أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس القرشي
أبو جعفر المنصور : عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس القرشي الهاشمي العباسي ، أمير المؤمنين ، وأمه سلامة البربرية . ولد في سنة خمس وتسعين أو في حدودها . وروى عن أبيه ، ورأى جده ، وعنه ولده المهدي .
وكان قبل أن يلي الإمامة يقال له : عبد الله الطويل ضرب في الآفاق إلى الجزيرة ، والعراق ، وأصبهان وفارس . قال أبو بكر الجعابي : كان المنصور يلقب في صغره بمدرك التراب . أتته البيعة بالخلافة بعد موت أخيه السفاح ، وهو بمكة بعهد السفاح لما احتضر إليه ، فوليها اثنتين وعشرين سنة .
وكان أسمر ، طويلا ، نحيفا ، مهيبا ، خفيف العارضين ، معرق الوجه ، رحب الجبهة ، يخضب بالسواد ، كأن عينيه لسانان ناطقان ، تخالطه أبهة الملك ، بزي النساك ، تقبله القلوب ، وتتبعه العيون ، وكان أقنى الأنف بين القنا . وقد مر من أخباره في الحوادث ما يدل على أنه كان فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزما ورأيا وجبروتا ، وكان جماعا للمال تاركا للهو واللعب ، كامل العقل ، جيد المشاركة في العلم والأدب ، فقيه النفس ، قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه ، وكان في الجملة يرجع إلى عدل ، وديانة ، وله حظ من صلاة وتدين ، وكان فصيحا بليغا مفوها خليقا للإمارة . وقد ولي بعض كور فارس في شبيبته لعاملها سليمان بن حبيب بن المهلب الأزدي ، ثم عزله وضربه ضربا مبرحا لكونه احتجن المال لنفسه ، ثم أغرمه المال ، فلما ولي المنصور الخلافة ضرب عنقه .
وكان المنصور يلقب أبا الدوانيق لتدقيقه ، ومحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات ، وكان مع هذا ربما يعطي العطاء العظيم . قال أبو إسحاق الثعالبي : وعلى شهرة المنصور بالبخل ذكر محمد بن سلام أنه لم يعط خليفة قبل المنصور عشرة آلاف ألف دارت بها الصكاك ، وثبتت في الدواوين فإنه أعطى في يوم واحد كل واحد من عمومته عشرة آلاف ألف درهم . قلت : وقد حدث عن عطاء بن أبي رباح يسيرا ، وقد خلف يوم مات في بيوت الأموال تسع مائة ألف ألف درهم وخمسين ألف ألف درهم .
وروى يحيى بن غيلان ، ثقة ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : منا السفاح ، ومنا المنصور . وقال علي بن الجعد ، وأبو النضر : حدثنا زهير بن معاوية ، قال : حدثنا ميسرة بن حبيب ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير سمع ابن عباس يقول : منا السفاح ، ومنا المنصور ، ومنا المهدي . فهذا إسناده صالح ، والذي قبله منكر وهو منقطع ، ويروى نحوه بإسناد آخر عن المنهال .
قال أبو سهل بن علي بن نوبخت : كان جدنا نوبخت المجوسي نهاية في التنجيم فسجن بالأهواز : فقال رأيت أبا جعفر وقد أدخل السجن فرأيت من هيبته وجلالتهوحسن وجهه ما لم أره لأحد ، فقلت له : وحق الشمس والقمر إنك لمن ولد صاحب المدينة ، قال : لا ولكني من عرب المدينة ، قال : فلم أزل أتقرب إليه وأخدمه حتى سألته عن كنيته ، فقال : أبو جعفر ، فقلت : وحق المجوسية لتملكن ، قال : وما يدريك ؟ قلت : هو كما أقول ، فاذكر هذه البشرى ، قال : إن قضي شيء فسيكون ، قلت : قد قضاه الله من السماء ، فقدمت دواة فكتب لي : يا نوبخت إذا فتح الله ورد الحق إلى أهله لم نغفل عنك وكتب أبو جعفر . فلما استخلف صرت إليه فأخرجت الكتاب فقال : أنا له ذاكر ، ولك متوقع فالحمد لله ، فأسلم نوبخت فكان منجما لأبي جعفر ، ومولى . قال إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى بن محمد الهاشمي : حدثني أبي ، قال : حدثنا أبي ، عن أبيه قال : قال لنا المنصور : رأيت كأني في الحرم وكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة ، وبابها مفتوح فنادى مناد : أين عبد الله ؟ فقام أخي أبو العباس حتى صار على الدرجة ، فأدخل فما لبث أن خرج ومعه قناة عليها لواء أسود قدر أربعة أذرع ، ثم نودي : أين عبد الله ؟ فقمت إلى الدرجة فأصعدت ، وإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو بكر ، وعمر ، وبلال فعقد لي ، وأوصاني بأمته ، وعممني بعمامة ، وكان كورها ثلاثة وعشرين ، وقال : خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة .
وقال الربيع بن يونس الحاجب : سمعت المنصور يقول : الخلفاء أربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، والملوك : معاوية ، وعبد الملك ، وهشام ، وأنا . قال شباب : أقام الحج للناس أبو جعفر سنة ست وثلاثين ، وسنة أربعين ، وسنة أربع وأربعين ، وسنة اثنتين وخمسين ، زاد الفسوي : أنه حج أيضا سنة سبع وأربعين ومائة . قال أبو العيناء : حدثنا الأصمعي أن المنصور صعد المنبر فشرع في الخطبة فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين اذكر من أنت في ذكره ، فقال له : مرحبا لقد ذكرت جليلا ، وخوفت عظيما ، وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له : اتق الله أخذته العزة بالإثم ، والموعظة منا بدت ، وعنا خرجت ، وأنت يا قائلها فأحلف بالله ما الله أردت ، إنما أردت أن يقال : قام فقال فعوقب فصبر ، فأهون بها من قائلها ، وأهتبلها الله ، ويلك إني غفرتها ، وإياكم معشر الناس وأمثالها ، ثم عاد إلى خطبته ، وكأنما يقرأ من كتاب .
وقال الزبير : حدثني مبارك الطبري ، سمعت أبا عبيد الله الوزير ، سمع المنصور يقول : الخليفة لا يصلحه إلا التقوى ، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة ، والرعية لا يصلحها إلا العدل ، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه . قال الفريابي محمد بن يوسف : قال عباد بن كثير لسفيان : قلت لأبي جعفر : أتؤمن بالله ؟ قال : نعم ، قلت : فحدثني عن الأموال التي اصطفيتموها من بني أمية ، فوالله لئن كانت صارت إليهم ظلما ، وغصبا لما رددتموها إلى أهلها الذين ظلموا ، ولئن كانت لهم لقد أخذتم ما لا يحل لكم ، إذا دعيت يوم القيامة بنو أمية بالعدل جاءوا بعمر بن عبد العزيز ، فإذا دعيتم أنتم لم تجيئوا بأحد ، فكن أنت ذلك الأحد ، فقد مضت من خلافتك ست عشرة سنة ، وما رأينا خليفة بلغ اثنتين وعشرين سنة ، فهبك تبلغها فما ست سنين ؟ قال : يا أبا عبد الله ما أجد أعوانا ، قلت : علي عونك بغير مرزئة ، أنت تعلم أن أبا أيوب المورياني يريد منك كل عام بيت مال ، وأنا أجيئك بمن يعمل بغير رزق ، آتيك بالأوزاعي تقلده كذا ، وبالثوري تقلده كذا ، وأنا بينك وبين الناس أبلغك عنهم ، وأبلغهم عنك ، فقال : حتى أستكمل بناء بغداد ، فأخرج إلى البصرة ، وأوجه إليك . فقال له سفيان الثوري : ولم ذكرتني له ؟ قال : والله ما أردت إلا النصح للأمة ، ثم قال لسفيان : ويل لمن دخل عليهم إذا لم يكن كبير العقل كثير الفهم كيف يكون فتنته عليهم وعلى الأمة .
ويقال : إن عمرو بن عبيد رأس المعتزلة دخل على المنصور ووعظه ، فبكى المنصور ، وقال : يا أبا عثمان هل من حاجة ؟ وكان يدني عمرا ، ويكرمه ، ويجله قال : نعم ، قال : وما هي ؟ قال : لا تبعث إلي حتى آتيك ، قال : إذن لا نلتقي ، قال : عن حاجتي سألتني ، ثم نهض فلما ولى أمده بصره وهو يقول : كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد قال عبد السلام بن حرب : أمر له بمال فرده ، فقال المنصور : والله لتقبلنه ، قال : والله لا أقبله ، فقال له المهدي : أمير المؤمنين يحلف فتحلف! قال : أمير المؤمنين أقوى على الكفارة من عمك . أبو خليفة : حدثنا محمد بن سلام قال : قيل للمنصور : هلى بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله ؟ قال : بقيت خصلة : أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث فيقول المستملي : من ذكرت رحمك الله ، قال فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر ، فقال : لستم بهم إنما هم الدنية ثيابهم ، المشققة أرجلهم ، الطويلة شعورهم ، برد الآفاق ، ونقلة الحديث . الصولي : حدثنا أحمد بن يحيى ، عن محمد بن إسماعيل ، عن أبيه قال : قال عبد الصمد بن علي للمنصور : يا أمير المؤمنين لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو ، قال : لأن بني أمية لم تبل رممهم ، وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة ، واليوم خلفاء ، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو .
وروي أن هشام بن عروة دخل على المنصور فقال : يا أمير المؤمنين اقض عني ديني ، قال : فكم دينك ؟ قال : مائة ألف ، قال : وأنت في فقهك وفضلك تأخذ مائة ألف ليس عندك قضاؤها! قال : شب فتيان لي فأحببت أن أبوئهم ، وخشيت أن ينتشر علي من أمرهم فبوأتهم ، واتخذت لهم منازل ، وأولمت عنهم ثقة بالله وبأمير المؤمنين ، قال : فردد عليه : مائة ألف ، استكثارا لها ، ثم قال : قد أمرنا لك بعشرة آلاف ، فقال : يا أمير المؤمنين أعطني ما تعطي ، وأنت طيب النفس فإني سمعت أبي يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أعطى عطية وهو بها طيب النفس بورك للمعطي والمعطى قال : فإني طيب النفس بها ، فأهوى هشام إلى يد المنصور يقبلها فمنعه ، وقال : إنا نكرمك عنها ، ونكرمها عن غيرك . وروي عن الربيع قال : لما مات المنصور درنا في الخزائن أنا والمهدي ، فرأينا في بيت أربع مائة حب مسدودة الرءوس فإذا فيها أكباد مملحة أعدها للحصار . وذكر الرياشي عن محمد بن سلام أن جارية رأت قميصا للمنصور مرقوعا فأنكرت ذلك فقال : ويحك أما سمعت قول ابن هرمة : قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلق وجيب قميصه مرقوع وروى عمر بن شبة ، وروي عن المدائني ، وغيره أن المنصور لما احتضر قال : اللهم إني قد ارتكبت الأمور العظام جراءة مني عليك ، وقد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله منا منك لا منا عليك ، ومات ، وقد كان المنصور رأى مناما يدل على قرب الأجل فتهيأ وسار للحج .
قال هشام بن عمار : حدثنا الهيثم بن عمران أن المنصور مات بالبطن بمكة . وقال خليفة ، والهيثم ، وغيرهما : عاش أربعا وستين سنة . وقال الصولي : دفن ما بين الحجون وبئر ميمون في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة .