حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري البصري

ع : محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري البصري ، الإمام الرباني ، صاحب التعبير ، مولى أنس بن مالك . كان سيرين من سبي جرجرايا ، فكاتب أنساً على مالٍ جليلٍ فوفاه ، قال أنس بن سيرين: ولد أخي محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ، وولدت بعده بسنة ، سمع: أبا هريرة ، وعمران بن حصين ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعدي بن حاتم ، وأنساً ، وعبيدة السلماني ، وشريحاً ، وطائفة . وعنه: قتادة ، وأيوب ، ويونس بن عبيد ، وابن عون ، وخالد الحذاء ، وعوف ، وقرة بن خالد ، وأبو هلال محمد بن سليم ، وهشام بن حسان ، ومهدي بن ميمون ، وجرير بن حازم ، ويزيد بن إبراهيم ، وعقبة الأصم ، وخلق سواهم .

قال هشام بن حسان ، عن محمد قال: حج بنا ونحن سبعة ولد سيرين ، فلما دخلنا على زيد بن ثابت قيل له: هؤلاء بنو سيرين ، فقال: هذان لأم ، وهذان لأم وهذان لأم ، وهذا لأم ، فما أخطأ واحداً ، وكان معبد أخا محمد لأبويه . قال هشام: أدرك محمد بن سيرين ثلاثين صحابياً . قال عمر بن شبة: حدثنا يوسف بن عطية قال: رأيت محمد بن سيرين ، وكان قصيراً ، عظيم البطن ، له وفرة ، يفرق شعره ، كثير المزاح والضحك ، يخضب بالحناء .

قال ابن عون: كان محمد يأتي بالحديث على حروفه ، وكان الحسن صاحب معنى . وقال عون بن عمارة: حدثنا هشام بن حسان ، قال : حدثني أصدق من أدركت من البشر محمد بن سيرين . وقال حبيب بن الشهيد: كنت عند عمرو بن دينار فقال: والله ما رأيت مثل طاوس قط ، فقال أيوب وكان جالساً : والله لو رأى محمد بن سيرين لم يقله .

وقال معاذ بن معاذ: سمعت ابن عون يقول: ما رأيت مثل محمد بن سيرين . وعن خليف بن عقبة قال: كان ابن سيرين نسيج وحده . قال حماد بن زيد ، عن عثمان البتي ، قال : لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء من ابن سيرين .

وقال شعيب بن الحبحاب: كان الشعبي يقول لنا: عليكم بذلك الأصم ، يعني ابن سيرين . وقال ابن يونس: كان ابن سيرين أفطن من الحسن في أشياء . وقال جعفر بن سليمان عن عوف قال: كان محمد بن سيرين حسن العلم بالفرائض والقضاء والحساب ، ولكن والله ما رأيت أحداً قط كان أدل على طريق الجنة من الحسن .

وقال أشعث: كان ابن سيرين إذا سئل عن الحلال والحرام تغير لونه حتى يكون كأنه ليس بالذي كان . وقال مورق العجلي: ما رأيت أحداً أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين . وقال أبو قلابة: من يستطيع ما يطيق محمد بن سيرين يركب مثل حد السنان .

وقال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين مر في السوق ، فما رآه أحد إلا ذكر الله . وروى الثوري ، عن زهير الأقطع قال: كان ابن سيرين إذا ذكر الموت مات كل عضوٍ منه على حدته . وقال ابن عون: ما رأيت رجلاً كان أعظم رجاءً لأهل الإسلام من محمد ، ولا رأيت أسخى منه .

وقال مهدي بن ميمون: رأيت ابن سيرين يتكلم بأحاديث الناس وينشد الشعر ويضحك حتى يميل ، فإذا جاء الحديث من السنة كلح وتقبض . وقال ثابت البناني: قال لي محمد: لم يكن يمنعني من مجالستكم إلا خوف الشهرة ، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي ، فأقمت على المصطبة ، فقيل: هذا ابن سيرين أكل أموال الناس ، قال: وكان عليه دينٌ كثير . وذكر المدائني أنه اشترى زيتاً بأربعين ألفاً ، فوجد فيه فأرة فبدده .

قلت: شك ، لأنه وجد الفأرة في زقٍ وقال: الفأرة كانت في المعصرة . قال يونس بن عبيد: كان ابن سيرين صاحب ضحك ومزاح . وقال هشيم عن منصور قال: كان ابن سيرين يضحك حتى تدمع عيناه ، وكان الحسن يحدثنا ويبكي .

وقال سليمان بن حرب: حدثنا عمارة بن مهران قال: كنا في جنازة حفصة بنت سيرين ، فوضعت الجنازة ودخل محمد بن سيرين صهريجاً يتوضأ ، فقال الحسن: أين هو ؟ قالوا: يتوضأ ، قال: صباً صباً ، دلكاً دلكاً ، عذابٌ على نفسه وعلى أهله . قال حماد بن زيد: أخبرنا ابن عون ، قال : سمعت ابن سيرين ينهى عن الجدال إلا رجاء إن كلمته أن يرجع . وقال محمد بن عمرو: سمعت محمد بن سيرين يقول: كاتب أنس بن مالك أبي أبا عمرة على أربعين ألف درهمٍ فأداها .

قال عبيد الله بن أبي بكر بن أنس: هذه مكاتبة سيرين عندنا ، وكان قينا . قال ابن شبرمة: دخلت على محمد بن سيرين بواسط ، فلم أر أجبن عن فتيا ولا أجرأ على رؤيا منه . قال يونس بن عبيد: لم يكن يعرض لمحمد بن سيرين أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما .

وقال بكر المزني : من أراد أن ينظر إلى أورع من أدركنا فلينظر إلى محمد بن سيرين . وقال هشام بن حسان: كان ابن سيرين يتجر ، فإذا ارتاب في شيءٍ تركه . وقال ابن عون: كان محمد من أشد الناس إزراءً على نفسه .

وقال غالب القطان: خذوا بحلم ابن سيرين ، ولا تأخذوا بغضب الحسن . حماد بن سلمة ، عن أيوب: كان ابن سيرين يصوم يوماً ويفطر يوماً . وقال ابن عون: كان يصوم محمد عاشوراء يومين ، ثم يفطر بعد ذلك يومين .

وقال جرير بن حازم: كنت عند ابن سيرين فذكر رجلاً فقال: ذاك الأسود ، ثم قال: إنا لله ، أراني قد اغتبته . وقال معاذ ، عن ابن عون : إن عمر بن عبد العزيز بعث إلى الحسن فقبل ، وبعث إلى ابن سيرين فلم يقبل . وقال ضمرة بن ربيعة ، عن رجاء قال: كان الحسن يجيء إلى السلطان ويعيبهم ، وكان ابن سيرين لا يجيء إليهم ولا يعيبهم .

وقال هشام : ما رأيت أحداً عند سلطان أصلب من ابن سيرين . وقال حماد بن زيد ، عن أيوب: رأيت الحسن في المنام مقيداً ، ورأيت ابن سيرين في النوم مقيداً . أبو شهاب الحناط ، عن هشام: أن ابن سيرين اشترى بيعاً من منونيا فأشرف فيه على ربح ثمانين ألفاً ، فعرض في قلبه شيء فتركه ؛ قال هشام : والله ما هو برباً .

قال ابن سعد: سألت محمد بن عبد الله الأنصاري عن سبب الدين الذي ركب محمد بن سيرين حتى حبس ، قال: اشترى طعاماً بأربعين ألف درهم ، فأخبر عن أصل الطعام بشيءٍ فكرهه فتركه ، أو تصدق به ، فحبس على المال ، حبسه مالك بن المنذر . قال هشام بن حسان: ترك محمد أربعين ألفاً في شيءٍ ما ترون به اليوم بأساً . ويروى عن ابن سيرين قال: إني لأعرف الذي حمل علي الدين ، قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس .

قال أبو سليمان الداراني وبلغه هذا: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين أتوا ، وكثرت ذنوبنا فلم ندر من أين نؤتى . وقال المدائني: كانوا يرون أنه عير مرة رجلاً بالفقر ، فابتلي به . وقال قريش بن أنس: حدثنا عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار أن السجان قال لابن سيرين: إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك ، فإذا أصبحت فتعال ، قال: لا والله لا أعينك على خيانة السلطان .

وقال السري بن يحيى: ترك محمد ربح أربعين ألفاً ، قال لي التيمي: والله لقد تركها في شيء ما يختلف فيه العلماء أنه لا بأس به . قال معمر: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت كأن حمامةً التقمت لؤلؤةً فخرجت منها أعظم مما كانت ، ورأيت حمامةً أخرى التقمت لؤلؤةً ، فخرجت أصغر مما دخلت ، ورأيت حمامةً أخرى التقمت لؤلؤةً ، فخرجت منها كما دخلت سواء ، فقال ابن سيرين: أما التي خرجت أعظم مما دخلت ، فذاك الحسن يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ، ويصل فيه من مواعظه ، وأما التي خرجت أصغر مما دخلت ، فهو محمد بن سيرين يسمع الحديث فينقص منه ، وأما التي خرجت كما دخلت ، فهو قتادة ، فهو أحفظ الناس . ابن المبارك ، عن عبد الله بن مسلم المروزي قال: كنت أجالس ابن سيرين فتركته وجالست الإباضية ، فرأيت كأني مع قوم يحملون جنازة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتيت ابن سيرين فذكرته له فقال: ما لك جالست أقواما يريدون أن يدفنوا ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ وعن هشام بن حسان قال: قص رجل على ابن سيرين فقال: رأيت كأن بيدي قدحاً من زجاج فيه ماء ، فانكسر القدح وبقي الماء فقال له : اتق الله ، فإنك لم تر شيئاً ، فقال: سبحان الله ! قال ابن سيرين: فمن كذب فما علي ، ستلد امرأتك وتموت ويبقى ولدها ، فلما خرج الرجل قال: والله ما رأيت شيئاً ، فما لبث أن ولد له وماتت امرأته .

قال: ودخل آخر فقال: رأيت كأني وجارية سوداء ، نأكل في قصعة سمكة ، قال: أتهيء لي طعاماً وتدعوني ؟ قال: نعم ، ففعل ، فلما وضعت المائدة ، إذا جارية سوداء ، فقال له ابن سيرين: هل أصبت هذه ؟ قال: لا ، قال: فادخل بها المخدع ، فدخل بها ، فصاح: يا أبا بكر ، رجل والله ! قال: هذا الذي شاركك في أهلك . أبو بكر بن عياش ، عن مغيرة بن حفص قال: سئل ابن سيرين فقال: رأيت كأن الجوزاء تقدمت الثريا ، فقال : هذا الحسن يموت قبلي ثم أتبعه ، وهو أرفع مني . وقد جاء عن ابن سيرين في التعبير عجائب يطول الكتاب بذكرها ، وكان له في ذلك تأييد إلهي .

قال حماد بن زيد: حدثنا أنس بن سيرين قال: كان لمحمد سبعة أوراد ، فإذا فاته شيء من الليل قرأه بالنهار . وقال حماد ، عن ابن عون: إن محمداً كان يغتسل كل يوم . قلت: كان عنده وسواس ، وقد ذكرنا تطويله في الوضوء يوم وفاة أخته .

قال مهدي بن ميمون: رأيت محمداً إذا توضأ فغسل رجليه بلغ عضلة ساقيه . وقال قرة بن خالد وغيره: كان نقش خاتم ابن سيرين كنيته أبو بكر . قال مهدي: رأيته يتختم في الشمال .

وقال محمد بن عمرو: سمعت ابن سيرين يقول: عققت عن نفسي بختية . وقال مهدي بن ميمون: رأيت ابن سيرين يلبس طيلساناً ويلبس كساء أبيض في الشتاء وعمامة بيضاء وفروة . وقال سليمان بن المغيرة: رأيت ابن سيرين يلبس الثياب الثمينة والطيالس والعمائم .

وقال يحيى بن خليف: حدثنا أبو خلدة قال: رأيت ابن سيرين يتعمم بعمامة بيضاء لاطية ، قد أرخى ذؤابتها من خلفه ، ورأيته يخضب بالصفرة . وقال أبو الأشهب: رأيت عليه ثياب كتان . وقال معن بن عيسى: حدثنا محمد بن عمرو قال : رأيت ابن سيرين خضب بحناء وكتم ، ورأيته لا يحفي شاربه .

وقال حميد الطويل: أمر ابن سيرين سويداً أن يجعل له حلة حبرة يكفن فيها . وقال هشام بن حسان: حدثتني حفصة بنت سيرين قالت: كانت أم محمد حجازية ، وكان يعجبها الصبغ ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوباً اشترى ألين ما يجد ، فإذا كان عيدٌ صبغ لها ثياباً ، وما رأيته رافعاً صوته عليها ، كان إذا كلمها كالمصغي إليها . قال بكار بن محمد ، عن ابن عون : إن محمداً كان إذا كان عند أمه لو رآه رجلٌ لا يعرفه ، ظن أن به مرضاً من خفض كلامه عندها .

أزهر ، عن ابن عون قال: كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلاً بسيئة ذكره هو بأحسن ما يعلم ، وجاءه ناس فقالوا: إنا نلنا منك ، فاجعلنا في حلٍ ، فقال: لا أحل لكم شيئاً حرمه الله . قال جعفر بن برقان: حدثنا ميمون بن مهران قال: قدمت الكوفة وأنا أريد أن أشتري البز ، فأتيت ابن سيرين بالكوفة ، فساومته ، فجعل إذا باعني صنفاً من أصناف البز قال: هل رضيت ؟ فأقول: نعم ، فيعيد ذلك علي ثلاث مرارٍ ، ثم يدعو رجلين فيشهدهما ، وكان لا يشتري ولا يبيع بهذه الدراهم الحجاجية ، فلما رأيت ورعه ما تركت شيئاً من حاجتي أجده عنده إلا اشريته ، حتى لفائف البز . أبو كدينة ، عن ابن عون قال: كان ابن سيرين إذا وقع عنده درهم زيف أو ستوق لم يشتر به ، فمات يوم مات وعنده خمسمائة ستوقة وزيوف .

عارم: حدثنا حماد ، عن غالب قال: أتيت محمداً : وذكر مزاحه ، فسألته عن هشام فقال: توفي البارحة ، أما شعرت ؟ فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون ، فضحك . ذكر وفاته قال عبد الوهاب بن عطاء: أخبرنا ابن عون قال: كانت وصية ابن سيرين: ذكر ما أوصى به محمد بن أبي عمرة بنيه وأهله ، أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ، وأن يطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين ، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وأوصاهم أن لا يدعوا أن يكونوا إخوان الأنصار ومواليهم في الدين ، فإن العفاف والصدق خيرٌ وأبقى وأكرم من الزنا والكذب ، وأوصى فيما ترك إن حدث بي حدثٌ قبل أن أغير وصيتي . قال ابن سعد: أخبرنا بكار بن محمد ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه عبد الله بن محمد بن سيرين قال: لما ضمنت عن أبي دينه قال لي: بالوفاء؟ قلت: بالوفاء ، فدعا لي بخير ، فقضى عبد الله عنه ثلاثين ألف درهمٍ ، فما مات عبد الله حتى قومنا ماله ثلاثمائة ألف درهمٍ أو نحوها .

وقال أيوب: أنا زررت على محمد ، يعني القميص لما كفنه . وروى أيوب ، عن محمد أنه كان يأمر أن يجعل لقميص الميت أزرار ويكف . قال غير واحدٍ: مات ابن سيرين بعد الحسن بمائة يوم ، وذلك في سنة عشرٍ ومائة ، وعاش بضعاً وثمانين سنة ، وقد مر مولده أنه في خلافة عمر .

قال خالد بن خداش: حدثنا حماد بن زيد قال: مات ابن سيرين لتسعٍ مضين من شوال سنة عشرٍ ومائة . قال أبو صالح كاتب الليث: حدثني يحيى بن أيوب أن رجلين تآخيا فتعاهدا إن مات أحدهما قبل صاحبه أن يخبره بما وجد ، فمات أحدهما فرآه صاحبه في النوم ، فسأله عن الحسن البصري ، قال: ذاك ملك في الجنة لا يعصى ، قال: فابن سيرين ؟ قال: ذاك فيما شاء واشتهى ، وشتان ما بينهما ، قال: فبأي شيء أدرك الحسن ؟ قال: بشدة الخوف والحزن . وقال المحاربي: حدثنا الحجاج بن دينار قال: كان الحكم بن جحل صديقاً لابن سيرين ، فحزن على ابن سيرين حتى كان يعاد ، ثم قال بعد: رأيته في المنام في حال كذا وكذا ، فسألته لما سرني: فما صنع الحسن ؟ قال: رفع فوقي سبعين درجة ، قلت: بم؟ فقد كنا نرى أنك فوقه ؟ قال: بطول الحزن .

رواهما جماعة عن المحاربي .

موقع حَـدِيث