أبو مسلم الخراساني
أبو مسلم الخراساني ، صاحب الدعوة ، عبد الرحمن بن مسلم ، وقيل : عبد الرحمن بن عثمان بن يسار ذكر ابن خلكان أنه كان قصيراً أسمر جميلاً حلواً نقي البشرة ، أعور العين ، عريض الجبهة ، حسن اللحية ، طويل الشعر والظهر ، خافض الصوت ، فصيحاً بالعربي والفارسي ، حلو المنطق ، راوية للشعر ، عالماً بالأمور ، لم ير ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته ، ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله ، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور وتنزل به الفادحة فلا يرى مكتئباً ، وإذا غضب لم يستفزه الغضب ، ولا يأتي النساء إلا مرة في السنة . ولد سنة مائة من الهجرة ، وأول ظهوره بمرو كان في سنة تسع وعشرين ، فظهر في خمسين رجلاً وآل أمره إلى أن هرب منه نصر بن سيار أمير خراسان ، وصفت ممالكها لأبي مسلم في سنتين وأربعة أشهر . قال محمد بن أحمد بن القواس في تاريخه : قدم أبو مسلم ، وحفص بن سليمان الخلال على إبراهيم الإمام وهو بالحميمة فأمرهما بالمصير إلى خراسان .
وقد روى أبو مسلم عن عكرمة مرسلاً ، وعن ثابت البناني ، وأبي الزبير ، وإسماعيل السدي ، ومحمد بن علي العباسي ، وجماعة . روى عنه إبراهيم الصائغ ، وابن شبرمة ، وابن المبارك ، وغيرهم . روى مصعب بن بشر عن أبيه قال : قام رجل إلى أبي مسلم ، وهو يخطب فقال : ما هذا السواد ؟ قال : حدثني أبو الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ، وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة ، يا غلام اضرب عنقه .
ويروى أن سليمان بن كثير ، ومالك بن الهيثم ، ولاهز ، وقحطبة توجهوا من خراسان إلى الحج سنة أربع وعشرين فدخلوا الكوفة فأتوا عاصم بن يونس وهو في الحبس ، فدعاهم إلى ولد العباس ومعه عيسى وإدريس ابنا معقل حبسهم يوسف بن عمر فيمن حبس من عمال خالد القسري ، ومع هذين الأخوين أبو مسلم يخدمهما ، فرأوا فيه العلامات فقالوا : من ذا ؟ قالوا : غلام من السراجين يخدمنا ، وقد كان أبو مسلم سمع الأخوين يتكلمان في هذا الرأي فإذا سمعهما بكى فدعواه إلى القيام بالأمر فأجاب . قال ابن خلكان : كانا قد حبسا على مال الخراج ، وعيسى هو جد الأمير أبي دلف ، فكان أبو مسلم يختلف إلى الحبس يتعهدهما ، فقدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي فدخلوا يسلمون على الأخوين فرأوا أبا مسلم فأعجبهم عقله وكلامه ، ومال هو إليهم ، ثم عرف أمرهم ودعوتهم ، وهرب الأخوان من الحبس فصحب هو النقباء إلى مكة ، ثم أحضروا عشرة آلاف دينار ومائتي ألف درهم إلى إبراهيم بن محمد وقد مات أبوه ، وأهدوا له أبا مسلم فأعجب به وقال لهم : هذا عضلة من العضل ، فأقام يخدم إبراهيم الإمام ، وعاد النقباء إلى خراسان فقال إبراهيم : إني قد جربت هذا وعرفت ظاهر كلامه وباطنه فوجدته حجر الأرض ، ثم قلده الأمر ونفذه إلى خراسان . قال المأمون : أجل الملوك ثلاثة قاموا بنقل الدول : الإسكندر ، وأزدشير ، وأبو مسلم .
ويروى أن أبا مسلم من ولد بزر جمهر ، ولد بأصبهان ونشأ بالكوفة ، أوصى به أبوه إلى عيسى السراج فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين ، فقال إبراهيم - لما عزم على توجهه إلى خراسان - : غير اسمك وكان اسمه إبراهيم بن عثمان ، فقال : قد سميت نفسي أبا مسلم عبد الرحمن بن مسلم ، ثم مضى وله ذؤابة ، وهو على حمار وله تسع عشرة سنة . وعن بعضهم قال : كنت أطلب العلم فلا آتي موضعاً إلا وجدت أبا مسلم قد سبقني إليه ، فألفته فدعاني إلى منزله ، ثم لاعبني بالشطرنج ، وكان يلهج بهذين البيتين : ذروني ذروني ما قررت فإني متى ما أهج حرباً تضيق بكم أرضي وأبعث في سود الحديد إليكم كتائب سوداً طالما انتظرت نهضي . قال علي بن عثام : قال إبراهيم الصائغ : لما رأيت العرب وضيعتها خفت أن لا تكون لله فيهم حاجة فلما سلط الله عليهم أبا مسلم رجوت أن تكون لله فيهم حاجة .
وقال حسن بن رشيد : سمعت يزيد النحوي يقول : أتاني إبراهيم الصائغ فقال : أما ترى ما يعمل هذا الطاغية إن الناس معه في سعة غيرنا أهل العلم . قلت : لو علمت أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت ، إن أمرت ونهيت يقبل منا أو يقتلنا ، ولكني أخاف أن يبسط علي العذاب وأنا شيخ كبير لا صبر لي على السياط ، فقال الصائغ : لكني لا أنتهي عنه فدخل عليه فأمره ونهاه فقتله . وقيل : كان أبو مسلم يجتمع بإبراهيم الصائغ ، وهو عالم أهل مرو ويعده بإقامة الحق ، فلما ظهر بسط يده - يعني في القتل - فدخل عليه فوعظه .
وقد ذكرنا جملة من أخبار أبي مسلم في الحوادث وكيف قتله المنصور ، وكان ذلك في سنة سبع وثلاثين بالمدائن .