عبد الله أبو محمد البطال
عبد الله ، أبو محمد البطال ، ويقال : أبو يحيى أحد الموصوفين بالشجاعة والإقدام ، ومن سارت بذكره الركبان ، كان أحد أمراء بني أمية ، وكان على طلائع مسلمة بن عبد الملك ، وكان ينزل بأنطاكية ، شهد عدة حروب ، وأوطأ الروم خوفاً وذلاً ، ولكن ما يحد ولا يوصف ، ما كذبوا عليه من الخرافات المستحيلات . وعن عبد الملك ، أنه أوصى مسلمة ، فقال : صير على طلائعك البطال ، ومره فليعس بالليل ، فإنه أمينٌ شجاع مقدام . وقال الوليد بن مسلم : حدثني بعض شيوخنا أن مسلمة عقد للبطال على عشرة آلاف ، فجعلهم يعني يزكاً .
وحدثني أبو مروان الأنطاكي قال : كنت أغازي البطال ، وقد أوطأ الروم ذلاً ، قال البطال : فسألني بعض ولاةٍ بني أمية عن أعجب ما كان من أمري ، فقلت : خرجت في سرية ليلاً ، فأتينا قريةً ، وقلت لأصحابي : ارفعوا لجم خيولكم ، ولا تهيجوا ، ففعلوا واخترقوا في أزقتها ، ودفعت في ناس من أصحابي إلى بيتٍ فيه سراج وامرأة تسكت ولدها من بكائه وتقول : اسكت أو لأدفعنك إلى البطال ، ثم انتشلته من سريره وقالت : خذه يا بطال ، قال : فأخذته . وخرجت يوماً وحدي على فرسي لأصيب غفلةٍ ، ومعي شواء وغيره ، فأكلت ، ودخلت بستاناً ، وأسهلني بطني ، فاختلفت مراراً ، وخفت من الضعف ، فركبت وأسهلت على سرجي ، كرهت أن أنزل فأضعف عن الركوب ، ولزمت عنق الفرس ، وذهب بي لا أدري إلى أين ، فسمعت وقع حوافره على بلاطٍ ، فأفتح عيني فإذا دير ، وإذا نسوةٌ يتطلعن من أبواب الدير ، فلما رأين حالي وضعفي ، ووقوف فرسي ، رطنت واحدةٌ منهن ، فنزعن عني ثيابي ، وغسلن ما بي وألبسنني ثيابي ، وسقينني ترياقاً أو دواءً ، ووضعت على سريرٍ ، فأقمت يوماً وليلةً مسبوتاً ، وذهب عني ذلك ثاني يوم ، وأنا ضعيف عن الركوب ، فجاءها في اليوم الثالث بطريقٌ أقبل في مركبه ، فأمرت بفرسي فغيب ، وأغلقت علي بيتاً ، ودخل البطريق ، فسمعت بعض النسوة تخبر أنه خاطب لها ، فبلغه شأني ، فهم أن يهجم علي ، فأقسمت إن فعل لا نال حاجته ، فأمسك ، ثم تروح ، وخرجت فدعوت بفرسي ، فقالت : لا آمن أن يكمن لك ، دعه يذهب ، فأبيت وركبت وقفوت الأثر حتى لحقته ، وشددت عليه ، فانفرج عنه أصحابه ، فقتلته ، وطلبت أصحابه فهربوا، فأخذت فرسه وسمطت رأسه ، ورددت إلى الدير ، فألقيت الرأس ، ودعوتها ومن معها من النساء والخدم ، فوقفن بين يدي ، وأمرتها بالرحلة ومن معها على الدواب ، وسرت بها وبهن إلى العسكر ، فتنفلت المرأة بعينها وسلمت سائر الغنيمة ، واتخذتها ، فهي أم بني . قال الوليد بن مسلم : سمعت عبد الله بن راشد الخزاعي يخبر عمن سمع من البطال ، أنه ولي المصيصة وما يليها ، فبعث سريةً ، فأبطأ عليه خبرها ، فأشفق من مصيبة ، قال : فخرجت مفرداً ، فلم أجد لهم خبراً ، ثم أعطيت خبرهم ، فخفت عليهم من العدو ، ولم أجد أحداً يخبرني بشيءٍ ، فسرت حتى أقف بباب عمورية ، فضربت بابها وقلت للبواب : افتح لفلانٍ سياف الملك ورسوله ، وكنت أشبه به ، فأعلمه ، فأمره ، ففتح لي ، فصرت إلى بلاطها ، وأمرت من يشتد بين يدي إلى باب بطريقها ، ففعل ، ووافيته وقد جلس لي ، فنزلت عن فرسي وأنا متلثم ، فأذن لي ورحب بي ، فقلت : أخرج هؤلاء فإني قد حملت إليك أمراً ، فأخرجهم ، وشددت عليه حتى أغلق باب الكنيسة وأتى إلي ، فاخترطت سيفي وقلت : قد وقعت بهذا الموضع ، فأعطني عهداً حتى أكلمك بما أردت حتى أرجع من حيث جئت ، ففعل ، فقلت : أنا البطال ، فاصدقني وانصحني ، وإلا قتلتك ، قال : سل .
فقلت : السرية . قال : نعم ، وافت البلاد غارةٌ لا يدفع أهلها يد لامس ، فوغلوا في البلاد وملأوا أيديهم غنائم ، وهذا آخر خبر جاءني بأنهم بوادي كذا وكذا ، قد صدقتك . فغمدت سيفي ، وقلت : ادع لي بطعامٍ ، فدعا به ، ثم قمت وقال : اشتدوا بين يدي رسول الملك حتى يخرج ، ففعلوا ، وقصدت السرية وخرجت بهم وبما غنموا .
وعن أبي بكر بن عياش قال : قيل للبطال : ما الشجاعة ؟ قال : صبر ساعة . وقال الوليد : أخبرني ابن جابر ، قال : حدثني من سمع البطال يخبر مالك بن شبيب أمير مقدمة الجيش الذي قتل فيه . عن خبر بطريق أقرن صهر البطال ، أن ليون طاغية الروم قد أقبل نحوه في مائة ألف ، فذكر قصة ، فيها إشارة البطال عليه باللحاق ببعض مدن الروم والتحصن به ، حتى يلحقهم الأمير سليمان بن هشام ، وذكر عصيان مالك في رأيه ، قال : ولقينا ليون ، فقاتل مالك يومئذٍ ومن معه حتى قتل في جماعة ، والبطال عصمة لمن بقي ، ووالٍ لهم قد أمرهم ألا يذكروا له اسماً ، فتجمعوا عليه ، فحمل البطال ، فصاح بعض من معه باسمه وفداه ، فشدت عليه فرسان الروم حتى شالته برماحها عن سرجه وألقته إلى الأرض ، وأقبلت تشد على بقية الناس مع اصفرار الشمس .
قال الوليد : قال غير ابن جابر : وليون طاغيتهم قد نزل ، ورفعوا أيديهم يستنصرون على المسلمين ، ورأوا من قلة المسلمين وقلة من بقي ، فقال : ناد يا غلام برفع السيف ، وترك بقية القوم لله وانصرفوا ، قال ابن جابر : فأمر البطال منادياً ، فنادى : أيها الناس ، عليكم بسنادة ، فتحصنوا فيها ، وأمر رجلاً على مقدمتهم ، وآخر على ساقتهم يحمل الجريح والضعيف ، وثبت البطال مكانه ، ومعه قرابةٌ له في مواليه ، وأمر من يسير في أوائلهم يقول : أيها الناس الحقوا فإن البطال يسير بأخراكم ، وأمر من ينادي في أخراهم : الحقوا فإن البطال في أولاكم ، فلم يصبحوا إلا وقد دخلوها ، يعني سنادة ، وأصبح البطال في المعركة وبه رمق ، فلما كان من الغد ، ركب ليون بجيشه ، فأتى المعركة ، فوجد البطال وأصحابه ، فأخبر به ، فأتى حتى وقف عليه ، فقال : أبا يحيى كيف رأيت ؟ قال : وما رأيت ، كذلك الأبطال تقتل وتقتل ! فقال ليون : علي بالأطباء ، فأتي بهم ، فنظروا في جراحه ، فوجدوه قد أنفذت مقاتله ، فقال : هل من حاجة ؟ قال : نعم ، فأمر من ثبت معي بولايتي وكفني والصلاة علي ، ثم تخلي سبيلهم ، ففعل . قال أبو عبيدة : قتل البطال سنة اثنتي عشرة ومائة . وقال أبو حسان الزيادي : سنة ثلاث عشرة .
وقال خليفة : سنة إحدى وعشرين .