يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين
يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين ، أبو خالد الأموي الدمشقي . ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهدٍ من أخيه سليمان ، معقود في تولية عمر بن عبد العزيز كما ذكرنا ، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية . ولد سنة إحدى أو اثنتين وسبعين .
قال سعيد بن عفير: كان جسيماً أبيض مدور الوجه أفقم لم يشب . قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: بينا نحن عند مكحول ، إذ أقبل يزيد ابن عبد الملك ، فهممنا أن نوسع له ، فقال مكحول: دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس ، يتعلم التواضع . أبو ضمرة ، عن محمد بن موسى بن عبد الله بن يسار قال: إني لجالس في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد حج يزيد بن عبد الملك قبل أن يكون خليفةً ، فجلس مع المقبري ، وابن أبي العتاب ، إذ جاء أبو عبد الله القراظ ، فوقف عليه فقال: أنت يزيد بن عبد الملك ؟ فالتفت يزيد إلى الشيخين فقال: أمجنونٌ هذا ! فذكروا له فضله وصلاحه وقالوا: هذا أبو عبد الله القراظ صاحب أبي هريرة ، حتى رق له ولان ، فقال: نعم أنا يزيد ، فقال له: ما أجملك ، إنك لتشبه أباك إن وليت من أمر الناس شيئاً ، فاستوص بأهل المدينة خيراً ، فأشهد على أبي هريرة لحدثني عن حبه وحبي صاحب هذا البيت ، وأشار إلى الحجرة : أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى ناحية من المدينة ، يقال لها: بيوت السقيا ، وخرجت معه ، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: إن إبراهيم خليلك دعاك لأهل مكة ، وأنا نبيك ورسولك أدعوك لأهل المدينة ، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم وقليلهم وكثيرهم ، ضعفي ما باركت لأهل مكة ، اللهم ارزقهم من ها هنا وها هنا ، وأشار إلى نواحي الأرض كلها ، اللهم من أرادهم بسوءٍ فأذبه كما يذوب الملح في الماء .
ثم التفت إلى الشيخين فقال: ما تقولان ؟ قالا: حديثٌ معروفٌ مرويٌ ، وقد سمعنا أيضاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين هذين . وأشار كل واحدٍ منهما إلى قلبه . رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن الحزامي عنه .
قال ابن وهب: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما توفي عمر بن عبد العزيز وولي يزيد قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز ، قال: فأتي بأربعين شيخاً فشهدوا له: ما على الخلفاء حساب ولا عذاب . وقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج بن حسان التيمي ، قال : حدثنا سليم بن بشير قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر: سلامٌ عليك ، أما بعد ، فإني لا أراني إلا لما بي ، فالله ، الله في أمة محمدٍ فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك ، وتفضي إلى من لا يعذرك ، والسلام . قال الزبير بن بكار: حدثنا هارون الفروي ، قال : حدثني موسى بن جعفر بن أبي كثير ، وابن الماجشون قالا: لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد: والله ما عمر بأحوج إلى الله مني ، فأقام أربعين يوماً يسير بسيرة عمر ، فقالت حبابة لخصي له كان صاحب أمره: ويحك قربني منه حيث يسمع كلامي ، ولك عشرة آلاف درهم ، ففعلوا ، فلما مر يزيد بها قالت: بكيت الصبا جهدا فمن شاء لامني ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا فقد منع المحزون أن يتجلدا والشعر للأحوص ، فلما سمعها قال: ويحك قل لصاحب الشرط يصلي بالناس .
وقال يوماً: والله إني لأشتهي أن أخلو بها فلا أرى غيرها ، فأمر ببستانٍ له فهيئ ، وأمر حاجبه أن لا يعلمه بأحدٍ ، قال: فبينما هو معها أسر شيء بها ، إذ حذفها بحبة رمانٍ أو بعنبة ، وهي تضحك ، فوقعت في فيها ، فشرقت فماتت ، فأقامت عنده في البيت حتى جيفت أو كادت ، واغتم لها ، وأقام أياماً ، ثم إنه خرج إلى قبرها فقال: فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا فباليأس أسلو عنك لا بالتجلد وكل خليلٍ زارني فهو قائل من أجلك هذا هامة اليوم أو غد ثم رجع ، فما خرج من منزله إلا على النعش . قال الهيثم بن عمران العنسي: مات يزيد بن عبد الملك بسواد الأردن ، مرض بطرفٍ من السل . وقال أبو مسهر: مات يزيد بإربد .
وقال غير واحد: مات لخمسٍ بقين من شعبان سنة خمسٍ ومائة ، وكانت خلافته أربع سنين وشهراً .