخف فإن الله سيعينك .
جرير ، عن مغيرة ، قال : جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له فدك ينفق منها ، ويعود منها على صغير بني هاشم ، ويزوج منها أيمهم ، وإن فاطمة رضي الله عنها سألته أن يجعلها لها ، فأبى ، فكانت كذلك حياة أبي بكر وعمر ، قال : ثم أقطعها مروان ، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز ، فرأيت أمراً منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ، ليس لي بحقٍ ، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عبد الله بن صالح : حدثني الليث قال : فلما ولي عمر بن عبد العزيز بدأ بلحمته ، وأهل بيته ، فأخذ ما بأيديهم ، وسمى أموالهم مظالم ، ففزعت بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان ، فأتته ليلاً ، فأنزلها عن دابتها ، فلما أخذت مجلسها قال : يا عمة أنت أولى بالكلام فتكلمي ، قالت : تكلم يا أمير المؤمنين ، قال : إن الله بعث نبيه رحمةً ، ثم اختار له ما عنده ، فقبضه الله ، وترك لهم نهراً شربهم سواءٌ ، ثم قام أبو بكر ، فترك النهر على حاله ، ثم ولي عمر فعمل عمل صاحبه ، ثم لم يزل النهر يشتق منه يزيد ، ومروان ، وعبد الملك ، والوليد ، وسليمان ، حتى أفضى الأمر إلي ، وقد يبس النهر الأعظم ، ولن يروى أصحاب النهر الأعظم حتى يعود النهر إلى ما كان عليه ، فقالت : حسبك قد أردت كلامك ومذاكرتك ، فأما إذا كانت مقالتك هذه ، فلست بذاكرةٍ لك شيئاً ، فرجعت إليهم فأبلغتهم كلامه . هشام بن عمار : حدثنا أيوب بن سويد ، عن فرات بن سليمان ، عن ميمون بن مهران : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت فيكم العدل ، إني لأريد الأمر فأخاف أن لا تحمله قلوبكم ، فأخرج معه طمعاً من طمع الدنيا ، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا .
ابن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، قال : قلت لطاوس : هو المهديّ ؟ يعني عمر بن عبد العزيز قال : هو مهديٌّ وليس به ، إنه لم يستكمل العدل كلّه . ابن عون قال : كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال : نهى عنه إمام هدىً . يعني : عمر بن عبد العزيز .
حرملةً : سمعت الشافعيّ يقول : الخلفاء خمسةً : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وعمر بن عبد العزيز . وقد ورد عن أبي بكر بن عياش نحوه . ابن وهب : حدثني ابن زيد ، عن عمر بن أسيد قال : والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يجيء بالمال العظيم ، فيقول : اجعلوا هذا حيث ترون ، فما يبرح حتى يرجع بماله كله ، قد أغنى عمر الناس .
سعيد بن عامر : حدثنا جويرية قال : دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب ، فأثنت على عمر بن عبد العزيز ، فقالت : لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحدٍ . إبراهيم الجوزجاني : حدثنا محمد بن الحسن الأسدي قال : حدثنا عمر بن ذر ، قال : حدثني عطاء بن أبي رباح ، قال : حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه وهو جالس في مصلاّه تسيل دموعه على لحيته ، فقلت : يا أمير المؤمنين ألشيءٍ حدث ؟ قال : يا فاطمة إنّي تقلّدت من أمر أمّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم أسودها وأحمرها ، فتفكّرت في الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، والعاري المجهود ، والمظلوم المقهور ، والغريب الأسير ، والشيخ الكبير ، وذي العيال الكثير ، والمال القليل ، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة ، فخشيت أن لا تثبت لي حجةٌ ، فبكيت . الفريابي : حدثنا الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز كان جالساً في بيته ، وعنده أشراف بني أمية ، فقال : تحبون أن أولّي كل رجلٍ منكم جنداً ؟ فقال رجل منهم : لم تعرض علينا ما لا تفعله ؟ قال : ترون بساطي هذا ، إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناءٍ ، وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم ، فكيف أوليكم ديني ، أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم ، هيهات لكم هيهات ! فقالوا له : لم ، أما لنا قرابة ؟ أما لنا حق ؟ قال : ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء ، إلا رجلاً من المسلمين حبسه عني طول شقته .
حماد بن سلمة : أخبرنا حميد قال : أمل علي الحسن رسالةً إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ ، ثم شكا الحاجة والعيال ، فقلت : يا أبا سعيد لا تهجن هذا الكتاب بالمسألة ، اكتب هذا في غير ذا ، قال : دعنا منك ، فأمر بعطائه ، قال : قلت : يا أبا سعيد اكتب إليه في المشورة فإن أبا قلابة قال : كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ، فما منعه ذلك أن أمره الله بالمشورة ، فقال : نعم ، فكتب بالمشورة ، فأبلغ فيها أيضاً . أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي : أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أراد أن يعاقب رجلاً حبسه ثلاثة أيام ، ثم عاقبه ، كراهية أن يعجل في أول غضبه . معاوية بن صالح الحمصي : حدثني سعيد بن سويد أن عمر بن عبد العزيز صلى بهم الجمعة ، ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه ، فقال له رجل : يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك ، فلو لبست ، فنكس ملياً ثم رفع رأسه ، فقال : أفضل القصد عند الجدة ، وأفضل العفو عند المقدرة .
سعيد بن عامر ، عن جويرية بن أسماء قال : قال عمر بن عبد العزيز : إن نفسي نفسٌ تواقةٌ ، لم تعط من الدنيا شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه ، فلما أعطيت ما لا شيء فوقه في الدنيا ، تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه ، قال سعيد : يريد الجنة . حماد بن واقد : سمعت مالك بن دينار يقول : الناس يقولون : إني زاهدٌ ، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها . الفسويّ : حدثني إبراهيم بن هشام بن يحيى ، قال : حدثني أبي ، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال : دعاني المنصور ، فقال : كم كانت غلّة عمر بن عبد العزيز حين أفضت إليه الخلافة ؟ قلت : خمسون ألف دينار ، فقال : كم كانت غلته يوم مات ؟ قلت : ما زال يردها حتى كانت مائتي دينار ، وحدثني إبراهيم بن هشام ، عن أبيه ، عن جده عن مسلمة بن عبد الملك قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز ، فإذا عليه قميصٌ وسخٌ ، فقلت لامرأته فاطمة ، وهي أخت مسلمة : اغسلوا قميص أمير المؤمنين ، قالت : نفعل ، ثم عدت فإذا القميص على حاله ، فقلت لها ! فقالت : والله ما له قميصٌ غيره .
إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن مهاجر ، قال : كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين . سعيد بن عامر ، عن عون بن المعتمر قال : دخل عمر بن عبد العزيز على زوجته فقال : عندك درهم نشتري به عنباً ؟ قالت : لا ، أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم ! قال : هذا أهون من معالجة الأغلال في جهنم . يحيى بن معين : حدثنا مروان بن معاوية : قال : حدثنا يوسف بن يعقوب الكاهلي قال : كان عمر بن عبد العزيز يلبس الفروة الكبل ، وكان سراج بيته على ثلاث قصبات ، فوقهن طين .
وعن عطاء الخراساني قال : أمر عمر بن عبد العزيز غلامه أن يسخن له ماءً ، فانطلق فسخن قمقماً في مطبخ العامة ، فأمره عمر أن يأخذ بدرهم حطباً يضعه في المطبخ . ابن المبارك في الزهد : أخبرنا إبراهيم بن نشيط ، قال : حدثنا سليمان بن حميد ، عن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك ، فقال لها : أخبريني عن عمر ، قالت : ما اغتسل من جنابةٍ منذ استخلف . يحيى بن حمزة : حدثنا عمرو من مهاجر أن عمر بن عبد العزيز كان يسرج عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين ، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ، ثم أسرج عليه سراجه .
خالد بن مرداس : حدثنا الحكم بن عمر قال : كان لعمر بن عبد العزيز ثلاثمائة حرسيٌ ، وثلاثمائة شرطي ، فشهدته يقول لحرسه : إن لي عليكم بالقدر حاجزاً ، وبالأجل حارساً ، من أقام منكم فله عشرة دنانير ، ومن شاء فليلحق بأهله . إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن مهاجر قال : اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحاً ، فأهدى له رجلٌ من أهل بيته تفاحاً ، فقال : ما أطيب ريحه وأحسنه ، ارفعه يا غلام للذي أتى به ، وأقرئ فلاناً السلام ، وقل له : إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ابن عمك ورجلٌ من أهل بيتك ، وقد بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ، فقال : ويحك ، إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هديةً ، وهي اليوم لنا رشوةٌ . ضمرة بن ربيعة ، عن عبد العزيز بن أبي الخطاب ، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال : قال لي رجاء بن حيوة : ما أكمل مروءة أبيك ، سمرت عنده ذات ليلةٍ فعشي السراج ، فقال لي : ما ترى السراج قد عشي ؟ قلت : بلى ، قال : وإلى جانبه وصيف راقد ، قلت : ألا أنبهه ؟ قال : لا ، قلت : أفلا أقوم ؟ قال : ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه ، فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج ، ثم رجع ، وقال : قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز .
حماد بن سلمة ، عن رجاء أبي المقدام الرّمليّ ، عن نعيم كاتب عمر بن عبد العزيز أن عمر قال : إنه ليمنعني من كثيرٍ من الكلام مخافة المباهاة . سليمان بن حرب : حدثنا جرير بن حازم ، قال : حدثنا المغيرة بن حكيم : قال : قالت لي فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز إنه يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر بن عبد العزيز ، وما رأيت أحداً قط أشدّ فرقاً من ربه من عمر ، كان إذا صلى العشاء قعد في مسجده ، ثم يرفع يديه ، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه ، ثم ينتبه ، فلا يزال يدعو رافعاً يديه يبكي حتى تغلبه عينه . روى مثله ابن المبارك ، عن جرير بن حازم ، وزاد : يفعل مثل ذلك ليله أجمع .
هشام بن الغاز ، عن مكحول قال : لو حلفت لصدقت ، ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر بن عبد العزيز . أبو جعفر النفيلي : حدثنا النضر بن عربي قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز ، فكان لا يكاد يبكي ، إنما هو ينتفض أبداً ، كأن عليه حزن الخلق . الفسوي : حدثني إبراهيم بن هشام بن يحيى ، قال : حدثني أبي ، عن جدي ، عن ميمون بن مهران ، قال : قال لي عمر بن عبد العزيز : حدثني ، فحدثته حديثاً بكى منه بكاءً شديداً ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لو علمت لحدثتك حديثاً ألين منه ، قال : يا ميمون ، إنا نأكل هذه الشجرة العدس ، وهي ما علمت ، مرقةٌ للقلب مغزرةٌ للدمعة ، مذلةٌ للجسد .
عن عطاء قال : كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلةٍ الفقهاء ، فيتذاكرون الموت والقيامة ، ثم يبكون ، حتى كأن بين أيديهم جنازة . وعن سعيد بن أبي عروبة وغيره ، أن عمر بن عبد العزيز كان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله . قال معاوية بن يحيى: حدثني أرطاة قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو جعلت على طعامك أميناً لا تغتال ، وحرساً إذا صليت ، وتنح عن الطاعون ؛ قال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف يوماً دون يوم القيامة ، فلا تؤمن خوفي .
روى علي بن أبي حملة ، عن الوليد بن هشام قال: لقيني يهودي فقال: إن عمر بن عبد العزيز سيلي ، ثم لقيني آخر ولاية عمر ، فقال: صاحبك قد سقي فمره فليتدارك ، فأعلمت عمر ، فقال: قاتله الله ، ما أعلمه ؟ لقد علمت الساعة التي سقيت فيها ، ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني أو أوتي بطيبٍ فأرفعه إلى أنفي ما فعلت . رواه الناس عن ضمرة عنه ، ولكن بعضهم قال: عمرو بن مهاجر ، بدل الوليد . مروان بن معاوية ، عن معروف بن مشكان ، عن مجاهد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس في ؟ قلت: يقولون مسحور ، قال: ما أنا بمسحورٍ ، ثم دعا غلاماً له فقال: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم ؟ قال: ألف دينارٍ أعطيتها ، على أن أعتق ، قال: هاتها ، فجاء بها ، فألقاها في بيت المال ، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد .
قلت: كانت بنو أمية قد تبرمت بعمر ، لكونه شدد عليهم ، وانتزع كثيراً مما في أيديهم مما قد غصبوه ، وكان قد أهمل التحرز ، فسقوه السم . سفيان بن عيينة: قلت لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما آخر ما تكلم به أبوك عند موته ؟ فقال: كان له من الولد أنا ، وعبد الله ، وعاصم ، وإبراهيم ، وكنا أغيلمةً ، فجئنا كالمسلمين عليه والمودعين له ، فقيل له: تركت ولدك ليس لهم مالٌ ، ولم تؤوهم إلى أحد ! فقال: ما كنت لأعطيهم ما ليس لهم ، وما كنت لآخذ منهم حقاً هو لهم ، وإن وليي فيهم الله الذي يتولى الصالحين ، وإنما هم أحد رجلين ، رجلٌ صالح أو فاسق ، وقيل إن الذي كلمه فيه خالهم مسلمة . حماد بن زيد ، عن أيوب ، قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين ، لو أتيت المدينة ، فإن مت دفنت في موضع القبر الرابع ، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار ، أحب إلي من أن يعلم الله مني أني أراني لذلك الموضع أهلاً .
روى عبد الله بن شوذب ، عن مطر الوراق مثله . جرير بن حازم: حدثني المغيرة بن حكيم قال : قالت لي فاطمة بنت عبد الملك: كنت أسمع عمر في مرضه يقول: اللهم أخف عليهم أمري ولو ساعةً من نهار ، فقلت له يوماً: ألا أخرج عنك ، فإنك لم تنم ، فخرجت عنه ، فجعلت أسمعه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾[القصص] مراراً ، ثم أطرق فلبث طويلاً لا يسمع له حسٌ ، فقلت لوصيف: ويحك انظر ، فلما دخل صاح ، فدخلت فوجدته ميتاً ، قد أقبل بوجهه على القبلة ، ووضع إحدى يديه على فيه . والأخرى على عينيه .
هلال بن العلاء الرقي: حدثنا أبي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عوف الرقي ، عن عبيد بن حسان قال: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قال: اخرجوا عني ، فقعد مسلمة ، وفاطمة على الباب فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه ، ليست بوجوه إنسٍ ولا جانٍ ، ثم قال: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ [القصص 83] الآية ، ثم هدأ الصوت ، فقال مسلمة لفاطمة: قد قبض صاحبك ، فدخلوا فوجدوه قد قبض . روى هشام بن حسان ، عن خالد الربعي قال: إنا نجد في التوراة أن السماوات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحاً . جعفر بن سليمان ، عن هشام قال: لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن البصري: مات خير الناس .
سليمان بن عمر بن الأقطع: حدثنا أبو أمية الخصي غلام عمر بن عبد العزيز قال: بعثني عمر بن عبد العزيز بدينارين إلى أهل الدير ، فقال: إن بعتموني موضع قبري ، وإلا تحولت عنكم . ابن وهب ، عن مالك ، أن صالح بن علي لما قدم الشام سأل عن قبر عمر بن عبد العزيز ، فلم يجد أحداً يخبره ، حتى دل على راهب فقال: قبر الصديق تريدون؟ هو في تلك المزرعة . محمد بن سعد في الطبقات وغيره: أخبرنا عباد بن عمرو الواشحي: قال : حدثنا مخلد بن يزيد ، لقيته من نحو خمسين سنةً ، وكان فاضلاً خيراً ، عن يوسف بن ماهك قال: بينا نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز ، إذ سقط علينا كتابٌ رق من السماء فيه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، أمانٌ من الله لعمر بن عبد العزيز من النار .
الوليد بن هشام القحذمي ، عن أبيه ، عن جده أن عمر توفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب ، سنة إحدى ومائة ، بدير سمعان ، من أعمال حمص ، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك ، وهو ابن تسعٍ وثلاثين سنةً وستة أشهر . وقال أبو عمر الضرير: توفي بدير سمعان ، لعشر بقين من رجب ، وآخرون قالوا: في رجب ، ولم يؤرخوا اليوم . ومناقبه طويلةٌ اكتفينا بهذا .