مكحول بن أبي مسلم
م 4 : مكحول بن أبي مسلم ، أبو عبد الله فقيه الشام وشيخ أهل دمشق ، أرسل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن أبي بن كعب ، وعبادة بن الصامت ، وعائشة ، وطائفة . وروى عن : أبي أمامة ، وواثلة بن الأسقع ، وأنس بن مالك ، وعبد الرحمن بن غنم ، وابن محيريز ، ومحمود بن الربيع ، وأبي سلام الأسود ، وأبي إدريس الخولاني ، وشرحبيل بن السمط ، وخلق كثير . وعنه : أيوب بن موسى ، وثور بن يزيد ، والعلاء بن الحارث ، وعامر الأحول ، وحجاج بن أرطاة ، وحفص بن غيلان ، وزيد بن واقد ، وابن زبر ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، وابن إسحاق ، وعلي بن أبي حملة ، ومحمد بن راشد ، وحميد الطويل ، وخلق كثير .
وداره بدمشق في طرف سوق الأحد . وكان أبوه مولى امرأة من هذيل ، ويقال : هو من أولاد كسرى واسمه زبر . وقيل : هو زبر بن شاذل بن سند بن شروان بن كسرى من سبي كابل .
روى سعيد بن عبد العزيز ، عن مكحول أنه كان يرمي ويقول : أنا الغلام الهذلي . وأما عبد الله بن العلاء بن زبر ، فقال : سمعت مكحولاً يقول : كنت عبداً لسعيد بن العاص ، فوهبني لامرأة من هذيل ، فأنعم الله علي بها ، يعني : بمصر ، فما خرجت منها حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته ، ثم قدمت المدينة فما خرجت منها حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته ، ثم لقيت الشعبي فلم أر مثله ، رواها الوليد بن مسلم ، عنه . وقال يحيى بن حمزة ، عن أبي وهب الكلاعي عبد الله بن عبيد ، عن مكحول قال : أعتقت بمصر فلم أدع بها علماً إلا حويته فيما أرى ، ثم أتيت العراق فلم أدع بها علماً حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت المدينة فكذلك ثم أتيت الشام فغربلتها ، كل ذلك أسأل عن النفل ، وذكر الحديث في النفل .
وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : سمعت مكحولاً يقول : طفت الأرض كلها في طلب العلم . وقال الزهري : العلماء ثلاثة ، فذكر منهم مكحولا . وقال أبو حاتم الرازي : ما أعلم بالشام أفقه من مكحول .
وقال ابن زيد : سمعت الزهري يقول : العلماء أربعة : سعيد بالمدينة ، والشعبي بالكوفة ، والحسن بالبصرة ، ومكحول بالشام . وقال سعيد بن عبد العزيز : قال مكحول : ما سمعت شيئاً فاستودعته صدري إلا وجدته حين أريد ، ثم قال سعيد : كان مكحول أفقه من الزهري وكان بريئاً من القدر . وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : صحبت مكحولاً في أسفار كثيرة يحمل فيها ديكاً لا يفارقه .
وقال سعيد بن عبد العزيز : أعطي مكحول مرة عشرة آلاف دينار فكان يعطي الرجل خمسين ديناراً ثمن الفرس . وقال عثمان بن عطاء الخراساني : كان مكحول يقول : كل من لا يستطيع أن يقول : قل ، كان أعجمياً . وقال أحمد العجلي : مكحول ثقة دمشقي .
وقال ابن خراش : صدوق يرى القدر . وقال يحيى بن معين : كان قدرياً ثم رجع عنه . وقال الأوزاعي : لم يبلغنا أن أحداً من التابعين تكلم في القدر إلا الحسن ، ومكحول ، فكشفنا عن ذلك فإذا هو باطل .
وقال سعيد بن عبد العزيز : جلس مكحول وعطاء بن أبي رباح يفتيان الناس ، يعني : في الموسم ، فكان لمكحول الفضل عليه حتى بلغا جزاء الصيد ، فكأن عطاء كان أنفذ في ذلك منه ، قال سعيد : وسئل مكحول عن الرجل يدرك من الجمعة ركعة ، فقال : ما أفتيت فيها منذ ثلاثين سنة . قال أبو زرعة : دلنا قوله على أنه أفتى في أيام عبد الملك . قال سعيد : وكان إذا سئل يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، هذا رأي والرأي يخطئ ويصيب .
وقال إسماعيل بن عياش ، عن تميم بن عطية قال : كثيراً ما كنت أسمع مكحولاً يسأل فيقول : ندانم ، يعني : لا أدري . وقال سعيد بن عبد العزيز : لم يكن عندنا أحد أحسن سمتاً في العبادة من مكحول ، وربيعة بن يزيد . وروى غير واحد ، عن مكحول قال : لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن ألي القضاء ، ولأن ألي القضاء أحب إلي من أن ألي بيت المال ، وقال : إن يكن في مخالطة الناس خير فالعزلة أسلم .
وقال ابن جابر : أقبل يزيد بن عبد الملك إلى مكحول في أصحابه فهممنا بالتوسعة ، فقال مكحول : مكانكم ، دعوه يجلس حيث أدرك يتعلم التواضع . وقال سعيد بن عبد العزيز : كانوا يؤخرون الصلاة في أيام الوليد بن عبد الملك ويستحلفون الناس أنهم ما صلوا ، فأتى عبد الله بن أبي زكريا فاستحلف ما صلى فحلف ، وأتى مكحول فاستحلف ، فقال : فلم جئنا إذاً ؟ فترك . وروى نعيم بن حماد قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه قال : كتب عمر بن عبد العزيز : أن انظروا إلى الأحاديث التي رواها مكحول في الديات أحرقوها ، قال : فأحرقت .
وقال رجاء بن أبي سلمة ، عن أبي عبيد مولى سليمان قال : ما سمعت رجاء بن حيوة يلعن أحداً إلا يزيد بن المهلب ، ومكحولاًَ . قلت : لعنه لكلامه في القدر . قال علي بن أبي حملة : كنا على ساقية بأرض الروم والناس يمرون وذلك في الغلس وأبو شيبة يقص فدعا ، فقال : اللهم ارزقنا طيباً واستعملنا صالحاً .
وقال مكحول وهو في القوم : إن الله لا يرزق إلا طيباً ، ورجاء بن حيوة وعدي بن عدي ناحية ، فقال أحدهما لصاحبه : أتسمع ؟ قال : نعم ، فقيل لمكحول : إنهما سمعا قولك : فشق عليه ، فقال له عبد الله بن زيد : أنا أكفيك رحماً قال : فأتاه فأجرى ذكر مكحول وقال : دعه أليس هو صاحب الكلمة ؟ قال : فما تقول في رجل قتل يهودياً فأخذ منه ألف دينار فكان ينفق منها أرزقٌ رزقه الله ؟ ! قال : كلٌ من عند الله . قال ابن أبي حملة : أنا شهدتهما حين تكلما . وقال عاصم بن رجاء بن حيوة : جاء مكحول إلى أبي ، فقال : يا أبا المقدام إنهم يريدون دمي ! قال : قد حذرتك القرشيين ومجالستهم ولكن أدنوك وقربوك فحدثتهم بأحاديث ، فلما أفشوها عنك كرهتها .
وقال رجاء بن أبي سلمة : قال مكحول : ما زلت مستقلاٌ بمن بغاني حتى أعانهم علي رجاء ، وذلك أنه رجل أهل الشام في أنفسهم . وروى إبراهيم بن عبد الله بن نعيم ، عن أبيه قال : سألني مكحول خلاء فأخليته فتشهد ، ثم ذكر أنه رفع إلى الضحاك بن عبد الرحمن أنه رأس القدرية ، فأمر الضحاك الحاجب أن لا يدخله كما يدخلني في الخاصة ، فتبرأ مكحول من ذلك وسأل أبي أن يعلم الضحاك ذلك ففعل حتى رده إلى منزلته . وقال أبو مسهر : كان سعيد بن عبد العزيز يبرئ مكحولاً ويرفعه عن القدر .
قال أبو مسهر وطائفة : توفي مكحول سنة ثلاث عشرة . وقال أبو نعيم ، ودحيم : سنة اثنتي عشرة ومائة . ويقال : سنة ثماني عشرة ، وهو وهم .