سنة إحدى وأربعين ومائة
150 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾(الحوادث) سنة إحدى وأربعين ومائة . فيها توفي أسماء بن عبيد والد جويرية بن أسماء ، وأبان بن تغلب الكوفي ، وإسحاق بن راشد ، والحسين بن عبد الله بن عبيد الله الهاشمي العباسي ، والحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وسعد بن سعيد الأنصاري أخو يحيى بن سعيد ، وأبو إسحاق الشيباني سليمان بن فيروز ، وسليمان الأحول قاضي المدائن بخلف فيه ، وعاصم الأحول في قول الهيثم بن عدي ، وعثمان البتي في قول ، والقاسم بن الوليد الهمداني الكوفي ، وموسى بن عقبة صاحب المغازي ، وموسى بن كعب أمير ديار مصر . وفيها كان ظهور الريوندية .
قال أبو الحسن المدائني : هم قوم من خراسان على رأي أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة ، ويقولون فيما زعم بتناسخ الأرواح ، فيزعمون أن روح آدم - عليه السلام - حلت في عثمان بن نهيك ، وأن المنصور هو ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم وأن الهيثم بن معاوية هو جبريل . قال : فأتوا قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون : هذا ، فقبض المنصور منهم نحو المائتين من الكبار ، فغضب الباقون وقالوا : علام حبسوا ؟ ، ثم عهدوا إلى نعش فحفوا به ، يوهمون أنها جنازة قد اجتمعوا لها ، ثم إنهم مروا بها على باب السجن فعنده شدوا على الناس بالسلاح واقتحموا السجن ، فأخرجوا أصحابهم الذين قبض عليهم المنصور ، وقصدوا نحو المنصور ، وهم نحو من ستمائة ، فتنادى الناس ، وأغلقت المدينة ، وخرج المنصور من قصره ماشياً لم يجد فرساً ، فأتي بدابة وهو يريدهم ، فجاءه معن بن زائدة فترجل له وعزم عليه وأخذ بلجام الدابة ، وقال : إنك تكفى يا أمير المؤمنين . وجاء مالك ابن الهيثم فوقف على باب القصر ، ثم قاتلوهم حتى أثخنوهم .
وجاء خازم بن خزيمة فقال : يا أمير المؤمنين أقتلهم ؟ قال : نعم . فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى الحائط ، فكروا على خازم فهزموه ، ثم كر عليهم هو والهيثم بن شعبة بجندهما ، وأحاطوا بهم ، ووضعوا فيهم السيف فأبادوهم ، فلا رحمهم الله . وقد جاءهم يومئذ عثمان بن نهيك فكلمهم ، فرموه بنشابة ، فمرض منها ومات ، فاستعمل المنصور مكانه على الحرس أخاه عيسى بن نهيك .
وكان هذا كله في المدينة الملقبة بالهاشمية وهي بقرب الكوفة . ثم إن المنصور قدم سماطاً بعد العصر وبالغ في إكرام معن . وروى المدائني عن أبي بكر الهذلي قال : إني لواقف بباب القصر إذ اطلع رجل إلى المنصور فقال : هذا رب العزة الذي يرزقنا ويطعمنا .
قال : فحدثت المنصور بعد ذلك فقال : يا هذلي يدخلهم الله النار في طاعتنا ونقتلهم ، أحب إلينا من أن يدخلهم الله الجنة في معصيتنا . وعن الفضل بن الربيع عن أبيه أنه سمع المنصور يقول : أخطأت ثلاث خطآت وقى الله شرها : قتلت أبا مسلم وأنا في خرق ، ومن حولي يقدم طاعته ويؤثرها ولو هتكت الخرق لذهبت ضياعاً . وخرجت يوم الريوندية ولو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا ، وخرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلافة ضياعاً .
وقيل : كان معن بن زائدة ممن قاتل المسودة مع ابن هبيرة ، فلما قامت دولة المسودة اختفى معن إلى أن ظهر يوم الريوندية ، فأبلى يومئذ وبين حتى كان النصر على يديه ، ثم اختفى كما هو ، فتطلبه المنصور ونودي بأمانه فأتي به فأمر له بمال جليل ، وولاه اليمن . وفيها أمر المنصور ابنه المهدي وجعله ولي عهد المسلمين وبعثه على خراسان وأن ينزل الري ، ففعل ، وبلغ المنصور أن أمير خراسان عبد الجبار الأزدي يقتل رؤساء الخراسانيين ، فقال لأبي أيوب الخوزي : إن هذا قد أفنى شيعتنا ولم يفعل هذا إلا وهو يريد أن يخلع الطاعة . فقال : اكتب إليه أنك تريد غزو الروم فليوجه إليك الجند والفرسان ، فإذا خرجوا بعثت إليه من شئت ، فليس به امتناع ، فكتب إليه بذلك فكان جوابه أن الترك قد جاشت ، وإن فرقت الجنود ذهبت خراسان ، فكتب المنصور إليه بمشورة أبي أيوب : إن خراسان أهم من غيرها ، وإني موجه إليك جيشاً مدداً من عندي ، يريد المنصور بهذا أن عبد الجبار إن هم بالخروج وثبوا عليه ، فكان جوابه : إن خراسان مجدبة وأخاف من الغلاء على الجند .
فقال أبو أيوب للمنصور : هذا رجل قد أبدى صفحته وقد خلع فلا تناظره ، فوجه إليه خازم بن خزيمة . قال : فجهز المهدي من الري خازم بن خزيمة لحربه مقدمة ، ثم سار المهدي إلى أن قدم نيسابور ، فلما بلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار فقاتلوه فهزموه ، فالتجأ إلى مكان ، فعبر إليه المجشر بن مزاحم بجند مرو الروذ فأسره ، ثم أتى به خازم بن خزيمة فألبسه عباءة وأركبه بعيراً مقلوباً وسيره إلى المنصور في طائفة من أصحابه وأولاده ، فبسط عليهم العذاب ، واستخرج منهم الأموال ، ثم قتل عبد الجبار وسير أولاده إلى جزيرة دهلك ببحر اليمن ، فلم يزالوا بها حتى أغارت الهند عليهم فأسروهم ونجا منه عبد الرحمن ولد عبد الجبار ، فجاء فكتب في الديوان وبقي بمصر حياً إلى سنة تسعين ومائة . وفيها انتهى بناء مدينة المصيصة بتولي جبريل بن يحيى الخراساني .
وفيها افتتح المسلمون طبرستان وغنموا غنائم عظيمة بعد حروب جرت . وفيها عزل عن المدينة ومكة زياد بن عبيد الله . ثم ولي المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري ، وولي مكة الهيثم بن معاوية العتكي .
وحج بالناس أمير الشام صالح بن علي العباسي . وفيها استناب المهدي عنه على خراسان الأمير أسد بن عبد الله .